Menu

هل دونالد ترامب فاشي أم طامح ليكون كذلك؟

أحمد مصطفى جابر

نُشر هذا المقال في العدد 23 من مجلة الهدف الرقمية

كما هو حال الصحة النفسية لدونالد ترامب، والتي استعرضناها في العدد الماضي، فقد حازت فرضيةُ فاشيةِ دونالد ترامب على مساحةٍ واسعةٍ في النقاش السياسي الأمريكي لدى المختصين وفي الإعلام وفي الإطار العام للنقاش الجماهيري.

فهل دونالد ترامب فاشي؟ ماهي الفاشية أصلا؟ وكيف نصنف شخصاً ما إنه فاشي؟ هذه بلا شك أسئلة معقدة، اهتم بها السياسيون، ورجال المخابرات والجواسيس جنباً إلى جنب مع علماء النفس والاجتماع والأدباء وربات البيوت أيضا، فالجميع لديهم أفكارهم الخاصة عن جوهر الفاشية وماهيتها وعناصر تكونها، مما جعل الخوض فيها ميداناً خطيراً للباحثين، ولا يقل خطورةً عن التشخيص النفسي المعقد بدوره لتسجيل اضطرابٍ معينٍ في السلوك أو الشخصية.

 وكنت قد ناقشت في الحلقة السابقة فرضية اعتلال الصحة النفسية للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، ويسعى هذا النص، لمراجعة المعطيات التي تحيل إلى توصيف ترامب كفاشي.

قبل الفحص:

بسبب التعقيدات الآنفة، دائماً كنت أرفض الانحياز إلى تعريفٍ محددٍ للفاشية، ولعل أفضل ما قيل في هذا المجال، ما قاله جون كوتنغهام بأن التوجهَ لتعريف الفاشية ليس له ما يزكيه، ورغم أن الفاشية هي "قوس واسع مترنح من العقائد والمفاهيم والسلوكيات التي تحدد حاملها، إلا أنه ثمة اضطراب في أروقة البحث مرده الاختلافات الجوهرية بين الفاشيات الكلاسيكية والحديثة، أو تلك التي ظهرت ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأميل أيضاً إلى رفض المطابقة بين الفاشية كنظام، وإمكانية أن يكون الشخصُ فاشياً، كونه ينتمي إلى هذا النظام، لأسبابٍ مختلفةٍ عن العقيدة، ولكن عموماً الفاشية انحرافٌ عن الطريق السوي للاجتماع والسياسة، وهنا أيضاً لا أظن أن اثنين سيتفقان فعلاً على ماهية هذا الطريق السوي!

فالفاشية كما مجمل الانحرافات السياسية أو السلوكية أو الدينية، هو مصطلحٌ يستخدم كثيراً للإساءة للأشخاص الذين لا نحبهم سياسياً، أو لا يتوافقون معنا، وفي الحقيقة إن استخدام هذا المصطلح من قبل طيفٍ واسعٍ من الناس، جعله مبتذلاً نوعاً ما، إذا لم يستخدم ضمن سياقٍ دلاليٍ من الأدلة المقنعة والمفاهيم التي تم الاتفاق عليها، ونتذكر جميعا كيف وصفت هيلاري كلينتون باعتبارها "فاشية ليبرالية"، بينما أطلق المحافظون على الدين الإسلامي اسم "الفاشية الإسلامية" على لسان مستشار ترامب ستيف بانون، بالنظر إلى ما فعلته الأنظمة الفاشية الكلاسيكية في النصف الأول من القرن العشرين، فإن "الفاشية" هي إهانةٌ مروعة، فهل دونالد ترامب فاشي؟

في أحد السياقات يتم التعرف على الفاشية من ناحية اعتقاد الفاشيين، أن الليبرالية والمحافظة التقليدية والديمقراطية الليبرالية قد تدهورت، ولم تكن قادرةً على التعامل مع الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية في القرن العشرين، وما كان ضروريًا بدلاً من ذلك، هو التعبئة الكاملة للمجتمع من قبل دولةٍ شمولية بقيادة زعيمٍ واحدٍ على رأس حزبٍ فاشيٍ واحد، كان الإخلاص لـ "مبدأ القيادة" يعني أن جميع القادة مارسوا سلطةً جذابة، وكانت الحركة ملتزمةً بالوحدة الوطنية وقمع الصراع الطبقي والفضائل القتالية، لم تعتبر الفاشية العنف سلبيًا، بل كان العنفُ السياسي والحرب والإمبريالية وسائلَ مشروعة للتشجيع على تكوين "رجل جديد" أقوى وأكثر قتالية، وأكثر فضيلة من المواطنين الفاسدين والحركات السياسية للديمقراطيات، يجب تطهير الأمة من الخصوم السياسيين مثل الشيوعيين والاشتراكيين والليبراليين، بعنف إذا لزم الأمر، كما عارض معظم الفاشيين الأديان المنظمة باستثناء دياناتهم - لأن بعض العلماء جادلوا بأن الفاشية نفسها كانت ديانة، لكنهم لم يضطهدوا الكنائس المسيحية، بل إنهم تعاملوا معها، كما أضافت معتقداتهم حول الأسرة وأدوار الجنسين مراوغات عنصرية إلى وجهات النظر التقليدية المحافظة.

عندما نأتي إلى دونالد ترامب لا يمكننا إنكار أنه لا يوجد أزمات مماثلة لما ذكرناه آنفاً، وفي الحقيقة نجد جملةً متنوعةً من المبادئ العشوائية التي يتبعها دونالد ترامب، ولكن أليست هذه طبيعة الفاشية؟ إنها انتقائيةٌ وتحيزية، ضمن خدمة المصلحة الخاصة، كما أن ثمة فارقٍ أساسيٍ ربما أن الفاشيين الأوروبيين الكلاسيكيين في القرن العشرين كانوا يعبدون الدولة، بينما ترامب في الواقع يعبد نفسه، ولكن هذا لا ينفي أن لديه رؤيةً خاصة هي رؤيةً سلطوية، من أجل تحقيق سياساته وإنفاذها، حيث سعى إلى حكومةٍ نشطةٍ مع قوات شرطة وأمن وقوات حدودية شبه عسكرية موسعة بشكلٍ كبير، وكلها تحمل أسلحةً شبه آلية، بالإضافة إلى معسكرات احتجازٍ كبيرة للمهاجرين، وجدرانٍ حدوديةٍ ضخمة، وحواجزَ لا حصر لها للحماية التجارية، وتفضيله لجيشٍ أكبرٍ قادرٍ على القضاء على الإرهاب الإسلامي "من على وجه الأرض" كما يحب أن يقول، وكذلك إكراه الحكومات الأجنبية على الخضوع، وكل هذه التوجهات السياسية كانت متوافقةً مع الأنظمة الفاشية الأوروبية في فترة ما بين الحربين.

آراء الخبراء:

ظهر هذا السؤال - هل دونالد ترامب فاشي؟ - بأشكالٍ مختلفةٍ في وقت مبكر جدًا من حملته الرئاسية لعام 2016، والتي بدأت بخطابٍ ضد المهاجرين المكسيكيين، واكتسب زخماً بعد أن دعا إلى "إغلاقٍ تامٍ وكاملٍ للمسلمين الذين يدخلون الولايات المتحدة " في ديسمبر 2015، باعتباره رداً على هجوم سان برناردينو الإرهابي.

في تلك المرحلة، وبعد اقتراح حظر المسلمين، كان هناك اضطرابٌ لدى الخبراء الأمريكيين، وهو في جزءٍ منه اضطرابٌ تحيزي، إذ زعم بعضهم أنه لا يمكن مقارنة ترامب بهتلر، لأن في هذا "إساءة للهولوكوست"، وهم اختاروا هنا عقدةً نفسيةً أخرى قاموا باعتناقها، تقوم على ادعاء "فرادة الضحية اليهودية" وبالتالي فرادة "جلادها". وزعم البعض أن الفاشيَ يجب أن يكونَ "ثورياً" وعادةً ما يكون عنيفًا، للإطاحة بالحكومة / الدستور بأكمله، وأن يرفض الديمقراطية تمامًا، ولعل هؤلاء غيروا رأيهم بعد سلوك ترامب في الفترة الانتقالية واحتقاره للدستور وغزوة الكابيتول، وقد حاول روجر جريفين، مؤلفُ كتاب طبيعة الفاشية وأستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد بروكس، ربما الالتفاف على تعريفٍ واقعيٍ ممكن بالقول "يمكنك أن تكون رجلاً شوفينياً عنصرياً كارهاً للأجانب وما تزال غير فاشي".

فيما يلي نلخص آراء خبراء أمريكيين بعد انتهاء فترة ترامب الرئاسية، وكانت ردودهم كما نرى مشوبةً بقلقٍ أكبر بشأن ميول ترامب الاستبدادية والعنيفة، ولا أحد يعتقد أن ترامب زعيمٌ فاشي، ما عدا تقريباً جيسون ستانلي، فيلسوف جامعة ييل ومؤلف كتاب" كيف تعمل الفاشية"، أقرب ما يكون إلى حيث قال إنه "يمكنك تسمية الترامبية بشكلٍ شرعيٍ بأنها حركةٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ فاشية" وأن ترامب "يستخدم تكتيكاتٍ سياسيةً فاشية"، لكن ترامب ليس كذلك لا يقود بالضرورة حكومةً فاشية.

لكن معظم الخبراء لم يذهبوا إلى هذا الحد، وأعرب البعضُ عن قلقه من أن وصف ترامب بأنه فاشيٌ يقوض المصطلح، ويؤدي إلى تحليلٍ خاطئٍ للوضع السياسي الأمريكي الحالي، تقول شيري بيرمان، أستاذة العلوم السياسية في كلية بارنارد: "إذا كان ترامب فاشياً وكنا في وضعٍ مشابه لألمانيا عام ،1932 أو إيطاليا عام 1921، فسيكون هناك ما يبرر أنواعاً معينةً من الإجراءات".

رغم ذلك، فإن المخاوف التي دفعت وتدفع الناس إلى طرح السؤال "هل ترامب فاشي؟" حقيقية، لقد شوهه ترامب سمعة الانتخابات، ودعم جماعاتٍ قوميةً بيضاء، ووعد بحظر جميع المسلمين وتطبيق قواعد جديدة، وامتنع عن مطالبة أنصاره بمغادرة الكونغرس بعد احتلاله، واستمر بإهانة المكسيكيين والمهاجرين عموماً، ولديه نظرة ذكورية مبنية على التفضيل الجنسي للمرأة، ووصف المهاجرين المكسيكيين بـ "المغتصبين"، وتعاطف مع النازيين الجدد بعد أحداث شارلوتسفيل، الذين زعموا أن المسلمين الأمريكيين احتفلوا زوراً بهجمات 11 سبتمبر.

لكن هذا يكفي، حيث يرى بعض الخبراء أن الأمور يمكن أن تسوء دائماً، هناك بالفعل قادة يعلقون الانتخابات، ويحلون الهيئات التشريعية، ويلقون بأعدادٍ كبيرةٍ من المواطنين في معسكراتٍ دون محاكمةٍ أو استئناف، والذين يحولون دولهم إلى دولٍ ذات حزبٍ واحدٍ موجهة حول عبادة ولادة وطنية جديدة، يلاحظ جيسون براونلي من جامعة تكساس أن القادة الفاشيين في الماضي "لم يتبعوا سياسات الجناح اليميني فحسب، بل قاموا أيضاً بتكوين أحزاب تعبئةٍ جماهيريةٍ ومنظماتٍ شبه عسكريةٍ بهدف القضاء على الحركات البديلة، وتأسيس ديكتاتورية الحزب الواحد" وهذا لم يحدث، كما شهدنا في اليونان مثلاً عندما أصبح حزب الفجر الذهبي للنازيين الجدد ثالث أكبر حزبٍ سياسيٍ في منتصف عام 2010، وإذا حدث ذلك في أمريكا ومتى حدث ذلك، فنحن بحاجةٍ إلى المصطلحات والأدوات المناسبة لمواجهته.

إلى جانب ما اعتبروه اختلافاتٍ تاريخيةً وربما أيدلوجية، والميل أكثر لاعتبار ترامب نموذجاً من الشعبوية، المقيتة على الأغلب، اعتبر بعض الخبراء أن ترامب غالباً ما يشارك فيما تشير إليه أدبياتُ العلوم السياسية باسم "المزايدة العرقية" وربما يمكن استخدام مصطلح "التكامل السلبي" - استراتيجية لتوحيد التحالف عن طريق إثارة الخوف / الكراهية للأعداء المزعومين- و كان بسمارك هو الممارس الكلاسيكي لاستراتيجية التكامل السلبية.

هل يمكن تطبيق مقياس معين لتحديد إن كان ترامب فاشيا من عدمه؟

يبدو أن أسلوبه هو الذي يدعو إلى تسميات مثل الفاشية، خطابات تعسفية، مبالغة، هاجس ذاتي، تبسيطي، وشديد التكرار، يستخف بالأعراف الرئاسية كما أنه يجد صعوبةً في الالتزام بأي نسخةٍ معقولةٍ ومتسقةٍ من الحقائق وهو يظهر ميولاً استبداديةً شخصيةً واضحة.

كيف نحدد ترامب إذاً؟  فلنقم أولا بمقارنته بالفاشي الكلاسيكي، الذي صار بحد ذاته معياراً، أعني أدولف هتلر: هتلر هو الفاشي الكلاسيكي، لكن ماذا عن ترامب؟ عند مقارنة سلوك ترامب بسلوك الديكتاتوريين التاريخيين، تظهر أدلةٌ على فاشية ترامب بشكلٍ أوضح، وعموماً فقد لجأت في التقييم التالي إلى المقياس الذي وضعه الإيطالي ثيودور أدورنو، مع رفاقه والذي شمل أصلا على 21 معياراً، وقمت بدمجه مع السمات الأيدلوجية المتفق عليها في أبحاث الفاشية:

القومية: رغم أننا نعلم أن هذه الصفة لا تقتصر على الفاشية، لكنها مركزيةٌ لكل فاشي، حيث وعد ترامب بانتظام بوضع أمريكا في المقام الأول "اجعلوا أمريكا عظيمةً مرة أخرى"، ويمدح فضائل الأمريكيين العاديين (والتي يبدو أنه يعني بها الأمريكيين البيض) ووفقا لمعايير السياسة الأمريكية، فهو قومي مفرط، حيث تؤكد الأنظمة الفاشية على قيم وطنية "الوطن"، مستنتجةً أن أولئك الذين لا يضعون الدولة أولاً هم خونة غير أوفياء.

العسكريتارية: اعتاد الفاشيون بشكلٍ روتيني على تبني المؤسسات العسكرية والفضائل العسكرية، وسعى على الأقل خطابيًا إلى إيجاد حلولٍ عسكريةٍ للقضايا السياسية، وقد بالغ ترامب في الثناء على القوات العسكرية واقترح حلولاً غامضةً ومبتذلةً لمشكلة الدولة الاسلامية (داعش)، وأوصى بالاستيلاء على نفط الشرق الأوسط، ولاحظ أن هذا يتطلب قوةً عسكرية، ولكنه بالنقيض انتقد خصومه بسبب مغامراتهم العسكرية غير الكفؤة.

عبادة الزعيم: كان الفاشيون يتطلعون دائماً إلى زعيمٍ يتسم بالجرأة والحسم والرجولة والقسوة عند الضرورة؛ لأن الحالة الخطرة للأمة تتطلب مثل هذه الصفات رسم موسوليني وهتلر، وكلاهما من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الأولى، نماذج قيادتهما من ضباط الجيش وعملوا بجدٍ لتلميع صورهم باعتبارهم حكام شجعان لا يدينون بالفضل لأحد، لقد شجعوا أتباعهم على جعلهم معبودين بألقاب دوتشي وفوهرر، ورغم أن ترامب ليس من قدامى المحاربين، فإنه يعتنق تماماً عبادة القائد، وتقدم تجربة عمله كدليل على قيادته الحاسمة.

تمجيد العنف والاستعداد لاستخدامه في السياسة: اعتقد الفاشيون مثل موسوليني أن العنف يمكن أن ينظف ويخلص أمةً ملطخة، لقد شجعوا البلطجية المخلصين على الاعتداء وقتل الأشخاص الذين يختلفون معهم سياسياً، وترامب كما أشارت التقارير قال أِشياء يمكن تفسيرها على أنها دعواتٌ للاغتيال، وغالبًا ما يتحدث أتباعه بشوق عن أعمال العنف التي يرغبون في رؤيتها ترتكب ضد الآخرين، وشهدنا ذلك في أحداث الكابيتول، وأوصى ترامب بإعدام عائلات "الإرهابيين" وتعذيبهم، ويزعم خبراء أمريكيون أن هذا يبقى أقل من المستوى الذي وصل إليه القمصان السود الإيطاليون، أو قمصان هتلر، الذين لم يدعوا فقط إلى العنف السياسي بل لجأوا إليه على نطاقٍ واسع.

ازدراء حقوق الإنسان: يفضل الفاشيون عادةً اضطهاد الدولة البوليسية، بينما يضحون بالحقوق المدنية والحريات لمواطنيها، لا نشجع التجمعات غير العنيفة لتقديم التماساتٍ لإنصاف المظالم، ماذا قال ترامب؟: " أنا رئيس القانون والنظام" و "إذا طلبت من الجنرالات أن يفعلوا ذلك (يرتكبون جرائم)، فإنهم سيفعلون ذلك".

التعبئة الجماهيرية والحزبية: استولى كلٌ من موسوليني وهتلر على السلطة بفضل موجات الدعم التي تم تنظيمها في أحزابٍ سياسية جديدة، قد يكون الحزب الجديد مناسباً لترامب بشكلٍ أفضل، لكنه لم يؤسسه، وبدلاً من ذلك استولى على الحزب الجمهوري، أعاد تأهيل سيارةٍ قديمةٍ بقطع غيارٍ من سياراتٍ أخرى، وهو يحب الإشارة إلى أتباعه على أنهم حركة، ونادراً ما حاول وصف نفسه بأنه جمهوري.

الاستخدام المكثف للحماسة الوطنية: (التجمعات الكبيرة) والشعارات السياسية ("تجفيف المستنقع") وكبش فداء ("الفيروس الصيني") كوسيلةٍ لتمجيد نفسه والسخرية من خصومه السياسيين، مثلاً "حظر المسلمين، الافتراء على المهاجرين، هيلاري يجب حبسها".

هيكل الحزب الهرمي والميل لتطهير المخالفين: الحركات الفاشية، مثل الثورات أكلت أطفالها، وأي شخص أظهر ولاءً فاتراً فقط للقائد، أو أظهر القدرة على التفوق على القائد يخاطر بتعريض نفسه للقتل، أو الطرد والإبعاد، وميل ترامب إلى الإبعاد التنظيمي والطرد والاغتيال السياسي بمعنى تحطيم خصومه معنوياً ومكانة.

المسرحية: كانت الفاشية مسرحيةً للغاية من حيث الأسلوب والخطابة، إن أفلام وصوت موسوليني وهتلر تجعلهم يبدون وكأنهم مهرجون، بإيماءاتهم المبالغ فيها، وتحياتهم، وخطاباتهم الساخنة المليئة بالمطلقات وصيغ التفضيل، تطورت تجمعاتهم إلى طقوسٍ جماعيةٍ معقدةٍ للموالين، وواضح أن خطاب ترامب يناسب الأسلوب الفاشي جيداً، يسمي الأشياء والناس دائماً، بـ الأسوأ أو الأفضل على الإطلاق، تتميز تجمعاته بترديد الهتافات، ويبدو في كثيرٍ من الأحيان في مشيته وتعابير وجهه وانفعالاته كموسوليني كلاسيكي.

الذكورية وكراهية المرأة: عبّر الفاشيون عن ما اعتبروه فضائل ذكورية ودعموا سلطة الرجل داخل الأسرة والمجتمع، وحثوا النساء على حصر مجالهن في المنزل والأطفال (وكلما كان ذلك أفضل) ويشارك ترامب الكثير من هذه النظرة، مشيداً بقدرته على التحمل، واتهم منافسته الأنثى في الانتخابات الأولى هيلاري كلينتون، بالافتقار إلى قدرة الرجل، ويستهزئُ بالرجال الذين يراهم كناقصي رجولة، ولكن في حين كان موسوليني يحب أن يكرس والدته، المكرسة للمنزل والموقد، باعتبارها المثل الأعلى الأنثوي، يبدو أن رؤية ترامب للمرأة المناسبة هي عارضة أزياء، أكثر انسجاماً مع أيديولوجية هيو هيفنر من موسوليني، ومع ذلك، فإنه يحصل على درجاتٍ كاملةٍ في الرجولة المتطرفة: (ترامب: "يجب معاقبة النساء - والأطباء الذين أجروا عمليات إجهاض").

يحاول الفاشيون عادةً السيطرة على وسائل الإعلام: يتم تصنيف الأخبار المشروعة على أنها مزيفة، ويتم تصوير الأخبار المزيفة على أنها شرعية، الرقابة الحكومية أمرٌ روتيني، لا سيما أثناء الحرب (ترامب: الإعلام عدو الشعب).

التخويف: يستخدم الفاشيون بشكلٍ روتينيٍ الخوف والدين من أجل التلاعب بالرأي العام وتحفيزه (ترامب: هم (المكسيكيون) يجلبون المخدرات والجريمة. إنهم مغتصبون "و "المسيحية تحت الحصار").

تبادل المنافع: غالبًا ما تمول الشركات الكبرى (الشركات) حملات الفاشيين للمناصب السياسية، مما يخلق علاقةً متبادلة المنفعة: ترامب: بشكلٍ روتيني يعين حلفاءه بما يخالف الدستور.

قمع النقابات: في الحكومات الفاشية، يتم قمع النقابات العمالية بشدة، إن لم تكن محظورة بالكامل (ترامب: "الحصول على حد أدنى منخفض للأجور ليس بالأمر السيئ").

الانتخابات الاحتيالية: الجهود المبذولة لجعل التصويت أكثر صعوبة منتشرة، خاصةً بالنسبة للأقليات العرقية والإثنية (ترامب: يعين صديقاً حميماً من أجل نزع أحشاء خدمة البريد الأمريكية، يتم تطهير قوائم الناخبين بشكلٍ انتقائي).

تصنيم الشباب: كانت الحركات الفاشية، حتى عندما يقودها رجالٌ في منتصف العمر، تشيد دائماً بنشاط الشباب ووعودهم، وبذلت جهوداً خاصةً لجذب الشباب، ولكن ترامب في وضعٍ سيءٍ في هذا المجال، وقد بلغ السبعين، وليس لديه منظمة شبابية خاصة بل أكثر أتباعه تجاوزا الأربعين.

تفشي الفساد: يستخدم الفاشيون السلطة الحكومية لحماية المتعاونين معهم من المساءلة. يشغل أفراد عائلة ترامب والعديد من المقربين منه العديد من المناصب في إدارة ترامب (المحسوبية) ولا يرى الفاشيون هذا على أنه تضاربٌ في المصالح، بل يصور الفاشيون أنفسهم على أنهم منقذون.

هل ترامب فاشي بناء على هذا؟ إذا لم يكن كذلك، فمن الواضح أنه لديه الطموح ليكون واحداً، ولا شك أن خطابات وسياسات ترامب أشرت على أفقٍ جديدٍ مرعبٍ للساحة السياسية وأنماط حكمها، وقد أطلق ترامب العنان لما وصفه منظّر مدرسة فرانكفورت ثيودور أدورنو ذات مرة بـ "اللاعقلانية الاستبدادية"، الجانب السفلي المظلم والخطير لعلم النفس والسياسة العنصريين والشموليين، حسنا إذن مرة أخرى: قد لا يكون ترامب هو أدولف هتلر، لكن هناك أوجه تشابه مزعجة في لغته وسياساته الرجعية، هذه الدروس التاريخية بالتحديد هي التي يجب فحصُها بعناية حتى يمكن التعرف على طاعون الفاشية في شكله الحالي ومقاومته حتى لا يحدث مرةً أخرى أبداً.

وعلى الرغم من التحليل أعلاه، يبدو واضحاً أن قضية ما إذا كان ترامب فاشياً أصبحت الآن فوق دحضها، وربما للتارخ ما يقوله في هذا المجال، وحتى لو لم ننجح في تصنيف ترامب كفاشي، ولم نتمكن من إثبات هذا، فإن ما لا شك فيه أن عناصرَ كثيرةً تنمو في تربة النظام الأمريكي، المتحدر من سلفٍ واحدٍ مع الفاشية الكلاسيكية منذ القرن السابع عشر، وربما يبقى للتاريخ أن يحسمَ، وربما هي قضيةٌ لم تعد مهمةً للكثيرين حول العالم، ولا أعرف ماذا سيكون الموقف عندما أو إذا عاد ترامب بعد أربع سنوات وهو أكثر قوةً بعد تبرئته في مجلس الشيوخ، ربما العالم يفهم الآن أن الفاشية تقف متحفزةً وراء الباب، ولم يتم دحضها فعلاً وبشكلٍ نهائيٍ مع انتحار أدولف هتلر وإعدام موسوليني.