منذ أن دخل بايدن البيت الأبيض كان على مكتبه مجموعةٌ من القرارات الرئاسية التنفيذية التي تهدف إلى إنهاء الترامبية وتحصين البايدينية، وكانت العناوين الرئيسية الداخلية تتعلق بمواجهة كورونا والهجرة وإنعاش الاقتصاد الذي عانى من آثار التخبط في مواجهة كورونا.
أما خارجياً فكان عنوان إعادة الاعتبار لتموضع الولايات المتحدة ضمن منظومة الاقتصاد الرأسمالي لاستعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في المنظمات الدولية لمواجهة تزايد النفوذ لكلٍ من روسيا والصين اللتين تعملان بشكلٍ تكامليٍ وتدريجيٍ لإزاحة الولايات المتحدة وتقليص نفوذها مستفيدين من التعارضات القائمة بين طموحات الاقتصاديات الناشئة التي تعتمد نظاماً رأسمالياً في إطار المحافظة على دور الدولة الوطنية وبين صيغة تطويع الدولة لمصالح الشركات والاحتكارات الكبرى، هذه الشركات العملاقة التي ترى أن صيغة الدولة الوطنية هي عامل معيق لتوسع النفوذ الرأسمالي الإمبريالي لتطوير استمرار سيطرة نظامه الذي يرى أن حل أزماته ينبع من ضرورة كسر حواجز مفهوم الدولة الوطنية الصاعدة ومحاصرتها لإعطاء حرية تامة لنفوذ الشركات الاحتكارية وتحالفاتها التي تتحكم في سياسة الحرب والسلم التي تتطلبها مصالحها وسيطرتها على الموارد المادية والتكنولوجيا والموارد البشرية العالمية من ناحية لتوظيفها في عملية الإنتاج الرأسمالي، ومن ناحية إجبارها على استهلاك منتجاتها، هذا التعارض من الممكن أن يتحول في أية لحظة لصراعٍ يأخذ أشكال حروبٍ مباشرةٍ أو بالوكالة في الحدود الهشة بين منظومة الدول الصاعدة وبين احتكار الشركات الرأسمالية العابرة للقارات، هذا الصراع الذي كانت عقلانية كلٍ من موسكو وبكين تفهمه على أساس التحديات الصعبة بين الخصوم، هذه التحديات التي ساهم فيروس كورونا في تصاعدها حيث نجح الحلفان الروسي والصيني في تسجيل نقطةٍ لصالح طابع الإنتاج الرأسمالي الذي يوظف دور الشركات لصالح دور الدولة عندما نجحت الصين في السيطرة على انتشار الفيروس رغم اتساع انتشاره وكثافة سكانها في زمن قياسي، وروسيا عبر إنجاز أول عقار مضاد للفيروس أثبت فعاليته طبياً وتنافسياً، في حين فشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في وقف انتشار الفيروس من جهة، وحامت الشكوك حول فعالية عقاقيرهم.
حدة التعارض وصلت إلى تسييس استخدام العقار، حيث وجد كل من العقار الروسي والصيني صعوبات في تسجيله من قبل منظمة الصحة العالمية والأوروبية والأمريكية مترافق مع هجمة وضغوط أمريكية أوروبية لعدم استخدامه، بالرغم من اعتراف بعض مراكز الأبحاث بفعالية اللقاحات الروسية والصينية وقلة تأثيراتها الجانبية.
منطقة الشرق الأوسط كانت دائماً تشكّل الحدود الهشة للصراع بين الكتل السياسية والاقتصادية، كانت بين المعسكر الاشتراكي والرأسمالي سابقاً، والآن بين الدول الرأسمالية الصاعدة وبين الشركات الرأسمالية ومراكزها المالية، التي ما زالت تتحكم بالتدفقات المالية للدول النفطية الغنية التي تستخدمها كسلاحٍ في وجه طموحات الدول الصاعدة، تريد من خلاله رسم حدود النفوذ الاقتصادي والسياسي لها في إطار حدودها الوطنية والضغط عليها من خلال منظومتها الاجتماعية الداخلية، التي تستخدم فيها أدواتها المحلية من جهة، وشعارات الحرية والعدالة والمشاركة هذه الشعارات التي تتغاضى عنها في الدول الحليفة والتابعة وتستخدمها كمبرراتٍ لفرض العقوبات مع خصومها.
أما الدول الفقيرة التي تعتاش على المساعدات الدولية المشروطة سياسياً، فمهمتها هي ضرورة تنفيذ دور سياسي لتوظيف صيغة الدولة التابعة لتقويض أية إمكانيةٍ للتطور الديمقراطي الذاتي أو الإقليمي، وإبقائها في حالة موتٍ سريريٍ تقتضيه متطلبات المصالح الرأسمالية في استمرار دعمها لإسرائيل وكيلتها الحصرية في المنطقة.
إدارة بايدن تريد إعادة بناء سياستها بما يتوافق مع المساومة الداخلية للحزب الديمقراطي التي أوصلتها للبيت الأبيض، هذه المساومة بين متطلبات تحقيق حدٍ أدنى من العدالة الإنسانية في المجتمع الأمريكي التي يسعى لها التيار اليساري في الحزب الديمقراطي وبين مصالح القوى الرأسمالية الاحتكارية العابرة للحدود، وعلى ما يبدو اتفق على التهدئة الداخلية مع تصعيدٍ خارجيٍ مع كلٍّ من روسيا والصين؛ خارجياً أعلن وزير الخارجية بلينكن أن واشنطن لا تسعى لتغيير النظم بالقوة، هذا يعني أن إدارة بايدن ستعود لسياسات أوباما حول إعطاء أولوية للضغط من أجل تغيير النظم من داخل منظومتها عبر تشجيع قوى اجتماعية تحت عنوان الديمقراطية والحرية والعدالة للضغط على الخصوم وأبرزهم روسيا والصين، أما بالنسبة للحلفاء الديكتاتوريين استخدامها لهذه الشعارات سيكون انتقائياً بما يسمح بالحفاظ على التحالف مع إجراء عمليات تجميلية ترضي القوى الداخلية في الحزب الديمقراطي ولا تصل للقطيعة مع الحفاء.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يقبل بعض الحلفاء بهذه العمليات التجميلية؟
هذا يخص تحديدا النظام السعودي الذي كان أول المتضررين من قدوم بايدن للبيت الأبيض، الذي سارع إلى نشر تقرير الـCIA حول جريمة اغتيال خاشقجي وانعكاساتها على العلاقة الأمريكية السعودية، التي سارعت روسيا بالاستثمار في هذا التعارض وأرسلت وزير خارجيتها إلى دول الخليج والحفاوة التي استقبل بها كانت رسالةً إلى البيت الأبيض أن مرحلةً جديدةً بدأت لتوزيع البيض الخليجي في عدة سلالٍ روسية وصينية وإسرائيلية، ومن الملاحظ أن أنقرة التي كانت تصرخ لتحقيق العدالة لخاشقجي لم تبدِ حماساً لنشر التقرير، بل دفعت دبلوماسيتها للتصريح بتعزيز التحالف السعودي التركي، وإعطاء إشارات للقاهرة حول إعادة العلاقات الحميمة بين الدولتين التي تربطهما أواصر تاريخية حسب إشارات وزير الدفاع التركي، هذا الموقف التركي يتخوف من إدارة بايدن التي تسعى وبدون ضوضاء إلى فرض وقائع على الأرض شرق الفرات لتمكين القوى الكردية من إعلان انفصالهم أو حكمهم الذاتي بالتناغم مع كردستان العراق الذي طرح مشروع طابع يحمل حدود الدولة الكردية التي تشمل أجزاءً من سورية وتركيا والعراق وإيران مع صورة البابا عليه، في إعلان واضح للطموحات الكردية التي تسعى بدعم إسرائيلي وبعض دول أوروبا لمشاركة بايدن مواقفه في دعم إقامة دولة كردية في المنطقة.
إن إعادة تموضع الموقف التركي خليجياً يراد منه أن يفقد الأكراد ورقة الدعم الخليجية ويحاصر موقف بايدن الذي يرى أن الأكراد هم ورقة رابحة للضغط في عدة اتجاهات، وجميعهم يشكلون أرقاً لواشنطن وإسرائيل؛ فإنعاش الطموحات الكردية يهدف لمحاصرة النفوذ الإيراني في العراق وسورية ولبنان، وطموح تركيا التي تسعى لأن تأخذ سياسةً مستقلةً بعيدة عن هيمنة الولايات المتحدة وأوروبا، وأبرز تعبير عن ذلك تعدد مصادر التسلح التنقيب عن النفط والغاز في المتوسط والأسود والتحضير لاستحقاق 2023 وإبقاء بغداد تحت الضغط الصراع المذهبي.
أخطر ما تواجه المصالح الأمريكية في المنطقة هو تمدد النفوذ الروسي الذي يعمل بعدة مستويات استثمار التواجد في سورية، لفرض وجود عسكري وسياسي في البحر المتوسط واستثماره في بناء علاقة مزدوجة بين كل من إسرائيل وتركيا اللتين تريان أن استمرار الوجود الروسي في سورية يحد من التمدد الإيراني ويضغط بشكل غير مباشر لتهدئة حزب الله في سورية ولبنان، وترى فيه دمشق مصلحةً من أجل الحد من الطموحات الامريكية الإسرائيلية الغربية في العمل على تغيير النظام.
أما من ناحية دول الخليج، فإنها ترى أن الواقع الجديد الذي فرضته المتغيرات في الإدارة الامريكية تجعلها تعيد رسم علاقاتها التحالفية بما يخدم استمرار نظم عائلاتها، وفي هذا الإطار فإن التطبيع مع إسرائيل يندرج ضمن الخيارات التي تؤمّن استمرار حكم عائلاتهم تحت عنوان الخطر الإيراني المشترك.
أما تطوير العلاقة مع روسيا والصين فهي في إطار إحداث توازن لتخفيف الضغط الأمريكي عليها، هذا التحدي الذي ستواجهه إدارة بايدن سيجعلها تعيد نسج علاقاتها بما يحقق مصالحها وحفاظها على تحالفاتها، وإقناعها بإجراء بعض التغييرات الضرورية لإعادة إنتاج نظمها وبذات الوقت إبعاد خصومها ومحاصرة تمددهم العسكري والسياسي والاقتصادي، حتى لو تطلب ذلك تصعيداً عبر حروبٍ بالوكالة في الحدود الهشة في أوكرانيا وسورية وفنزويلا، وإبراز عنوان الإيغور.
السؤال المهم هل ستستمر موسكو والصين باستراتيجية الدفاع؟
المعطيات تؤشر إلى أنها ستنتقل إلى الهجوم الإيجابي الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري، بتعزيز تمددها في دول أمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
إن المراهنة على عقلانية موسكو سيختبر في مستوى رد موسكو على الإهانة التي وُجهت للرئيس بوتين، باتهامه بالقاتل في سابقةٍ خطيرةٍ تحصل بين القوتين العسكريتين الرئيسيتين في العالم، والتي شكّلت خروجاً عن الدبلوماسية الرئاسية، وستشكل حاجزاً من الصعب تجاوزه بين الرئيسين، ومؤشراً على تصعيدٍ أمريكيٍ أخذ منحنى خطير بسبب تصريح غير مسؤول لا يستند إلى وقائع مادية ملموسة التي طالما طالبت بها موسكو من ألمانيا، هذا التصريح الذي جاء إجابةً على سؤالٍ حول عملية الاغتيال المزعومة للناشط الروسي اليميني نافالي، في حين لم يصرح بايدن بهكذا تصريح عن عملية اغتيال مثبته بالوقائع في تقرير ال CIA حول اغتيال الصحفي خاشقجي وتقطيعه الذي أشار إلى ضلوع ولي العهد السعودي في عملية القتل، بل صرّح أن الولايات المتحدة لم يسبق لها محاسبة حاكمٍ فعليٍ لأحد حلفائها المقربين، في تأكيدٍ واضحٍ على ازدواجية المعايير القانونية والسياسية، بل أكّد حرصه على تمتين العلاقة مع النطام السعودي الذي يديره ولي العهد محمد بن سلمان.
على ما يبدو أن إدارة بايدن؛ تريد من خلال رفع وتيرة التوتر والصراع مع كلٍ من روسيا والصين، بهدف إعادة رصّ صفوف حلفائها في مواجهة التمدد الروسي الصيني.

