من أزمة الى أزمة، ومن استعصاء الى استعصاء أكبر، ومن يمين الى يمين أشد، هكذا تسير الانتخابات الإسرائيلية التي دخلت مأزقاً منذ عامين أجرت خلاله أربع انتخابات لم تفضِإلى أي استقرار وبات من الواضح أن الأخيرة أدخلت إسرائيل إلى نوع جديد من الأزمة؛ يمين إسرائيلي منقسم على ذاته لا لأسباب سياسية، حيث أصبحت تلك عنواناً هامشياً في ظل الاجماع القومي على الاحتلال والاستيطان وغيره، وبات عنوان الانتخابات شعاراً وحيداً وهو تغيير نتنياهو أو بقاء نتنياهو. وبالرغم من زيادة كتلة اليمين الخالص والمتطرف إلى 72 مقعداً إلا أن المأزق المتجدد هو أن كلا الكتلتين تحتاجان للعرب؛ سواء لبقاء نتنياهو أو لإزاحته وتلك تشكل خطوطاً حمراء لمزاج شعبي وسياسي بات أكثر رفضاً للعرب إلى الدرجة التي يفوز فيها حزب ترانسفيري "ايتمار بن عفير".
لاشك أن غياب البرامج السياسية للمتنافسين أعاد أو غيّر شعارات التنافس نحو قضايا اعتبرت هامشية لتصبح المسألة تتعلق بزعيم حزب الليكود نتنياهو الذي تمكن خلال العام السابق من تصفية خصمه القوي حزب أزرق أبيض وزعيمه الجنرال بني غانتس؛ اعتقد أن تلك التصفية باتت تصب في صالحه في أية انتخابات قادمة، حيث غياب حزب مركز منافس مستغلاً قدر من النجاح في الملف الصحي؛إذ عمل بطاقة غير عادية حسب، وصف مدير عام شركة فايزر "ألبرت بورلا" عندما استجاب حسب طلب الليكود لمقابلة مع "أخبار 12" بأن نتنياهو يتصل معه ثلاثين مرة في اليوم حتى الساعة الثالثة فجراً.
لم تحقق الانتخابات الأغلبية التي أرادها نتنياهو؛إذ أفرزت النتائج حصوله هو وكتلته المكونة من شاس ويهدوت هتوراة ويضاف إليهما يمينا على 59 مقعداً،وتلك لا تعطيه العدد الكافي لتشكيل حكومة الأمر الذي وضعه أمام خيارين؛أما أن يستنجد بأحد الخصوم وهو ما بدأه منذ الليلة الأولى بعد أن أرسل ما يكفي من رسائل الغزل لنفتالي بينيت الذي كان يستجيب بسرعة شديدة، لكن هذا لم يكن كافي، لكنه بات يريد غيره؛ لأن بينيت هو من يوصله إلى محطة ال 59.
الجنرال غانتس الذي حصل على ثمانية مقاعد، والذي دفع غالياً ثمن انضمامه وخديعة نتنياهو له هذه المرة لن يفعلها؛ لأن هذا كان تعهده للجمهور في الحملة الانتخابية كأنه كان يقول "جربوني لن أنخدع مرة أخرى"، لذا انتقل الغزل إلى حزب أمل جديد، والذي شكله قبيل الانتخابات خصم نتنياهو في الليكود جدعون ساعر اليميني المتطرف، ولكن هذا الحزب رد بسرعة رافضاً الانضمام، فلم يبقَ أمام نتنياهو بعد إدراكه أن الجبهة التي تقف أمامه صلبة إلى درجة عدم اغرائها لأنها اعتادت على كذبه ومناوراته وخداعه للجميع؛ بقي أمامه حزب القائمة الموحد برئاسة الإسلامي منصور عباس الذي حصل على أربعة مقاعد وهو الرجل القريب من نتنياهو إلى الدرجة التي لم يصوت فيها ليلة سقوط نتنياهو ديسمبر الماضي بغرض ابقاءه، إذ يعتبر عباس أن مسار التصادم مع الحكومات الإسرائيلية ورفع شعارات القومية الذي رفعه العرب هو مسار خاطئ، وبالتالي يتحدث عن مقاربة جديدة وهي التقرب للحكومات الإسرائيلية وتجاهل الموضوع القومي والوطني؛ بهدف الحصول على امتيازات وموازنات. صحيح أن هذا ما يريده نتنياهو وهو الفلسطيني الجديد الذي لا يتحدث عن الحقوق القومية ويقبل الحياة تحت السقف الإنساني الحياتي، ولكن لسوء حظ نتنياهو لابد أن يعتمد على واحدة من كتلتين متنافرتين "الصهيونية الدينية " برئاسة بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن عفير أو منصور عباس وهنا مأزقه.
فالصهيونية الدينية لا تقبل مجرد النقاش في كتلة أو تكتل أو حكومة يمكن أن تعتمد على صوت عربي واحد، وقد حاول نتنياهو على سبيل البقاء جس نبض شركاؤه الجدد في الصهيونية الدينية، لكن الجواب كان قاطعاً وحاداً.
التفتت في الجبهة المقابلة لا يقل عن وضع نتنياهو، حيث أن على الكتلة أن تعتمد إذا أرادت أن تشكل حكومة ليس على منصور عباس المستعد للتعايش مع خطاب أقل، بل حتى تحتاج إلى المشتركة، وهذا يزيد الأمر صعوبة على تلك الجبهة، لأنها تحوى على كتلة ليست أقل تطرفاً وكراهية للعرب، وهي كتلة أمل جديد التي يقودها غدعون ساعر.
مأزق يبدو للحظة أن لا مخرج له، وبالرغم من ضعف الحالة العربية وانشقاق القائمة إلى كتلتين وتدني نسبة التصويت وتدني عدد الممثلين من 15 إلى 10 إلا أنه لا يمكن تجاهل أنهم جزء رئيس من مأزق النظام السياسي في إسرائيل، والسبب ببساطة أن الأحزاب اليهودية في هذه المرحلة لا تريد إلا حكومة يهود فقط، وهذا ما يمكن أو يجب التركيز عليه والترويج لكشف"ديمقراطية الدولة".
إذًا لم يحدث تغير يصل حد المعجزة، فإن الخيار الذي يتبدى حسب النتائج والاتصالات هو خيار الانتخابات الخامسة، فهل نحن في الطريق إليها أو أن نتنياهو الساحر سيتمكن أيضاً هذه المرة من إخراج أرنب الحكومة من جيبه كما كل مرة؟ هذه المرة الأمر أصعب من السابق...!

