كاتب سياسي فلسطيني/ سوريا
تأرجح الخلاف الأمريكي – الإيراني بين التصعيد والتهدئة، في ضوء التجاذب الخطابي بين الجانبين، ولكون التصعيد وصل إلى حد التلويح الرمزي تارة، والتصريح المباشر تارةً أخرى، باللجوء للخيار العسكري، فإن قراءة المستجدات تشي بأن الجانبين ماضيان نحو الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وحسم الجدل حول النقاط محل التباين بينهما، سواء جرى هذا التفاوض سراً، كما في عهد الرئيس الجمهوري بوش الابن عام 2001، أو علناً كما هو في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق أوباما عام 2012.
تحدث الرئيس الأمريكي جو بايدن في مقابلاته وتصريحاته الصحفية التي تلت فوزه بإدارة البيت الأبيض، عن رغبته في التفاوض مع طهران، وعدم استثناء خيار العقوبات، وبدا أن فرض العقوبات أو التلويح فيها هما طريقة بايدن المفضلة لجذب الأطراف المعنية نحو الحوار مستغلاً في ذلك خبرته كنائبٍ للرئيس الأسبق أوباما، وقال في معرض رده على سؤال خلال مقابلة تلفزيونية مع "C N N" بمناسبة مرور خمسين يوماً على وجوده في البيت الأبيض، بشأن ما إذا كان سيفرض عقوباتٍ إضافية ضد طهران أم لا؟! "الاحتمال وارد" إلا أنه عاد وأكد؛ رغبته في الحوار مع طهران بشأن برنامجها الصاروخي والنووي، قائلاً: "أفضّل مبدأ التحاور"..!
في طهران بدت النخبة المتنفذة سياسياً أكثر انفتاحاً لإجراء مفاوضات مع واشنطن، وهو الأمر الذي تدركه الإدارة الأمريكية تماماً، لذلك قال رئيسها في نفس المقابلة: "لا أحد يريد أن تحدث أشياءٌ فظيعة؛ فطهران لديها فرصة للعودة إلى الاندماج بالمجتمع الدولي في ظل الإدارة الحالية"، وقد فُهم من هذا التصريح إنه مسوّغ أمريكي للمرشد خامنئي لدخول حكومته مرحلة تفاوض على اتفاقٍ تكميليٍ للاتفاق النووي "5 + 1" عام 2015، أو الجلوس المباشر مع الرئيس الأمريكي، على غرار التجربة مع كوريا الشمالية.
على هذا النحو، ووفقاً لهذه الطريقة في التفكير، ذكرت مديرة مجلس الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط: "إن الرئيس بايدن يقترح صراحةً عقد لقاء مع القيادة الإيرانية لإقناعها بتغيير سلوكها إزاء دول المنطقة، وامتثالها لعدم زيادة نسبة التخصيب لليورانيوم".
يتضح من خلال هذه التوجهات أن المسار المزدوج للإدارة الأمريكية هو التلويح بالعقوبات، والدعوة للتحاور، على أساس أن العقوبات ليست هدفاً في حد ذاتها، لكنها أداةٌ لجذب الطرف الآخر وإرغامه على المفاوضات في وضعيةٍ لا تسمح له بتحسين مخرجات الاتفاق النووي السابق، علاوةً على ما سبق، تنصح مراكز البحث والفكر الأمريكية بوجوب فتح قنوات اتصالٍ مع طهران، خشية التصعيد غير المحسوب، بحيث لا تنساق واشنطن وراء رغبة بعض الأطراف في "الحسم العسكري"، ومن شأن غياب قنوات تواصلٍ فعالة أن يجعل من الصعوبة بمكان الحد من التصعيد بشكلٍ مجدٍ، وعليه، فإن التفاوض هو الحل الأنجع لمنع تدحرج الأمور إلى مواجهةٍ عسكريةٍ غير محسوبة العواقب.
في الاتجاه نفسه أبدت طهران رغبتها بالتفاوض، لكن على طريقتها الخاصة، مستخدمةً قدرتها على الصبر لتحسين شروط التفاوض، لذلك تحدث مسؤولون إيرانيون عن انفتاح طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مرةً أخرى مع واشنطن، بيد أن هذا الانفتاح مقرونٌ بشرطين: الأول وقف الحرب الاقتصادية، المتمثلة في العقوبات، والثاني أن يكون الحوار علنياً.
الاتجاه الأول: نادى به وزير الخارجية محمد جواد ظريف، عندما رهن المفاوضات بـ "رفع العقوبات"، مشيراً إلى أن معيار طهران لتقييم دعوة وزير الخارجية الأمريكي "أنطوني بلينكن" للتفاوض هو "وقف الحرب الاقتصادية على بلاده".
الاتجاه الثاني: نادى به رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي الذي حدد شرط التفاوض مع واشنطن، بعدم تحويل المحادثات إلى "سرّية"، وقال: "إن إيران في وضعٍ يسمح لها بالتفاوض العلني مع واشنطن، لكن تحريم التفاوض يضع مصالح الأمة الإيرانية بأيدي الحكومات الغربية، ويجعل الصهاينة جزءاً لا يتجزأ من السياسة المعادية لإيران".
أيضاً، فإن المرشد خامنئي قدم مسوغاته لإدارة الرئيس بايدن للحوار، على سبيل المثال؛ رد المرشد على أحد أهم الانتقادات التي يوجهها المسؤولون الأمريكيون لدور النظام الإيراني في الإقليم وانشغاله على الدوام بتصدير الثورة، فقال في كلمته بمناسبة الذكر الـ" 32 " لرحيل سلفه المرشد الخميني: "إن إيران لا تسعى لتصدير الثورة إلى الدول الأخرى، كما إننا لا نريد تصدير الثورة؛ ففكر المقاومة تجاوز الحدود الإيرانية، والشعوب الأخرى تبنّته".
حسابات الأطراف الوسيطة
تدرك الدول ذات العلاقات الثنائية مع كلٍ من طهران وواشنطن؛ أن الأخيرة في ظل إدارة بايدن لا تسعى إلى الحرب، بل إلى التفاوض، ونظراً لمصالح تلك الدول مع كلا الطرفين، فإن هذا الإدراك يشجعها على لعب دور الوساطة وتقريبهم إلى طاولة المفاوضات، خاصة وأن هناك انقساماً في الكونغرس الأمريكي، حول ما يجب أن يكون عليه التصعيد، بين من يدفعون نحو المزيد من العقوبات والردع، ومن يكتفون بالضغط للتوصل إلى اتفاقٍ جديدٍ حول البرنامج النووي، والبالستي، والدور الإقليمي لإيران.
إن التوجه الرسمي للإدارة الحالية، بحسب تقديرات مراكز البحوث والدراسات الأمريكية، هو أن تغيير النظام ليس مطروحاً على جدول أعمال الإدارة الأمريكية، وأن الرئيس بايدن معنيٌ بإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، من أجل توقيعها على اتفاقٍ جديدٍ يشمل دورها الإقليمي، خاصة في اليمن، سوريا، لبنان، والعراق، إلى جانب البرنامجين النووي الاستراتيجي والصاروخي البالستي بطبيعة الحال.
كما أن هناك معلوماتٍ لدى عددٍ من الدول الإقليمية حول أن المفاوضات قد بدأت بالفعل بين الجانبين، على سبيل المثال قال وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، في رده حول ما إذا كان التصعيد بين طهران وواشنطن مشابهاً لما سبقه في كوريا الشمالية، والذي أدى إلى طاولة التفاوض: "إن تلك التجربة كانت ناجحة"؛ معرباً عن أمله في أن تكون الحالة الراهنة مشابهة لتلك الحالة، مضيفاً: "على ما يبدو، فإن المفاوضات بين الطرفين قد بدأت، وهناك اتصالات وتحركات في هذا السياق"، مستشهداً بالزيارات المكوكية لوزير الخارجية العماني بين واشنطن وطهران، وقد كشفت الزيارات المكثفة بين المسؤولين من ألمانيا، سويسرا، باكستان، فرنسا، سلطنة عمان، قطر ، الكويت، والعراق عن رغبات تلك الدول في لعب دور الوسيط ونزع فتيل الأزمة.
يمكن القول أن اليابان من أكثر المهتمين بإحلال التسوية بين واشنطن وطهران، بسبب اعتمادها على النفط الإيراني، وقد عبرت طوكيو مجدداً عن استعدادها لاستئناف الوساطة التي قامت بها في أيار 2019، بالرغم من رفض المرشد خامنئي حينها تسلم رسالة الرئيس الأمريكي السابق ترامب التي حملها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى طهران، وقوله: "إن ترامب لا يستحق الحوار"، إلا أن ذلك لا يعني عدم استئناف المحاولة، ففي كل التجارب السابقة كان الخطاب الرسمي للمرشد على المنوال نفسه، ثم يواصل دبلوماسيو طهران المفاوضات مع واشنطن، كما كان الحال في مفاوضات ظريف – أولبرايت خلال رئاسة خاتمي، ثم في مفاوضات ظريف – كيري في عهد روحاني.
دروس الخبرة التاريخية
تشير الخبرة التاريخية مع النظام الإيراني إلى أنه لا يمكن بناء تصوّر وقراءة حقيقية لطبيعة صناعة السياسة الخارجية من خلال المواقف المعلنة فقط، لكن من خلال وعبر تحليل نمط التصريحات، إلى جانب تحري العامل التاريخي كمحددٍ لفهم طريقته الخاصة في صنع القرار واتخاذه، ذلك أن كلّ رفضٍ علنيٍ للتفاوض أو الإقدام على اتخاذ قرارٍ ما، يعني أن هناك تحركاتٍ عكسيةً سريةً للمضي قدماً في تنفيذ عكس ما يتم الإعلان عنه.
على سبيل المثال يشير تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أنّ النظام السياسي لديه قدرة استثنائية على الاستمرار والبقاء، وأنه كلما تصاعدت الضغوط الخارجية عليها، بحيث يمكن لها أن تعرّض استقرارها الداخلي للخطر، نجد النخبة القيادية تبحث عن وسيلةٍ للتخفيف من تبعات تلك الضغوط ومن التكاليف المرتبطة بها على المدى القريب والمتوسط، هذا بالتحديد ما حدث في التجارب السابقة، عندما قررت إيران إنهاء الحرب مع العراق عام 1988، من خلال استراتيجية "كأس السم" التي تجرعها المرشد الخميني وقتها، ولجوئها إلى وقف سلسلة اغتيال المعارضين في أوربا بتسعينيات القرن الماضي، عند تهديدها بالعقوبات الأوروبية والأمريكية، وعرضها تسوية نووية عام 2003، أي بعد الغزو الأمريكي للعراق مباشرة، حين استشعرت طهران أنها ستكون التالية بعد بغداد، ثم عام 2012 عندما وافقت إيران على التواصل مع واشنطن عبر قنواتٍ خلفية، بعد أن علمت أن إدارة الرئيس الأسبق أوباما تدرس تشديد العقوبات على البنك المركزي الإيراني، رغم التسهيلات التي كان يحصل عليها الأوروبيون..!
نستخلص مما سبق؛ أن عوامل ذهاب طهران وواشنطن إلى مفاوضاتٍ مباشرة لخفض التصعيد، وحلحلة العقد المعلقة بينهما تبدو أكبر من عوامل التصعيد واللجوء إلى المواجهة العسكرية، أو حتى عوامل استمرار تعايش طهران مع سياسة العقوبات، على خلفية تدهور سعر صرف العملة، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتراجع صادرات البلاد بشكلٍ حاد من النفط، بعد إعلان الهند و تركيا تصفير وارداتهما، إلى جانب التزام الصين، بعدم تجديد التعاقد على الخام الإيراني عملاً بالعقوبات الأمريكية.

