Menu

حول التناقض بين الريف والمدينة: أو أنشودة إلى أمّنا ـ الأرض.

محمد صالح التومي - المعروفي

خاص بوابة الهدف

أصبحت فلاحة الأرض هي عماد كل إنتاج منذ اكتشاف الإنسان للزراعة، ومنذ تجاوزه لمرحلة الصيد والقطاف، إذ صار بإمكانه بعد مراقبة تغيّر الفصول وتأثير ذلك على دورة حياة الأشجار،والنباتات قادرا على إنتاج وإعادة إنتاج كل ما هو صالح لغذائه ضمانا لاستمراره في الحياة ، في الحيز الزمني الذي يمكن أن يكون متاحا له، بل إنه صار بإمكانه أن يفعل ذلك كيفما يريد، وأينما يريد تقريبا، مختارا لذك غالباو بطبيعة الحال الأماكن التي  تتوفر بها المياه، أكانت تلك المياه موجودة في العيون أم في الوديان أم في الأنهار؛ فبمثل هذه الأماكن تطورت الحضارات كما هو معروف.

وقد أنتج هذا التّوجّهُ ظاهرتين، كانت الأولى منهما هي استحواذ أصحاب القوة على أخصب الأراضي وأكثرها شساعة، ثم استئناسهم لأكثر ما يمكن من الحيوانات للاستعانة بها، كاستعبادهم لغيرهم من البشر ماداموا هم كأفراد غير قادرين على أن يستثمروا بأنفسهم كل ما استحوذوا عليه، فذلك ما أنشأ نظامي العبودية والقنانة، وهما نظامان مرتبطان بخدمة الأرض، وبالعمران الريفي، فالفرق كمّيّ فقط بينهما.

أما الثانية منهما فكانت نشأة الحرَف التي تضم المهرة في صنع أدوات الفلاحة من معاول وفؤوس وسلال وغير ذلك من الاحتياجات، مثل أبواب الديار، وما يسد كل الفتحات في جدرانها، كالشبابيك والأسقف، أو صنع ما يحتاجه الناس من كساء وأحذية ومفروشات وأغطية، تلك التي كان يصنعها الناس بأنفسهم بصورة بدائية أول الأمر، فعرضها عليهم الحرفيون بأكمل صورة وأدقّها صنعة، وأكثرها جمالية، وصولا من طرف هؤلاء المهرة حتى إلى استنباط  ما هو كماليّ، وإغراء الناس به، كالتفنن في نمط البناء، وتوفير مستلزمات المركوبات من خيل وحمير ونوق وفيلة وغير ذلك التي تطورت، كما نشهده حاليا إلى سيارات وطائرات وسفن، فكان لكل هذا في تلك الأزمنة علاقة بتطور مهنة التجارة التي جعلت البشر يتجاوزن مرحلة المقايضة ومبادلة منتوج بآخر إلى مرحلة الاعتماد على الوسطاء الذين انتصبوا للغرض في النواتات القروية، تلك التي تطورت بدورها وأصبحت مدنا وحواضرا، وجلبت إليها من نصّبوا أنفسهم حكاما وأمراء وملوكا كي يسكنوا فيها، بمعية من سيُسخّرونهم سواء لحماية منهوباتهم أو لضمان الاستزادة فيها بالجباية التي يقع تجميعها باستعمال القوة، كما بمعية من سيستعملونهم لفرض الطاعة والخضوع  توسلا بتحريف المنظومات القيمية والروحية، وبتزييف الوعي الناتج عن المراكمات الثقافية، وبتدجين كل ذلك في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم، ومن ثمة إخماد كل الأصوات التي قد تعارض قمعهم أكان ذلك باسم مثل الحرية والمساواة والعدل في مسار أول، أو باسم الحلم بمنافستهم وبإزاحتهم طلبا للرئاسة مكانهم في مسار ثان، وهما مساران مازالا موجودين إلى اليوم، وقد يكون من يطلبون تلك الرئاسة ممن لهم قدرة على الوصول إليها وممارستها، أوهم قد يطلبونها حتى بدون قدرة على ذلك.                           

وقد كانت المبادلة التجارية تتمّ في البداية بالمقايضة ( سلعة مقابل سلعة) ثم أصبحت باقتراح ممن توسطوا بين المنتجين، تتمّ مقابل كل ما هو ثمين كالملح، في بعض لحظات التاريخ، إلى أن عوضت ذلك المعادن الثمينة من فضة أو ذهب التي وقع صكّها بمقادير معلومة، فأصبحت نقودا، ثم تغيّرت شيئا فشيئا إلى أن أخذت في نفس النسق من التطور شكل ما تعرفه البشرية على أيامنا من أوراق بنكية، ومن صكوك، ومن كمبيالات، خالقة ما سيعرف بالنظام المصرفي، وقواعد الصيرفة الحديثة التي تُدرس في مؤسسات التعليم، والآخذة بدورها في المضيّ نحو آفاق أخرى، مع انفجار الثورة التكنولوجية.                                                                    

وإزاء ما كان في تلك الأزمنة من استبداد شديد صادر عن مُلّاك العبيد ومُسخّري الأقنان، تطوّرت  بطبيعة الحال ثورات المستعبدين، والزنج، والرقيق، وانتفاضات المسخرين، والأقنان، كما انتشرت تمردات صغار الفلاحين، والجوعى، والمحرومين الذين كثيرا ما انتفضوا لافتكاك الفائض عن حاجة الأثرياء، هؤلاء الذين كانوا يخزنون في المطامير الكبيرة مختلف المنتوجات التي أنتجها جهد غيرهم، وذلك لإشباع حاجياتهم الأنانية بعد أن يجودوا بالفتات على العسس، والجند، والدرك، وبعد أن يعطوا رشوة من ذلك الفائض المنهوب إلى الساهرين على الشؤون الرّوحية من أتباعهم، وإلى النوابغ في ميدان الأدب والكتابة لجعلهم ينتجون آراء دينية وفتاوي وأشعارا، ومرويات، ومكاتيب، تخدم مصالحهم هم فقط  كأصحاب نفوذ، فمن خالف ذلك من هؤلاء، فإنه يتم نبذه، أو تعذيبه، أو سجنه، أو حتى إتلاف حياته مرة واحدة عندما يعنّ ذلك لأصحاب النفوذ (ولنقارن هنا بين مطامير الحبوب العملاقة  وبين الأرصدة الخيالية المودعة بالبنوك على أيامنا، فالمنشأ هنا وهناك هو انحراف النفس البشرية والأنا المريض، والهدف واحد). كلّ هذا، في حين كان الحرفيون والتجار والصيارفة في تلك الأوقات، يعانون في القرى وفي المدن وفي الحواضر وفي الأبراج من عسف الإتاوات، والمكوس المفروضة عليهم، ومن القيود التي تحدّ من تنقّلهم لعرض منتوجاتهم وتنمية رساميلهم، وهم الذين يحتاجون إلى التنقل بحُرّية وبسلاسة للغرض، فلذلك أنشأوا القوافل، وركبوا البحار مثلا، وغامروا بالسفر إلى مختلف الأمصار البعيدة لجلب السلع الضرورية أو النادرة أو الثمينة، والاتجار فيها.                                                                                              

إن هذا الاستبداد الشديد الذي مارسه  مُلاك العبيد و المُسخّرون للأقنان تحت مختلف الأشكال المتّخَذة حسب المناخات، وهم المرتكزون في سلطانهم على  ملكية الأرض وزراعتها، قد جعل سكان الحواضر أو من سيسميهم التاريخ بالبرجوازيين نسبة إلى الأبراج (جمع برج) أي المدن، والحواضر التي يتجمعون فيها ، والمعتمدون في نحلتهم من المعاش على الصنائع والتجارة والصيرفة، جعلهم قلنا، يرفعون شعار حرية التجارة والصناعة(دعه يعمل، دعه يمر)، ويردفونها أو يرفدونها بالضرورة بشعار حرية الفكر والمعتقد، ويتحالفون مع المعدمين في الأرياف، وفي المدن لنقض أسس الحكم التي يرتكز عليها كبار الملاك العقاريين، ولبسط نفوذهم الخاص على الجميع.

وهنا، وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، فإن سكان الحواضر من تجار وأصحاب صناعات وصيارفة، قد دقّوا أبواب التاريخ أكثر من مرة  للخروج من ضيق القيود المفروضة عليهم،وكانت لهم محاولة مثلا ببغداد ثم بغرناطة، إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، قبل أن تنجح محاولاتهم كلّها بعدئذ في تحقيق نقطة الاختراق بإسبانيا والبرتغال أولا ( لاحظ هذا)، ثم بهولندا وإيطاليا، فبريطانيا، في صورة إرهاصات أولية، كي تنتهي جهودهم هذه إلى النجاح بصورة حاسمة وعنيفة بفرنسا سنة 1789، في تواصل مع القارة التي أسموها أمريكا، والتي من نهب خيراتها بدون رحمة، تمكنوا من مراكمة رأس المال البدئي على حساب إبادة السكان الأصليين من إنكا وآزتاك ومايا، كما على حساب السود المجلوبين مكبّلين بالسلاسل وبالأصفاد، صيدا لهم بالشّبَاك من إفريقيا جنوب الصحراء... فهذا الاختراق الحاسم والذي تم بهذه الصفة، هو ما سيُسمّى في كتب التاريخ  بالثورة البورجوازية الظافرة. ولقد جاءت هذه الثورة البورجوازية أو الحضرية الظافرة، في جرابها ـ كماهو معلوم ـ بحرية إعمال العقل، وبالاجتهاد دون تقيد بتفاسير رجال الدين الموالين للملوك، وبفصل الدين عن السياسة تبعا لذلك ، وهو ما كانت هذه البورجوازية وعدت به  الناس عن طريق فلاسفة الأنوار من غرار ديدرو وفولتير ودالمبار وطوماس باين، والذين كان لهم صنوٌ والحق يقال  في حركة أهل الاعتزال والعقل، وهي الحركة التي كانت تطورت بربوع  الحضارة العربية الإسلامية وكان من رموزها ابن المقفع وابراهيم النظام وابن طفيل وأبو العلاء المعري وابن رشد وابن خلدون، ولكنها للأسف أُجهضت، ثم فشلت تماما مع انتصار الفكر الجبريّ الذي أدخل ساكنة البلاد العربية في عصور متتالية من الانحطاط ومن فقدان السيادة، زادها رسوخا سيطرة العنصر التركي عليهم، فهذه العصور هي التي مازالوا يعانون إلى اليوم من ويلاتها.                                                                                  

ولقد اتضح من مسيرة البورجوازية ثلاثة أمور متلازمة:                                                                                  

فهي أولا، قد حررت العقل كما قلنا، وحررت معه الخيال العلمي، والاختراع ، ولكنها وظفت ذلك في خدمة مصالحها فقط، فالتطور قد حصل، ولكنه كان ولازال مشوها، وخرقت كلما استطاعت قواعد لعبتها الديمقراطية المعلنة في دساتيرها ولوائح حقوقها، اضطهادا من طرفها بدون شفقة لكل من يمكن أن يهددوا تلك المصالح سواء بمنظومات أفكارهم الفلسفية ،أو بتمرداتهم ،أو بثوراتهم، والأمر لا يحتاج إلى أمثلة للتدليل عليه؛                                                                                                     

وهي ثانيا، قد حطمت الاضطهاد القديم المبني على العبودية والسخرة، وعلى بناء المدن ـ الممالك التي تتسع وتضيق مساحات نفوذها حسب ظروف التآلف والتغالب، ولكنها أبانت عن نمط اقتصادي واجتماعي ودولي مغاير مبني على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان بواسطة نظام جديد هو نظام الإجارة للكادحين، ونظام النهب من طرف الدول ـ الأمم المتنفذة، لخيرات غيرها من الأمم والشعوب؛ وهي الدول ـ الأمم التي نشأت غالبا على أساس الأرض والأقوام  ذات اللسان الواحد والخصائص الثقافية المشتركة والتي تسكن فوق تلك الأرض قبل أن تنشد  تلك الدول ـ الأمم التوسع، وتحاول إدراك العولمة...                                                         

فمن هنا، كان أولا، انتهاكها للحقوق النقابية والسياسية للكادحين الذين يُسرق منهم جهارا فائض القيمة التي أنتجوها بقوة عملهم المسلعنة، فلا يقع الاعتراف لهم  بأي حق إلا عند خوضهم للمعارك، وللإضرابات، وللنضالات النقابية بغاية  الحصول على أي حق من حقوقهم المشروعة؛ كما من هنا كان ثانيا، مدّ يدها اللّصوصية إلى ثروات الأمم والشعوب، سواء بواسطة الاستعمار المباشر، أو بواسطة الاستعمار غير المباشر، كما بواسطة الحروب الظالمة، والمدمّرة، التي تشنها من أجل توسيع الأسواق والحصول على خيرات الأرض، غير عابئة بارتباط الأرض بحب الأوطان لدى البشر، فلا تتأخر عن ممارسة ذلك النهب إلا بقدر ما تواجهها به تلك الأمم والشعوب بواسطة حروب التحرير العادلة، أو بواسطة فرض الإجراءات السيادية عند الإمكان؛ ولا يجب أن ننسى هنا أن هذه البورجوازية الرأسمالية ارتكبت في طور الماركانتيلية والمراكمة البدائية للمال سرقة قارة بأكملها من أهلها من الشعوب ذات البشرة الحمراء، وهي القارة المسماة اليوم باطلا بأمريكا، كما قامت عند وصولها إلى طورها الاحتكاري، وبغاية السيطرة على طرق التجارة ومضائق البحار ومصادر الطاقة، بسرقة وطن بأكمله ألا وهو فلسطين، الوطن التاريخي للشعب الكنعاني العربي الفلسطيني؛ وهي ثالثا، قد أعلت من قيمة المدينة التي نشأت بها وولدت في أحضانها، على حساب الأرياف، فتركت هذه الأرياف للإهمال التام تقريبا حسب الأحوال، وضيّقت سبل العيش على سكانها بغاية تحويلهم إلي يد عاملة في مصانعها ومراكزها التجارية وموانئها ومناجمها؛ وهكذا يمكن القول إنها لم تعترف أبدا بقيمة الأرض، وهمّشت العالم الزراعي قصدا وعسفا منذ البداية، ووظفته توظيفا مبتذلا في ماكينة الربح الرأسمالي، فلم تتعامل معه  في ازدرائها له ،إلا بقدر ما يدر عليها من أرباح: بيعا بداخله لمعداتها من أدوات فلاحية ومن جرارات وماكينات حصاد، وتغييرا للموازنات الجينية الحيوانية والنباتية البيولوجية بغاية التشجيع على الاستهلاك ذي الطابع الجماهيري، فهكذا كانت معلبات المواد الغذائية المصبّرة بواسطة المواد الحافظة، كما كانت حاضنات الدجاج المفرّخ صناعيا، وأحواض الأسماك التي تقع تربيتها و"عشعشتها" بصورة مخالفة لقوانين الطبيعة، والمسالخ العملاقة لذبح كل أنواع الحيوانات، والزرائب التي يقع فيها تسمين الأبقار بواسطة تعليفها بمواد مركّبة بهدف تعبئة كميات حليبها ومشتقاته في عبوات، وعلب معدّة للغرض، وكل ذلك بهدف الحصول على الأرباح الهامة والسريعة لفائدة الصناعيين و التجار والمضاربين، فنحن هنا إزاء مجموعة من البشر تعتبر الربح دستورها الحقيقي، والمال معبودها؛ ومن الطبيعي هنا أن ينشأ تزاحم بين عالم الصناعة والتجارة والاستخراج والصيرفة، وبين عالم الزراعة، فلا يقع حلّ هذا التناقض دائما إلا لفائدة حاجيات الصناعة والتجارة والاستخراج والصيرفة، فهكذا تقتل الصناعة بغاية الاتجار في الألواح والأخشاب، المكونات الطبيعية للغابات وهي رئات الأرض، وتُلوّث مصادر المياه بصب النفايات الصناعية فيها،أو تصيّرها آسنة بفعل نشاط المقاطع الاستخراجية، أو بغير ذلك من الأنشطة الشبيهة، كما تنتهك الحياة في البحار والمحيطات،وتبيد أنواعا بأكملها من الكائنات الحية، وتمدّ الأنابيب الناقلة للطاقة من نفط وغاز، ما تحتاجه معاملها، فوق أراضي المزارعين بعنوان حق الارتفاق،  ويتم هذا كله باستهتار كامل بسكان الأرياف، وبحقوقهم التي يُغبنون فيها جهارا نهارا بواسطة التشريعات المحلية الظالمة، والاتفاقات الدولية الجائرة، والتي لا يقع بعد ذلك حتى تطبيق الحد الأدنى من العائدات التي تنص عليها لفائدتهم. وينظر سماسرة المدن إلى سكان الأرياف نظرة استعلاء، ويستغلون تبعا لذلك، طيبتهم الفطرية، وبساطتهم، التي لا يفهمون أبجدياتها، كونهم يحسبون المسألة مسألة مكر وخداع، ويرون أنفسهم الأبرع في هذا المجال، بل ويعتبرون تلك البساطة والطيبة سذاجة وغباء... وهكذا فإنهم إزاء مواطن ضعف سكان الأرياف التي هي نتيجة حتمية لإهمال سياسات المتنفذين بالمدن لهم، حيث لا مسالك معبدة، ولا جسور، ولا تنوير كهربائي حقيقي، ولا سدود، ولا ترع، ولا مواجل، لتجميع المياه، ولا تفجير منهجي للعيون، ولا مدارس قريبة من المساكن، ولا مشافي لتطبيب العلل والأمراض، ولا وسائل نقل محترمة لنقل هؤلاء السكان في ظروف تليق بإنسانيتهم، أو لنَقل دوابهم، أو لتوصيل منتوجاتهم إلى الأسواق، قلنا فإنهم إزاء هذه المواطن من الضعف، يجحفون معهم في كل المجالات والمعاملات، فيبيعون لهم علف الدواب ،وسماد الأتربة بأبهظ الأثمان، ويشترون منتوجاتهم بأبخس الأسعار، محققين بدون جهد، وبدون عرق، وبدون تعرض للأمطار وللشموس، أرباحا خيالية على حسابهم،ويرمون إليهم عند اعتمادهم عليهم كأجراء بأزهد الأجور، وخاصة إذا كانت اليد العاملة نسائية... وإنها في أغلب الأحيان كذلك، مع ضرورة أن نفهم هنا أن كادحات الأرياف تتسلط عليهن كل أنواع الاضطهاد: كإناث أولا خاضعات لسيطرة الذكور،وكريفيات ثانيا يزدريهن المستثمرون من أثرياء المدن، وكعاملات ثالثا يخضعن لاستغلال قوة عملهن بدون أية ضمانات تمنحهن الاحترام اللازم والمقابل العادل. وفي حين تبدو الحلول واضحة، وهي تتمثل أولا في القيام بإصلاح زراعي جذري يعيد توزيع الأراضي وينظم كيفية استغلالها، ويغير طرق إدارتها من  النمط الفرداني إلى النمط التعاوني والتضامني، وثانيا في استصلاح الأراضي البور والمهملة وإسنادها لمن يتقنون فلاحتها ويتفانون في ذلك، وثالثا في استنباط سياسات مائية وسقوية ملائمة لحاجيات كل منطقة، ورابعا في العودة إلى الزراعة البيولوجية وإلى البذور والمشاتل الأصيلة، وخامسا في انتهاج سياسات تنموية عامة تنهض بالأرياف نهوضا شاملا، وخاصة في البلدان المضطهدة امبرياليا، وذلك كي تجعل من الأرض  أولا ،وسيلة لتحقيق الاكتفاء الغذائي، بوصفه  الضامن للسيادة وللكرامة الوطنية، فالأرض هي الوطن، كما تصيّرها ثانيا السبيل الأكيدة لصدّ الأطماع الأجنبية الهادفة بواسطة الاتفاقيات الظالمة إلى احتلال الأراضي الفلاحية  في كل أنحاء العالم، وتغيير طبيعتها الإنتاجية إلى المناحي الربحية التي يريدونها (مساحات شاسعة لزهورالزينة مثلا مكان الحبوب والثمار)... قلنا وفي حين أن الحلول تبدو واضحة، فإن أصحاب القرارفي البلدان المسيطر عليها  لارتباط مصالحهم بالمضاربة وعمولاتها مع الأجانب، وما ينتج عن ذلك هيكليا من فساد، يُمعنون  في انتهاج سياسات بعيدة كل البعد عن التفكير في مثل هذه الحلول، كون سياساتهم تنبع أولا وآخرا من خضوعهم الذليل إلى الإملاءات العولمية لمراكز المال العالمي، وهي الإملاءات التي تقع ـ مثلما دأبت الرأسمالية على ذلك منذ نشأتها في خط تطويرها الدائم للمدن على حساب الأرياف، كما في  خط عشقها المرَضي للمضاربة المالية والتجارية، فلذلك كانت البورصات بمثابة المعابد بالنسبة إليها، وهذا كله طبعا على حساب الأرض، والإنتاج الزراعي، كما طبعا على حساب توفير الطعام والماء لكل الأفواه، والمعرفة لكل العقول، والدواء لكل المرضى.                                                                                                                                     

إن هذا الإهمال المقصود للأرض و للعالم الفلاحي من طرف السياسات الرأسمالية التي أدركت مرحلة العولمة فتوحّشت، يدعو إلى أن تسترجع الأرض ـ الأم هيبتها، ويحتّم:دخول المزارعين للأراضي المتروكة أو المنهوبة واستصلاحها وفق منظور اجتماعي وتعاوني، * والتعويل على الذات للتصدي لأطماع السماسرة التي لاتنتهي، وذلك بتكوين ما ينبغي من التنسيقيات ،ومن التشاركيات بين المزارعين توفيرا لمختلف الخدمات الضرورية لنشاطهم،*والاحتجاج بالوسائل المشروعة ضد النقائص الناتجة عن مظالم السلطات الكومبرادورية الحاكمة في هذا البلد أو الآخر من البلدان المهيمن عليها، وحتى بالمراكز الرأسمالية " المتقدمة" كذلك، لأن الطغمة المالية العالمية ماضية في بسط نفوذها الاحتكاري على الجميع، حتى إنها أصبحت تعامل الحكومات هنا أو هناك وحتى في المراكز الرأسمالية المتقدمة معاملتها للأعوان المنفذين لسلطتها لا أكثر ولا أقل.   

* والتجند الدائم للتصدي للاتفاقيات الدولية الجائرة المملاة من طرف منظمة التجارة العالمية ومحاكمها، نعم قلنا محاكمها التي تستهدف الأرياف فيما تستهدف، والتي قد تأخذ هنا  اسم " الآليكا"( التعاون المعمّق)، ولكن قد تأخذ غيرها من المسميات حسب الظروف الواقعية  هنا أوهناك في هذه البلاد أو الأخرى من البلدان المُسيطر عليها من طرف الأوليغارشيا أو الطغمة المالية العالمية؛

فهنا تكمن المحاور الكبرى لقيام حركات مزارعين، وهي حركات، مثلما هناك من الشعوب من سبقت إلى تطوير بعض معالمها (حركة البدون أرض في أمريكا الجنوبية مثلا، وحركة الدفاع عن البذور الأصيلة والبيئة هنا وهناك في مراكز رأس المال أو بالأطراف)، فإنه هناك من الشعوب من هي بصدد اللحاق بهذا الركب؛ كما إنها حركات: إلى جانب حركات العمال بالمصانع وبالمناجم وبالمراكز التجارية والخدماتية، وإلى جانب حركات فائض الذكاء البشري الذي يتم الاستغناء عنه لعدم حاجة الرأسماليين الاحتكاريين والعولميين وأسواق شغلهم إليه، وإلى جانب الحركات المطالبة بحقوق النساء وإنصافهن إنصافا تاريخيا كاملا، وإلى جانب الحركات المتصدية لهلاك الطبيعة والبيئة، وهذه من أكبر الجرائم.... سيكون لها (أي حركات المزارعين الفضل بواسطة التنسيق مع من وقع ذكرهم، في المساهمة شيئا فشيئا في استنباط عالم بديل يخرج بالإنسان من مطبات أنماط الإنتاج الظالمة إلى منوال جديد لحياة أخرى ممكنة تكون أكثر توازنا، كما تكون جديرة بصفة الإنسان كإنسان له عقل متطور( هوموـ سابيانس)، معلنة بذلك عن  مغادرة هذا الإنسان، لوحشيته التي نشأ بها في ملكوت البهائم، وعن إدراكه نهائيا لمرحلة نضجه.

فلتستيقظ "الأرض" إذن، من خلال أبنائها الصادقين، المحبين لرائحة ترابها، ولعطرنباتاتها، والمسحورين بجمالها، والممنونين لبذخ كرمها، والمعترفين بنبل عطائها، والمفتونين عن حق برمزيتها كوطن للشعوب، لأنه من خلال هذه اليقظة ستنبعث علاقة متوازنة بين المدن والأرياف، فلا تتعملق المدن كالأورام بفعل أحزمة الحرمان المأهولة بالهاربين من بؤس الأرياف المفتعل، تلك الأحزمة حيث تنتشر الجريمة المنظمة أو  غير المنظمة نتيجة الجوع والحرمان والمرض والجهل، ولا تبقى الأرياف كذلك متروكة للإهمال وللنسيان وللحرمان... فلعله تنبعث في جدلية ذلك كله مجتمعات تشاركية وتعاونية داخل كل البلدان، وطريقة جديدة للتآلف بين الأمم والشعوب: طريقة تتعاون فيها بدون ظلم لبعضها البعض، فهذه هي طريق الإخاء الأممي، وهي الضد تماما لطريق الجور العولميّ.