Menu

أمهات فلسطين انتصرن فعلاً

جمال فهمي

نُشر هذا المقال في العدد 24 من مجلة الهدف الإلكترونية

قبل عامين أعلنت لجنة رسمية تابعة للكنيست الإسرائيلي بياناً سنوياً يسمى "البيان البرلماني بشأن تعداد السكان"، أقرت فيه بحقيقة كارثية بالنسبة للكيان الصهيوني، ملخصها أن الشعب الفلسطيني برغم سيل عربدات الإجرام والحصار والقتل والاقتلاع التي لم تنقطع ساعة واحدة منذ سرقة وطنه قبل ٧٠ عاماً، استطاع أن ينتصر إنسانياً وسكانياً انتصاراً مدوياً على هذا الكيان العدواني العنصري، إذ نجح - حسب بيان الكنيست- أن يحقق على أرض وطنه المسروق، توازناً عددياً ربما يلامس حدود التفوق، مع البزرميط البشري اليهودي (أو حتى مدعين اليهودية بالكذب طمعا وانتهازية)، هؤلاء الذين استجلبهم الصهاينة من شتى بقاع الأرض ليسكنوا وطناً لا يعرفونه ويستوطنون قرى ومدناً وبيوتاً لم يبنوها، ويأكلون من ثمار حقول لم يزرعوها وإنما نشلوها بالقوة والعنف من أصحابها الأصليين.

حسب البيان الإسرائيلي المذكور، فإن عدد أهلنا الصامدين في فلسطين المحتلة بلغ في العام 2018 نحو ستة ونصف مليون نسمة (4.8 مليون في الضفة الغربية وقطاع غزة، 1.4 مليون في أراضي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨) وهذا العدد يساوي، أو يزيد قليلاً عن العدد الإجمالي لليهود المستجلبين في الكيان الصهيوني، هذا طبعاً من دون حساب المواطنين الفلسطينيين في الشتات ومخيمات التهجير، وعدد هؤلاء يساوي، أو قد يفوق، عدد اليهود المنتشرين في العالم كله خارج فلسطين المحتلة.

ومن دون أي ادعاء للحكمة بأثر رجعي، فإن العبد لله كاتب هذه السطور يدعو منذ سنوات طوال إلى ترك "أرحام أمهات" أهلنا في فلسطين المغتصبة، تحسم هي الصراع مع العدو الصهيوني وتتولى تقويض وتفكيك مشروعه الاغتصابي العنصري على أرضنا ومقدساتنا المسروقة هناك.

 لقد قلت من قبل ما معناه أن هذه "الأرحام" الطاهرة كفيلة بإنجاز المهمة المقدسة بكفاءة واقتدار عظيمين، بدل الاستمرار المهين والكارثي في إسقاط خيار المقاومة بكل وسائلها، ومن ثم الكف الطوعي عن إلحاق أي أذى بالعدو، والاكتفاء بثرثرات فارغة وأهازيج عبيطة تصاحب عملية هرولة دائمة خلف أوهام السلام والتعايش المستحيل مع كيان عدواني واغتصابي لَقيط ومسلح حتى الأسنان بترسانة هائلة من التخاريف العنصرية، فضلاً عن آلة دمار وقتل أمريكية عرمرم.

 هذه الحالة المزرية التي غاصت فيها أمتنا العربية على مدى أكثر من أربعين عاماً حتى الآن، لم تصنع سلاماً ولا حققت استقراراً ولا تنميةً حقيقية، بل كان الحصاد مروعاً، فقد شاع الخراب والبؤس الشامل (مادي وروحي وعقلي) في أغلب أرجاء الأمة، فيما فاز العدو بهدايا مجانية ثمينة أهمها أنه استغل حالة غفلتنا وقعودنا الطوعي المشين عن بناء قوتنا الذاتية وممارسة حقنا في المقاومة، في تعميق جذور وجوده غير المشروع على أرضنا وابتلاع المزيد منها والتجرؤ الفاضح على مقدساتنا، كما أغراه عجزنا غير المبرر؛ فراح يرفع باضطراد جنوني من وتيرة عربداته وعدوانه، لأن الحقيقة التي يؤكدها الواقع المعيش، إضافة إلى التاريخ الإنساني كله، أن الغناء والثرثرات الفارغة لا تردع عدواً ولا تعيد أو تحمي حقوقاً ولا تحرر أوطاناً ولا تنقذ أية مقدسات من الضياع.          

الآن يأتي خبر بدء تفوق عدد أهلنا في فلسطين على عدد البزرميط البشري الغريب المستورد، ليؤكد أن التنازل والاستسلام للعدو ليس له ما يبرره، ذلك أنه يقيم مشروعه وكيانه العنصري على قاعدة اقتلاع شعب فلسطين من ارضه وإحلال خليط مستجلب من أصقاع بعيدة محله، بحيث تصير أكذوبة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" حقيقة، وفي ظل هذه القاعدة الإجرامية، كان الصهاينة وما زالوا يحسبون ألف حساب لما يسمونه "الخطر الديموجرافي" العربي على كيانهم، ويضعونه على رأس قائمة المخاطر التي يعدون العدة دائما لمواجهتها ومنعها (هذا الخطر بالذات بند دائم على جدول أعمال مؤتمر "هرتسيليا" السنوي، المخصص للخطط والسياسات الاستراتيجية للدولة الصهيونية)، لكن ها هم يفشلون فشلا ذريعا فعلا، إذ تمكن أهلنا الصامدون المرابطون على أرض الوطن السليب من سحق تلك الخرافة العنصرية المحمية بالقوة الغاشمة والخيبة العربية الرسمية وبدأوا، مستعينين بأرحام الأمهات، مسيرة النصر النهائي على أسوأ وأقبح وأحط مشروع احتلال عنصري في تاريخ البشر.