Menu

من سوريا: قواعد اللعبة تغيّرت تماماً

هاني حبيب

هكذا يجب أن تُفهم الأمور في الشأن السياسي، فرض الأمر الواقع يجبر الأطراف الأخرى على التعامل معه من منطلق ان ما حدث قد حدث، وأقصى ما يتمنى الوصول له تقليل خسائر الطرف المتضرر، قاعدة ليست بحاجة إلى كثير في نقاش الشأن السياسي، وهذا ما حدث بالضبط عندما مارست القيادة الروسية سياستها، قبل أكثر من عام في أوكرانيا واستعادت شبه جزيرة القرم، وقبل أسابيع قليلة عندما فوجئ العام كله، وعلى رأسه أميركا، بأن روسيا قد باغتتها وضاعفت من تواجدها العسكري في سوريا بكافة اشكال الأسلحة، خاصة الجوية منها، وأن هذا التواجد تم بالتنسيق الأمني والسياسي مع طهران بطلب من القيادة السورية، كل شيء تم بسرعة وتم فرض حقيقة اذهلت متابعي وسائل الاعلام، والامر الذي يجب تجاهله في هذا السياق، أن هذا المحور "التحالف الجديد" قد باشر مهماته بسرعة قياسية معلناً عن بدء حرب قتالية لمهاجمة أوكار الإرهاب خاصة قواعد ومرتكزات "داعش" وربما يتذكر بعض المراقبين أن "التحالف الدولي" الذي تقوده الولايات المتحدة لم يباشر إعلانه عن غارات على قواعد داعش الا بعد أسابيع من اعلان تشكيله، وقد تبين فيما بعد أن هذه الغارات كانت في معظمها وهمية ولم تؤثر من الناحية العملية على استمرار "داعش" بالتوسع في كل من العراق وسوريا، وكانت "داعش" تتباهى وهي تستعرض قواتها المحمولة عبر الطرق الدولية دون أن يتصدى لها أحد.

إثر هذه المباغتة، تجندت كل وسائل اعلام التحالف الامريكي – الخليجي، للتشكيك في أهداف الدور الروسي والتحالف الجديد، من حيث الأهداف العسكرية بدعوى أنها كانت موجهة ضد "المعارضة المعتدلة" وليس "داعش" وقد توقفت عند إحدى التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث علق أحدهم على خبر صادر عن التحالف الأمريكي في هذا السياق يشير إلى أن الطائرات الروسية قصفت موقعا "للمعارضة المعتدلة" بينما كانت هناك مواقع لداعش لا تبعد سوى ستة كيلو مترات فقط عن الموقع المقصوف التعليق كان: اذا كنتم تعرفون موقع داعش، كما أشرتم، فلماذا لم تقصفوه !! والمقصود هنا كما هو واضح أن التحالف الأمريكي لديه كل الإمكانيات لتحديد مواقع داعش وقصفها -اذا توفرت الإرادة السياسية- لكن بقاء داعش قوية وقادرة على الاستمرار هو هدف، باتت مؤشرات عديدة تؤكد تقاطع مصالح اطراف التحالف الأمريكي، في الإبقاء على الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة انطلاقاً من الساحة السورية.

وإذ تتهم وسائل اعلام التحالف الأمريكي، الهجمات الروسية بمهاجمة مواقع "المعارضة المعتدلة" وتحديداً، قواعد الجيش الحر، فالواقع هناك التباس واضح، فقد سبق وأن أعلنت المصادر الأمنية والسياسية الأمريكية، انه لم يتبق من أكثر من مائتي متدرب سوري، تم تدريبهم وتسليحهم من قبل اميركا في تركيا ، الا أربعة اشخاص بعدما تبين أن "جبهة النصرة" تسلمت الأفراد وأسلحتهم، فأين الجيش السوري الحر الذي قامت الطائرات الروسية بمهاجمة مواقعه، حسب ادعاء التحالف الأميركي وأدواته الإعلامية.

فرض واقع جديد على الساحة العربية، انطلاقاً من سوريا، هو المتغير الأبرز ليس فقط بميزان القوى الذي ظل لصالح قوى التدخل الداعمة للإرهاب في سوريا، بل لأنه يحطم تابوهات ومسلمات جرى التعامل معها، باعتبارها قدراً لا مناص منه، عن الدور الأمريكي وتأثيره المباشر على المنطقة ومستقبلها، بالتحالف مع القوى الداعمة للفصائل الإرهابية بالمال والسلاح، لم يبق اللاعب الأمريكي وحيداً في الساحة، بل لم يعد قادراً على ان يقنع خلفائه بأنه بالإمكان الاعتماد عليه.