بدأ اول استخدام لمصطلحي اليمين واليسار في أعقاب الثورة الفرنسية في 1789م . واكتسب كل منهما معناه الاصطلاحي من المواقع التي جلس فيها ممثلو القوى الاجتماعية والسياسية داخل الجمعية الوطنية الفرنسة (البرلمان) التي تشكلت بعد الثورة . حيث جلس المحافظون الذين كانوا يمثلون النبلاء ورجال الدين على يمين منصة المجلس فتمت تسميتهم باليمينين . فيما جلس المنادون بتغيير النظام الملكي وإدخال إصلاحات جذرية على النظام على يسار المجلس فسموا باليساريين. بعدها مع تنوع التشكيلات والقوى السياسية أضيفت تصنيفات جديدة مثل: الوسط ، اليمين المتطرف، اليسار المتطرف، يمين الوسط، يسار الوسط .. وهكذا.
لقد نشأت هذه المفاهيم في سياقات تاريخية وسياسية واجتماعية محددة، ومن ثم جرى تعميميها، وهي بطبيعة الحال مفاهيم متحركة ومتغيرة من حيث التمثيل والمضمون. بحيث لم يعد من السهل اليوم في واقع سياسي واجتماعي مركب ومعقد ومتغير تحديد التخوم بين القوى.
إذن هذه المفاهيم في الأصل هي تعبير عن التمايز بين القوى السياسية التي تمثل قوى طبقية اجتماعية: الطبقة الرأسمالية البرجوازية، الطبقة الوسطى، العمال، الفلاحين وغير ذلك.
هذا التمايز في حقيقة الأمر هو ترجمة عملية للتناقاضات الطبقية وما يترتب عليها من صراع طبقي بتجليات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسلوكية وعنفية، وذلك بهدف السيطرة على السلطة السياسية وجهاز الدولة والتحكم بمنظوماتها الفوقية، والقانونية، وأدواتها العنفية: الجيش والشرطة والأمن والسجون. وكل ذلك من أجل حماية مصالح الطبقة المهيمنة في المجتمع.
استنادا لهذا الفهم الكثيف فإن قوى اليسار تعني أو يجب أن تعني القوى السياسية التي تتبنى وتدافع وتناضل عن مصالح الطبقات المستغَلة والمضهدَة في المجتمع، وبالتالي فإن جوهر وظيفتها ودورها الحاسم هو تنظيم تلك الطبقات وخوض النضال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للتغير واستبدال النظام الطبقي المهيمن الذي يتناقض مع مصالح وحقوق أغلبية الطبقات المنتجة بحيث تتناغم وتتوازن بنى الدولة الفوقية مع بناها التحتية.
هذا بالضبط ما قصده كارل ماركس بقوله "إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حرٌّ وعبد، نبيلٌ وعامي، بارونٌ وقن، معلمٌ وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارةً معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين".
في الحالة الفلسطينية هناك الكثير من القوى التي تصنف ذاتها على انها يسارية، لكنها في الممارسة والمواقف أقرب لليمين مما لليسار بمعناه المبين أعلاه. يتجلى ذلك في مواقفها وتحالفاتها وسياساتها وسلوكها الذي لا يربطه رابط مع مفهوم اليسار الأصيل. بحيث أصبح مفهوم "اليسار" مجرد صفة أو كلمة إصطلاحية بدون مضمون وحامل طبقي فعلي؛ (سياسي – اجتماعي – اقتصادي – أيديولوجي – نضالي) قائم في أرض الواقع. أي أنها كما يقول أنطونيو غرامشي: (أحيانا تكون سياسات اليسار استمرارا لسياسات اليمين ولكن بكوادر ولغة يسارية". (غرامشي – كراسات السجن - ص 86).
لهذا نجد أن قوى اليسار الفلسطيني (مع تفاوتات نسبية) تلازم حالة "حرب المواقع الثابتة أو الثورة السلبية" وبالتالي فهي غير قادرة أو لا تمتلك شروط التجاوز نحو حالة الحركة وفق تعبيرات غرامشي.
في ضوء هذه المفارقة والمعضلة، أي حالة الطلاق أوالأنفصام (الشيزوفرينيا) بين المفهوم وواقع الحال، ومن أجل إعادة التذكير بجوهر معادلة الصراع الطبقي التي تحدد في الواقع من هو اليسار ومن هو اليمين فعليا، فإنني أرى أن معادلة حنظلة ناجي العلي بالأبيض والأسود، البسيطة والواضحة هي أكثر جذرية ووضوحا وتعبيرا من مفاهيم فقدت عند الكثيرن معنها الحقيقي، يقول حنظلة:
" لم تكن مشكلتي يوما مع مَنْ هم "تحت"، مشكلتي دائما هي مع مَنْ هم "فوق"".
وعليه فأنني أعلن أنني مع قوى "التحتانيين" ضد قوى "الفوقانيين".

