مع الانطلاق المتجدد لقطار التسوية السياسية في المنطقة العربية وفق رؤية الولايات المتحدة الأمريكية الذي بدأ في مدريد عام 1991م، وصولاً إلى توقيع اتفاق إعلان المبادئ "أوسلو" 1993م، والذي اُعتبر بأنه أخطر حلقات مسلسل الاستهداف للقضية الفلسطينية؛ من خلال ضرب ثوابت الإجماع الوطني الفلسطيني، وإدخال منظمة التحرير الفلسطينية إلى سكة التفاوض الأمريكية - الإسرائيلية تحت العباءة العربية، على طريق شطب برنامجها الوطني؛ بهدف إنهائها، وتصفية القضية الفلسطينية، وولوج العدو الصهيوني إلى المنطقة العربية من بوابة "السلام" الأمريكية، في ضوء جملة المتغيرات الفلسطينية والإقليمية والدولية التي تكرّست في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين، حيث اُعتبر -في حينه- أيضا ًأن طريق المواجهة لمسار التسوية السياسية في ضوء استهدافاتها القريبة والبعيدة؛ يستدعي العمل على جبهتين الأولى: فلسطينية، والثانية: عربية.
في هذا المقال سنركز التناول على ما أطلقت عليه بعض القوى الفلسطينية الرافضة للتسوية بالجبهة العربية؛ انطلاقاً من رؤيتها بأن المواجهة والتصدي للواقع السياسي الناشئ والمعقد؛ يتطلب إعادة الاعتبار النظري والعملي، إلى مفاهيم وشعارات الوحدة العربية، والتقدم الاجتماعي، كمهمة لإحياء واستنهاض حركة الجماهير العربية، بما يحمل ضمناً وصراحةً الاعتراف بتراجع تلك المفاهيم والشعارات في "العقل" السياسي الفلسطيني عموماً، وعقل القوى التي انطلقت من حواضن قومية خصوصاً.
في ضوء ما سبق؛ علت الدعوة إلى ضرورة بناء الحركة الثورية العربية على أسس جديدة، لمواجهة استحقاقات المرحلة الجديدة التي دخلها الصراع العربي - الصهيوني، واُعتبرت أن المهام الراهنة لها على طريق تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي:
العمل الجدي لنقد واقع أزمة حركة التحرر الوطني العربي، باتجاه نهوضها، وخروجها من واقعها الراهن، وبلورة خطة عمل ملموسة ذات بعد تنظيمي، وسياسي، وكفاحي.
العمل على تكتيل أوسع القوى الوطنية والتقدمية العربية، وتعزيز جهود التعاون والتنسيق فيما بينها، على طريق إقامة أوسع ائتلاف سياسي ديمقراطي قومي موحد، للحفاظ على الحقوق والثوابت القومية العربية.
الإمساك بمعادلة الوطني والقومي في كل قطر عربي؛ الأمر الذي يستدعي معالجة جدلية للخصوصيات الوطنية، في إطار إنضاج وبلورة مقدمات ومقومات المشروع القومي بمرتكزاته ومستوياته المتقدمة.
النضال من أجل تكريس الديمقراطية السياسية، كمدخل مهم للمشاركة الجماهيرية، وربط ذلك بالنضال الاجتماعي والمطلبي في الممارسة السياسية، والتنظيمية، والكفاحية، لحركة التحرر العربية وفصائلها، باعتباره سلاح قوة لتعبئة وتحشيد وتأطير الجماهير وقيادتها.
فبعد مرور ثلاثين عاماً على التسوية السياسية على المستوى الفلسطيني؛ نجد أن العدو الصهيوني ومن خلفه الإدارة الأمريكية استطاعا أن يُدخلا العديد من الأنظمة العربية إلى قطار التسوية والتطبيع الذي جاء أولاً وثانياً وثالثاً على حساب القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية من جهة، وعلى حساب الشعوب العربية وحقوقها وثرواتها، وسيكون كذلك على حساب حاضرها ومستقبلها من جهة أخرى، مما يعني في المحصلة أن المعالجات لأزمة حركة التحرر العربية، بقيت معالجات نظرية، بحيث ما انفكت تؤكد مجدداً عن عمق أزمتها البنيوية، والذي انعكس بدوره على الممارسة العملية التي لم تستطع أن تؤطر أو تكتل القوى الوطنية والتقدمية العربية في جبهة واحدة، ولم يرقَ مستوى التعاون والتنسيق معها للدرجة التي تسمح لها بمواجهة استحقاقات مرحلة الإجهاز على القضية والحقوق الفلسطينية، وما حملته من تغيّرات نوعية على الصعيدين العربي والفلسطيني، وكذلك "ارتاحت" لبناء علاقة مع النظم الرسمية على حساب الشعوب العربية، مما أسس لحالة من الفكاك بين معادلة أو جدلية الوطني والقومي في الفكر السياسي الفلسطيني؛ ارتبط بشكل رئيسي بحالة التخبط الفكري والسياسي لدى قوى الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة لدى القوى التي كانت تعوّل دائماً على ارتباط القضية الفلسطينية بعمقها القومي، حيث ساد خطاب سياسي عالي الوتيرة في الاستراتيجي، لكنه كان متدني الأداء في المقابل؛ الأمر الذي لم يؤدِ إلى عملية تراكمية في إنضاج الخصوصية التي تجمع القضية الفلسطينية بعمقها القومي، وعليه اتسعت الفجوة بين النظرية والتطبيق على هذا الصعيد، وترتب على ذلك ازدياد المخاطر التي تحدق بالقضية الفلسطينية، ومن بوابتها بالقضايا والحقوق العربية أيضاً.
إن مراجعة متأنية لتاريخ التجربة الفلسطينية الحديثة في علاقتها ببعدها القومي؛ تؤكد أن المسألة انتقلت من الحد الأقصى، حيث طغى العام العربي على الخاص الفلسطيني منذ أوائل الخمسينيات إلى هزيمة حزيران/يونيه 1967م، مما "غَيَّب" الهوية والخصوصية الفلسطينية، رغم وجوب إبرازها في مواجهة المشروع الصهيوني وأهدافه التي سعت لتبديدها وطمسها، إلى الحد الأقصى المُقابل، حيث سادت النزعة "القطرية" الفلسطينية على حساب البعد القومي، واتخذت تعبيرات عدة، على صعيد الخطاب السياسي الرسمي، وكذلك على صعيد الممارسة التي ارتكزت على هذا الخطاب، مما شرعن للقطرية الرسمية أن تتمدد وتطغى في المشهد العربي؛ فمن المعروف أنه في حال تراجعت المظلة القومية، تصبح القطرية والانغلاق ملاذاً حتى لمن ليس لهم قطراً..!
إن تجاوز تلك الإشكالية لا يمكن أن تتم إلا من خلال الربط الجدلي بين الوطني الفلسطيني والقومي العربي، وتشكيل رؤية فلسطينية للقضية الفلسطينية، في إطار رؤية عربية، بحيث يتم تجاوز؛ فصل الأولى عن الثانية، ارتباطاً بطبيعة المشروع الصهيوني - الإمبريالي النقيض للمشروع التحرري والنهضوي العربي، لهذا لا بد من رؤية عامة للمسائل القطرية؛ تقف عليها القوى الوطنية المرتبطة بأهداف شعوبها الطامحة إلى التحرر والانعتاق والعدالة والمساواة والديمقراطية، ووضع برامج عملية، تتناسب مع هذه الرؤية، كي يكون ممكناً تحقيقها على مستوى كل قطر، وهذا غير ممكن دون الرؤية القومية الأعم والأشمل، وهذه مهمة راهنة للقوى والأحزاب الفلسطينية والعربية التي تنطلق من شمولية وجذرية الصراع مع المشروع الصهيوني وقوى الإمبريالية العالمية.
* نشرت في جريدة النهج الديمقراطي المغربي العدد (404)

