Menu

طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية الحلقة (16)

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

عنف الفاشي

 بسبب السمات السيكولوجية للفاشي؛ فإن العنف يبرز كأداة رئيسية في استعادة الأمن المفقود، وهكذا تنزع الفاشية إلى الضرب بقسوة من أجل إخماد التمرد. والعنف الاستعماري وكذا الفاشي، يميل عادة إلى الانفلات متحرراً من الرقابة، وقد شهد العالم نماذجه في نموذج دريسدن الألمانية وستالينغراد السوفييتية، وفي حرب أمريكا وحلفائها الإجباريين ضد العراق، وفي أفغانستان وقبلها يوغسلافيا السابقة ولا ننسى هيروشيما وناغازاكاي وهانوي. ورغم أن العنف هنا صادر عن مؤسسة هي الحكومة، مما يستدعي درجة من الرقابة إلا أنه وحسب تحليل حنة أرندت، مهما كانت درجة الرقابة التي يخضع لها فإنه يتمتع بدرجة معينة من الانفلات من رقابة أو سيطرة من يمارسونه، والواقع أن رقابة كليّة مستحيلة، وبرأينا أن الفاشية في ممارستها للعنف ضد القوى الأخرى لا تهدف إلى (مجرد النصر) وإنما تدمير الخصم وإنهاء وجوده، فهي "عدالة مطلقة" أو "راسخة" أو "عاصفة صحراء"، انطلاقاً من الكل أو اللا شيء "إما أنا أو الآخر"، "يهودي وغوييم"، "فسطاط إيمان وفسطاط كفر"، ومن هنا تنطبع الفاشية بالعنف القياسي المدمّر، وحسب مونتسيكيو فإن المنتصر الذي يزعم أن ليس القوة فحسب إلى جانبه، وإنما الحق أيضاً لا يكتفي أنه انتصر في الحرب، بل أيضاً يحكم على منافسه بأنه مجرم، حتى لو كانت القوة وحدها هي مصدر كل سلطة.

الفاشية في السلطة: منهج الإرهاب

كيف يتحول العنف الذي تمارسه المؤسسة إلى إرهاب؟ هذا يقتضي العمل على تعريف العنف والإرهاب وتحديد التخوم بينهما.

تعريفنا الإجرائي للعنف أنه سلوك يؤدي إلى إحداث أذى مادي أو معنوي بالخصم، وهو في هذه الحالة يبقى مجرد سلوك همجي لا يتصف بالذكاء، ممارسة للقوة المادية أو النفسية في شكلها البدائي المعزول عن الهدف، وأزعم أن هذا النوع غير موجود على الإطلاق، حتى في عالم الحيوان ربما في بعض قليل من نواحي الحياة الحيوانية أو بسلوك القتلة التسلسليين. الإرهاب إذن هو عنف مرتبط بهدف؛ فالهدف بغض النظر عن شرعيته أو عدالته، هو الذي يحدد العنف باعتباره سلوكاً هادفاً، أي إرهاباً.. طبعاً هذا التعريف قد يحتاج إلى مناقشة عميقة، ولكنه يفي بغرضنا هنا، وهناك الكثير من المحاولات لإعطاء الإرهاب إطاراً نظرياً يعرفه ويناقشه، ونحن هنا سنناقش الإرهاب بارتباطه بالسلطة المتسمة بالتسلط، وبالتالي في تحولها إلى الفاشية. وقد سبق أن قلنا بأن الفاشية تسعى إلى إعادة إنتاج نظامها الاجتماعي الخاص بها وهي في موقع السلطة؛ تقوم على جعل الآخرين يتصرفون تبعاً لاختيارات هذه السلطة بكلمات فولتير أو كما يعبر ماكس فيبر: «أن أفرض إرادتي رغم مقاومة الآخرين». وبما أن الفاشي استطراداً.. يسعى إلى تشكيل العالم على هواه فهو يعطي الأشياء والظواهر أسماء تخدم هذا الغرض ويتحول الإرهاب المؤسسي إلى عمليات إعادة النظام ويقتصر وصف الإرهاب على الجماعات السياسية غير الممأسسة سلطوياً إلا في حالات خاصة، كما نموذج «الدول المارقة». وتستفيد الفاشية، بلا شك، من الطابع الزلق لمفهوم الإرهاب، هذه الاستفادة تتبدى في الاستخدام الانتقائي الازدرائي كما يرى غرانت وردلو في مناقشته لمشكلة تعريف الإرهاب قبل وبعد 11 أيلول، وهكذا ونظراً لتكريس الفكر الشمولي والإطلاقية، فإن الفاشية لا تعترف بالنسبية في فهم الظواهر، وبالتالي «ما هو جيد لي هو جيد للعالم». ثمة أمثلة جلية وكثيرة على هذا التحليل، فانطلاقاً من فكرة الاختلاف، وبالتالي تقسيم العالم إلى نحن والآخرون، أو فسطاط إيمان وكفر عبر الصياغة الأخرى، فإن الفاشية في الممارسة تعمل على خلق نوعين من الأنظمة الأخلاقية، نظام خاص داخلي للعرق، العنصر، النظام، وآخر للآخر، جذور هذه الفكرة عميقة في تاريخ البشرية، وحسب جان جاك روسو، فإن الاسبرطي يقبل المساواة في وطنه، ولكنه يصبح ظالماً ما إن يتخطى حدوده، وبالمثل لم تكن إنسانية الرومان لتمتد أبعد من حدود نفوذهم، ولم يكن العنف محرماً إذا مورس على الأجانب، وهكذا يضيف روسو بأن سيادة المساواة في بلد الإنسان لا تمنعه من أن يكون استعبادياً أو استعمارياً في الخارج، وذلك هو منطق الوطنية "كل محب للوطن قاس على الأجانب، أنهم لا شيء في نظره". من هنا يستعيد الأمريكان في حربهم المقدسة تلك القوانين القديمة نفسها، فإذا كان توكفيل قد نصح بإقامة محاكم عسكرية للسكان الأصليين في الجزائر، نجد رامسفيلد يغرد بأن سجناء طالبان لا تنطبق عليهم اتفاقيات جنيف فهم ليسوا أسرى حرب. فما الذي فعله الأمريكان في أفغانستان إذاً، إذا لم يكن حرباً؟ هل كان رحلة صيد مثلاً؟ وهذا طبعاً لأنهم صنف آخر باختصار، فهم لا يستحقون محاكم مدنية، بل محاكم عسكرية، حيث لا مكان لسؤال لماذا؟ وإنما فقط سلوك مجرد معزول تتم المحاسبة على أساسه، ذلك نابع من فكرة الطبيعة البشرية التي تتبناها الفاشية طبيعة الخير وطبيعة الشر.

يحظى الإرهاب المقنع الذي تمارسه الفاشية الأمريكية بتاريخ طويل، فقبل 28 عاماً بالضبط على حرائق نيويورك وفي 11 أيلول عام 1973، اقتحم عملاء السي آي إيه القصر الرئاسي التشيلي، ومارسوا العنف القياسي ضد النظام الشيوعي المنتخب ديمقراطياً وقتلوا سلفادور الليندي، وقد كتب كيسنجر قبل هذا عندما وقف ليحدد للتشيليين ما يصلح لهم وما لا يصلح «لا أدري لماذا يتوجب أن نكتفي بالوقوف ومراقبة بلد ينحدر إلى الشيوعية بسبب لا مسؤولية أبناء شعبه أنفسهم»؛ العنجهية التي نطق بها كيسنجر ليست سوى الخلاصة لفكرة احتقار الشعب الفاشية، وهكذا سمح للرعاع باقتحام سانتياغو ليعيثوا فيها فساداً وكان ما يصلح للتشيليين أن يحكمهم أحد عملاء الولايات المتحدة، بينوشيت، الذي كان نموذجاً للديكتاتور الكاليغولي؛ قسوة مفرطة وتسلطاً فوق القانون. ومن المفهوم طبعاً أن ما حدث في نيويورك هو جريمة، ولكنها جريمة ضمن تاريخيتها الخاصة، وليست معزولة، مما يحيلها إلى إمكانية الفهم والتفسير، ولكن منطق تبسيط الأمور، وبالمفهوم الفاشي، فإن ما حدث هو شرٌ مطلق وإرهاب همجي، مجرد من تاريخه الخاص، وينبغي معاقبة الشر كما يقول كيسنجر «أولئك الذين يزودون الإرهابيين بالدعم والتمويل والإلهام هم مذنبون، مثل الإرهابيين أنفسهم»، ولكن في هذه الحالة يجب أن يكون كيسنجر أول من يقدم للمحاكمة العسكرية؛ بسبب تاريخه الإرهابي المؤسس عبر عمليات الدعم والتمويل والإلهام لإطلاق الإرهاب في أندونيسيا وكمبوديا و إيران وجنوب أفريقيا وبنغلادش وغيرها. وما هو الفرق بين قتل 3200 شخص في نيويورك وقتل 200 ألف غواتيمالي على أيدي مجموعات إرهابية؛ تلقت الدعم والتسلح من السي آي إيه والنظام الذي كان كيسنجر وزيراً لخارجيته. وكيف يصنف مقتل مليون طفل عراقي في حرب الخليج الثانية وتداعياتها و1750 مدنياً لبنانياً وفلسطينياً في اجتياح إسرائيل للبنان 1982. وفي أي خانة يوضع تهجير سكان جزيرة سان دييغو الأصليين على يد حكومة ويلسون وتحول موطنهم إلى مستودعات ذخيرة نووية وقاعدة تنطلق منها القاذفات الأمريكية لتقصف في الشرق الأوسط. وماذا عن اندونيسيا ما بين عامي 1965 و1966 عندما قتل مليون إنسان بتواطؤ الحكومتين البريطانية والأمريكية، وماذا عن الجرائم البريطانية في الملاوي وغيرها؟ ستطول القائمة كثيراً للحديث عن تاريخ الإرهاب المؤسسي الذي تمارسه فاشيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن لا داعي لإرهاق أعصاب القارئ، ولا بد من الاكتفاء بهذا القدر.

البنية النفسية للنظام الفاشي في إسرائيل:

في استطلاع أجراه سامي سموحا(1) خلال خريف 2004 على 700 يهودي فوق 18 عاماً بما فيهم المستوطنين وهدف إلى إخضاع التزام المواطنين اليهود في إسرائيل واستبطانهم للقيم الديمقراطية المتعارف عليها للفحص، في موازاة رغبتهم بالحفاظ على الأمن الداخلي للدولة تبين أن 40% يعارضون مقولة إن على دولة إسرائيل أن تطبق مساواة كاملة للحقوق للمواطنين العرب، وقد أيد 25% مقولة أن "حكومة غير ديمقراطية أتفق مع آرائها أفضل من حكومة وديمقراطية لا أوافق على آرائها". وقد أيد 56% إجازة سلب حقوق أساسية مثل حرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم السياسي. وقد عبر 68%أن الاعتقال الإداري (بدون محاكمة) أداة شرعية لفرض الدفاع عن أمن الدولة وقد أيد 61% اللجوء إلى وسائل عسكرية وليس (فقط) بوليسية ضد العرب.

وقد أعلن 57.8% أنه يستحيل الوثوق بغالبية العرب وامتنع 71.8% عن الدخول إلى تجمعات سكنية عربية، وقال 55.9% أن على الدولة فرض حظر على حزب (حداش) الحزب الشيوعي وتحالفه.

وفي حالة التعارض بين الطابع الديمقراطي واليهودي للدولة اختار 67.8%الحفاظ على الطابع اليهودي، وعبر 66.7% إنهم أكثر ما يخشون من العرب هو تزايد سكاني متسارع وقال 71.8%، إنهم يخشون أن يشن العرب صراعا من أجل تغيير الطابع اليهودي للدولة.

وأكد 96.5% إن على إسرائيل أن تحافظ على أكثريتها اليهودية و 93.5% أنه يجب المحافظة على قانون العودة لليهود.

وفي استطلاع آخر أجري في نيسان 2006(2)؛ أظهر مؤشر العنصرية تجاه العرب الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل الذي أجراه مركز مكافحة العنصرية أن 68% من اليهود في إسرائيل يرفضون العيش في بناية واحدة مع العرب، و40% يؤيدون تشجيع العرب على الهجرة و46% لا يوافقون أن يدخل عربي إلى بيتهم و41% يؤيدون الفصل بين العرب واليهود في أماكن الترفيه، وقد تبين أن 75% من الحالات العنصرية مصدرها المؤسسة، و63% وافقوا أن العرب خطر أمني وديمغرافي على دولة إسرائيل و50% يشعرون بالخوف وعدم الارتياح عند سماعهم اللغة العربية.

وفي مؤشر الديمقراطية الذي نشره (المعهد الإسرائيلي للديمقراطية)(3) تبين أن 62% من اليهود يؤيدون تشجيع الحكومة العرب على الهجرة، و 79% يثقون بالجيش أكثر من أي شيء آخر.

إن هناك من الأدلة في الحياة السياسية وتحولات المجتمع الإسرائيلي ما يدل على أن الأرقام السابقة – وهي ليست سوى أمثلة محدودة لغرض الدراسة- ليست مجرد أرقام استطلاعات قد تصدق وقد تخيب، بل أنها متعلقة بالقيمة والضمير الجمعي، تعبر عن اتجاهات الفعل السياسي والتفكير لدى هذا المجتمع المحكوم بعقدة كراهية الآخر (الغوييم) ورفضه، وإذا كان صحيحاً أن الجلادين الطغاة يبقون في مواقعهم نتيجة القهر والقوة والرعب الذي يقيمونه، إلا أنه صحيح أيضاً أنهم ليسوا سوى نتاج البنية لاجتماعية التي يصعدون إلى قمتها.

في إحدى مقابلاته سئل الكاتب البيروني الكبير ماريو فارغاس يوسا فيما إذا كان «يمكن القول أن الشعوب والطغاة يتقاسمون مسؤولية الأنظمة الاستبدادية؟ » فأجاب «هل كان باستطاعة فرانكو أن يكون موجوداً دون الأسبان، هتلر دون الألمان، ماو دون الصينيين؟ بإمكان جميع الشعوب في بداية أي نظام استبدادي أن يقاوموا، ولكن الحقيقة أن أغلب الديكتاتوريين ينجحون لبرهة في جذب وإغراء أكبر شريحة من الجماهير وإذا استثنينا الدعم العسكري نجد أن الطغاة يأتون لأننا نطلبهم. كان تروجيللو شعبيا جداً إلى درجة أن الشعب الدومينيكي لو كان التقى القتلة ليلة اغتياله لافترسهم، ما أريد توضيحه أن الديكتاتورية ليست فقط الإذلال والتعذيب والقهر وإنما هي أيضاً انهيار بطيء لمجتمع بأكمله»(4).

أظن أن قارئاً حصيفاً بإمكانه أن يطور بقليل من التمعن أطروحة يوسا الآنفة، فبالنسبة للنموذج الإسرائيلي ليس الأمر مجرد ديكتاتور جاء إلى سدة الحكم، وإنما هو موضوع مجموعة بشرية كاملة تجمعت من أطراف الدنيا لتقيم دكتاتوريتها على أنقاض شعب آخر، وهكذا لم يكن انتخاب فاشي كشارون أو ليبرمان أو شاؤول موفاز أو بيرس  أو غانتز وطبعاً تكريس نتنياهو مجرد صدفة في تاريخ السياسة الشعبية الإسرائيلية، وإنما هي النتيجة الطبيعية التي يفرزها مجتمع من هذا النوع، ويكفي نظرة على المقاعد التي حازتها أحزاب معادية كليا للشعب الفلسطيني عبر تاريخ الكنيست وآخرها انتخابات الكنيست الرابعة والعشرين. والأرقام ليست مجرد أداء تصويتي، بل هي تكرار انتخابي رتيب؛ يعكس حقيقة المجتمع الصهيوني وفاشيته التي تظهرها أحياناً استطلاعات الرأي أو التصريحات أو الممارسات العنصرية، ناهيك عن تبلورها يوماً بعد يوم في قوانين بشعة تستهدف إنسانية الإنسان الفلسطيني وحياته ومعنى حياته.

لقد ناقشنا البنية النفس– اجتماعية لنشوء الفاشية كنظام وبنية اجتماعية في جزء آخر، وفي هذا الجزء؛ سنناقش ونلقي الضوء على البنية النفسية لهذا المجتمع عبر عقده ومخاوفه في صراعه مع نفسه ومع العالم، ولكن كيف يمكن أن تتحول جموع غفيرة من الناس إلى منظومة منضبطة للقتل والإرهاب والكراهية؟

لقد ذكرت حنة أرندت إن «افتتان الدهماء بالشر والجريمة افتتاناً أكيداً ليس بالأمر الجديد، إذ طالما ثبت أن الرعاع يرحبون بأعمال العنف قائلين بإعجاب "لئن كان ذلك غير جميل، فإنه بالغ القوة بالتأكيد". وقد طرحنا هذا السؤال من قبل، نقلاً عن حنة آرندت التي تقدم مشروعاً للإجابة في تحليلها «لتفاهة أو بساطة الشر»(5)، حيث عندما تمت محاكمة (آيخمان) أحد جلاوزة النظام النازي الذي لم تكن علاقته سلبية تماماً بالصهيونية وقادتها، والذي تسبب بموت الآلاف في غرف الغاز، بحث الكثيرون عن الخطأ الأساسي في التركيبة النفسية لهذا الإنسان، فلم يجدوا شيئاً؛ فالرجل «كان يقوم بعمله فقط»، كان بيروقراطياً ينفذ التعليمات على أفضل شكل ممكن، على العكس تماماً، الرجل كان منظماً ونظيفاً ولطيفاً في تعامله؛ يذكرنا هذا الوصف بتعليق يوسي سريد زعيم حزب ميرتس على دماثة ولطافة وحسن أخلاق الفاشي ليبرمان بعد عشاء حميم بينهما، ولكن ليبرمان ليس مجرد أداة للنظام، بل جزء لا يتجزأ منه. ولا بد من الاعتراف أن هذا التحليل قد يفارق تحليلنا السابق لشخصية الفاشي. ولكن استكمالا لتحليل أرندت أثبتت تجارب (ملغرام: شرح1)(6) أن معظم الناس العاديين يمكن أن يتحولوا إلى وحوش من الناحية الأخلاقية، يعذبون الأبرياء بدون روادع أخلاقية تُذكر، إذا وضعوا في ظروف مناسبة من حيث طاعة السلطة، حيث أن تصرفات الجنود الإسرائيليين الشبان الذين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة على الحواجز التي يقيمها الجيش الإسرائيلي من تنكيل وتعذيب وإهانة للفلسطينيين تندرج تحت هذا التحليل.

[شرح 1: اختبار ملغرام: اختبار مشهور في علم النفس الاجتماعي، يعنى بدراسة مدى الانصياع للسلطة، وكان ستانلي ملغرام أول من شرحه في مقالة بعنوان (دراسة سلوكية للطاعة) عام 1963، ومن ثم وبشكل مطول في كتاب نشر عام 1974 تحت عنوان (الطاعة والسلطة، نظرة خارجية) كان الهدف من الدراسة قياس مدى استعداد المشاركين لإقامة سلطة تأمر بما يتناقض مع ضمائرهم، أراد ملغرام من الاختبار أن يجيب على السؤال التالي: هل يعقل أن دور الجنود الذين نفذوا الهولوكست لم يتعد تنفيذ الأوامر؟ هل يمكن أن يكونوا شركاء في الجريمة؟ وهناك 19 صنفاً للإختبار شرحها ملغرام في كتابه (الانصياع للسلطة). ويجدر القول أن الاختبار تعرض لنقد شديد حول لأخلاقياته ومدى امكانية تعميمه].

وبالتأكيد أنتجت الكثير جداً من الدراسات حول هذا الموضوع، ولعل أهمها أعمال فرويد الذي درس الشخصية اليهودية من منطلق الفهم النفسي الداخلي لـ (اللاشعور)، وقد درس اليهودية في العديد من مؤلفاته (الطوطم والمحرم) الذي استند فيه إلى الانثروبولوجي فريزر ثم كتب عام 1911 مقالته (موسى ومايكل أنجلو) بدون توقيع لينشر بعدها الجزأين الأول والثاني من كتابه موسى والتوحيد، عام 1937، أما القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب فقد نشره عام 1939 وقدم فيه تحليلات عميقة للشخصية اليهودية، وهو يرى أن الشخصية تتميز بسمات عامة يمكن توحيدها بوصفها سمات في كل الشخصية اليهودية، وهذه السمات هي: الكذب وجنون العظمة والقتل والإرهاب وتزوير التاريخ، وبمراجعة توضيحات فرويد وإشاراته الصريحة للبارانويا اليهودية، مذ ادعاء كون اليهود الشعب المختار للإله لوجدنا أن اليهود لم يكونوا بحاجة إلى النازي كي يتحولوا إلى البارانويا؛ فالأسر النازي لم يفعل سوى إيقاظ البارانويا اليهودية الكامنة والمكبوتة في ذلك الشتات اليهودي والمقنع بمظاهر الخنوع.

وفي أعماله حلل(7) مصطفى زيور الشخصية اليهودية عبر جدل العلاقة بين المعامل النفسي –الاجتماعي، مؤكداً على معامل الارتباط السلوكي بين الطرفين الاجتماعي والنفسي، إذ يرى في حياة اليهود في الغيتوات انعكاساً على نفسية أفرادها، يتبدى في أشكال عنيفة جسدية برزت في الاستكانة والذل، مما دفع بهذه الشخصية إلى سلوكيات اتسمت بالشراسة والعنف أعطى مثلاً على ذلك في سلوكيات جمعية تعبر عن نفسية موحدة في عصابات شتيرن وأراغون وهاغانا، وغيرها، حيث جرى في تجربة المعسكرات النازية الحافز على تشكيل مجموعة من السمات المرضية مثل (الحذر والريبة والشك) في التعامل الاجتماعي والوثيق الصلة بمرض (البارانويا). ويرى زيور أن مناحيم بيغن أبرز الشخصيات التي اكتملت فيها معالم السفاح ليكون أبرز أمثلة (التوحد بالمعتدي النازي) أما موشيه دايان فكان خير متقمص للعسكرية النازية منتهيا إلى أن الشخصية اليهودية تفقد تماسكها الاجتماعي إذا ما تخلت عن العدوان.

وفي ذات العمل ركز زيور في تحليله على انقلاب الشخصية من الاستكانة والذل والاختناق في الغيتوات إلى الشراسة والإرهاب في فلسطين عبر العصابات التي تحولت إلى (جيش الدفاع).

ويرى زيور أن تجربة الأسر النازي شكلت صدمة نفسية شخصية أكدت توحد اليهودي بالجلاد مثل (النقص في الحس الاجتماعي والأخلاقي) الذي يعبر عنه بنوع من الحذر التوجسي (الشك) وثيق الصلة بتوجس مرضى البارانويا، وكان هؤلاء إذا ما أتيحت لهم حرية التعبير عن عدوانيتهم يصلون إلى درجة الاندفاعات العدوانية المتوحشة.

وينهي تحليله بالتقرير بأن ما يجمع بين التجمعات اليهودية الإسرائيلية، بالرغم من اختلافها في كل شيء إنما تتلخص بهذا التوحد بالمعتدي الذي أتاح لليهود التحول من المذلة إلى الطغيان ومن الخنوع إلى السفاحية (من سفاح) لذلك يستنتج المحلل الحاجة الإسرائيلية النفسية لممارسة العدوان؛ فشخصية المتوحد بالمعتدي تفقد تماسكها إن هي توقفت عن العدوان لأنه يطمئنها مانعاً تفجر موجات القلق والرعب فيها.

إن هذا ينطبق تماماً على المجتمع الإسرائيلي الذي يعيش حسب دافيد غروسمان(8) حالة من الذعر المستديمة، حيث الغالبية الساحقة من السكان واقعة في فخ ما جرى بعد 1967، ومستسلم تماماً لفكرة قدرية مفزعة مفادها أن شيئا لن يتغير، تترافق مع «عقدة الضحية التي لا تفارق الإسرائيلي أبدا، حتى كأنهم أقاموا إسرائيل كي يكفوا عن الحياة الطبيعية ويواصلوا الحياة في هيئة الضحية فقط»؛ فالمجتمع الإسرائيلي بلغ مرحلة تصنيف كل آخر في خانة العدو، الذي لا بد من محاربته، ليس في صفوف الأغراب فقط ،بل بين اليهود أنفسهم «وكل من لا ينتمي إلى مرجعيتك الدينية العلمانية الاستيطانية أو المناهضة لهذا كله هو عدو لك بالضرورة.. شيوع الخرافة وتآكل الروح الوطنية والنزعة العدمية والتحلل من المسؤولية»؛ يضاف إلى هذا كله جنون الأساطير واختراع ما يمكن اختراعه منها لبناء منظومة من المعتقدات المتناقضة التي تهدف إلى تحقيق تماسك افتراضي، قائمة على الغش والمزاعم المغرضة، والمزيفة أيضاً، ولعل المثل الأبرز هو الادعاء باكتشاف (قبر شمشون) في الجليل وكيف أخذ الآلاف يحجون إليه على غير هدىً دون أن يفطن أحد أن هذه الأسطورة المخترعة الجديدة ليست سوى إطار مبتكر فولكلوري وعقائدي تمهيداً للخطوات العملية بتهويد الجليل وطرد العرب منه، هذا الجنون الجماعي برز في تلاعب شارون بعواطف المستوطنين المتدينين، حيث وعدهم بأن الانسحاب سيضمن نقل كل كنيس بأحجاره ذاتها غير منقوصة وخداع الجماهير ليس جديداً على أنظمة الفاشية والاستبداد، وقد لاحظ ألكس دوتوكفيل مرة أن النظام يعرف أن تصديق الأكاذيب البسيطة أسهل من تصديق الحقائق المعقدة و «الحشود المأزومة التي لا يستطيع العهد الجديد أن يعطيها شيئاً ملموساً يستطيع أن يحشوها على الأقل بالأكاذيب»، وهكذا «ما بين مطارق هي كل عدتهم ومسامير هي كل العالم المحيط أسست جمهورية الخوف»(9).

هذا العصاب الجماعي الإسرائيلي يتأسس عميقاً في البنية النفسية لمجتمع المستوطنين الصهاينة في فلسطين عبر أمثلة دراسية قادمة، ولئن كان العصاب حسب تعريف جورج طرابيشي هو كل خلل أو اضطراب من طبيعة مرضية يصيب الشخصية أو قطاع منها نتيجة لتمحورها حول عقدتها النفسية، فإن «العقدة» التي ينتظم حولها العصاب الجماعي الإسرائيلي هي عقدة الاعتراف بالشعب الفلسطيني، هذا العصاب يأخذ شكل جموح أيدلوجي مدجج بالفكر الصهيوني الذي يأخذ في جانب منه شكل وباء نفساني يعتصم بوطنية متشددة متسمة بالعنف الشديد.

وقد توصل البروفيسور دانيئيل بارطال من جامعة تل أبيب ورئيس المنظمة العالمية لعلم النفس السياسي(10) إلى النتائج التالية:

  1. الشعب اليهودي في إسرائيل غير طبيعي، مفرق ويعاني من انقسام حاد، معسكر قومي جبري يقول بـ (لا حل للنزاع في الشرق الأوسط، ومعسكر حمائمي مضغوط هستيري وكلاهما يهرب من الواقع، الأول يتنكر لعلاقة السلام والثاني يهرب من المسؤولية إلى عالم الخيال.
  2. عن السبب النفسي للخوف من التغيير يقول بارطال أن إسرائيل استثمرت الكثير في النزاع مع العالم العربي من ناحية عسكرية واقتصادية ومعيشية وتم تشديد أيدلوجية تفسر وتبرر هذا السلوك، من الصعوبة تغييرها «أسهل أن نواصل رؤية السلبيات لدى الخصم من أن نبذل جهدا لرؤية ألوان رمادية داخل اللون الأسود».

 3- استذكر بارل طال «في تجربة وضع المجتمع الإسرائيلي على أريكة المحلل النفسي» أبحاثاً كان أنجزها في السابق ودلت على أن الأطفال اليهود منذ عمر الثانية والنصف يتكون لديهم تصور سلبي عن العرب ويبقى العربي في تصورهم مفردة ملازمة لصفات سلبية شريرة. وقد فحص منذ أكثر من عشر سنوات كتب التدريس العبرية فوجد أنها لا تنفك تكرس النزاع وتمجده، وفي فحص متجدد عام 2002 وجد أن كتب التدريس العبرية ما تزال تعاني من التثبت بالماضي، ويقول «يبدو أن السلام بقي خارج حدود المدرسة».

من جهته توصل البروفيسور المرحوم إسرائيل شاحاك إلى استنتاج حاسم باعتبار «الصهيونية تسرق إمكانية تطبيع وجود إسرائيل مع وجودها..»(11). إن هذا الاستنتاج يشير بوضوح إلى تطابق الشكل والمضمون في الكيان الصهيوني؛ فالصهيونية هي جوهر دولة إسرائيل، الذي لا فكاك منه، وتخلي هذه الدولة عن جوهرها يعني نهايتها الحتمية، وهذا ما لم يخطط له أو يتخيل حدوثه مؤسسوها وقادتها اليوم، الذين يعيدون التأكيد باستمرار على هذا الجوهر وعلى أهمية الصهيونية لإسرائيل باعتبارها روح الأمة.

ويرى شاحاك أن قيام الصهيونية على مبدأ (الكراهية الخالدة) يمنع عنها الوجود والاستمرار الطبيعي، فبافتراض أن كل الناس يكرهون كل اليهود كل الوقت، سقوط في عدمية الفرادة الشمولية مما يحيل إلى حركة توتاليتارية تفترض وجود مسألة تخص مجموعة من الناس ولكن العالم كله يحفل بها.

المراجع

 

  1.  (سامي سموحا. نظرتهم لبعضهم البعض. لوموند www.mondiploar.com/article.php3?id_article=288
  2. المشهد الإسرائيلي. 10/4/2006
  3. يديعوت أحرونوت. 9/5/2006
  4. أنطوان شلحت. أسلبة الإعلام الإسرائيلي. عرب 48. 19/2/2006
  5. www.ladeeni.net/forum/viewtopic.php?c=574
  6. لمزيد من المعلومات عن اختبار ملغرام: http://ar.wikipedia.org
  7. مصطفى زيور. أضواء على المجتمع الإسرائيلي: دراسة في التحليل النفسي. الأهرام 8/8/1968
  8. أنطوان شلحت. تشريح "العصاب الجماعي" الإسرائيلي. في: المشهد الاسرائيلي 4 كانون أول 2006
  9. صبحي حديدي. البرادعي في إسرائيل وتفتيش وجودي من ارتفاع عين الطير في: www.kefaya.org/znet/046710sohihadidi.htm
  10. أنطوان شلحت. تشريح"العصاب الجماعي الإسرائيلي. مرجع سابق.
  11. إسرائيل شاحاك. الصهيونية شر ولا إمكانية لتطبيع إسرائيل مع وجودها. حوار مع حسن خضر في: الكرمل 62 شتاء 1999.