فجرت عملية تسريب العقارات المقدسية في بطن الهوى السلوانية الى الجمعيات الاستيطانية التهويدة فجر الخميس 2021/4/8 جملة من الاسئلة الصادمة حول ما يجري في القدس : فما هي حكاية التسريبات الخيانية للعقارات المقدسية وخاصة في منطقة سلوان للجمعيات الصهيونية التهويدية...؟! ومن هم هؤلاء المسربون الخونة ومن يقف وراءهم...؟!
فقد استيقظ أهلنا في المدينة المقدسة صباح الخميس 8/نيسان، على مفاجأة من الوزن الثقيل والمخيف، فلم يخطر ببال أحد منهم أن يستيقظ ليرى رايتين لعلم الاحتلال ترفرفان فوق بنايتين بحي بطن الهوى في بلدة سلوان المقدسيّة، ليكتشف الجميع لاحقاً أنّ عمليّة تسريبٍ لعقارات مقدسية قد تمت لصالح الجمعيات الصهيونية التهويدية، وكشف مركز معلومات وادي حلوة – القدس، أنّ ما جرى هو تسريب لثلاثة بنايات سكنية وقطعة أرض لجمعية "عطيرت كوهنيم الاستيطانية" في الحارة الوسطى في حي سلوان، أصدرت ثلاث عائلاتٍ مقدسيّة وهي: "أبو ذياب، أبو صبيح، الرشق"، بيانات تبرّأت فيها من بعض الأشخاص المحسوبين عليها بعد أن ثبت تورّطهم في عمليّة التسريب الخيانيّة.
إلى ذلك، وفي أحدث تطورات ومستجدات المشهد المقدسي وإجراءات الاحتلال التهويدية في المدينة، تحاصر سلطات الاحتلال حي الشيخ جراح للاستيلاء عليه بالكامل، كما عادت بلدية الاحتلال بقرارها لهدم حي البستان الملاصق للمسجد الأقصى بأكمله مجدداً، وذلك بعد رفضها للمخططات الهندسية وتجميد أوامر الهدم، وإلغائها كل الاتفاقيات الموقعة مع سكان الحي الفلسطينيين. ورفضت محكمة الاحتلال إعطاء تمديد بتجميد أوامر الهدم، التي وزعتها على سكان الحي مؤخرًا، وبالتالي ستقوم البلدية بعملية هدم للمنازل كافة، تمهيدًا لإقامة "حديقة وطنية توراتية- عن المركز الفلسطيني للإعلام- الخميس 11/3/2021"، واكد عضو لجنة الدفاع عن سلوان فخري أبو دياب أنّه من الواضح أنّ قرار الاحتلال بهدم حي البستان هذه المرة جاد، مبيناً أنّ هناك ضغوطاً مارسها اليمين المتطرف، وأمر البلديات والمؤسسات المعنية بالشروع في هدم الحي. فما الذي يجري إذن في سلوان المقدسية...؟!
وكيف تمت عملية التسريب الخيانية هكذا في وضح النهار...؟ وما الذي يجري في حي الشيخ جراح...؟ وما هو المخطط الخفي للاحتلال من وراء هذه الموجات المتتابعة من الهجمات على سلوان والشيخ جراح...؟ ومن يتحمل المسؤولية...؟ ولماذا سلوان والشيخ جراح في دائرة التركيز الاستيطاني التهويدي غير المسبوق...؟ ولماذا تشهد سلوان موجات لا تتوقف من اعمال الاستيطان والحفريات والتهجير للسكان...؟ ولماذا يخطط الاحتلال لإحلال أكثر من 25 ألف مستوطن في الحي قبل العام 2030...؟ وما هي تفاصيل 6280 امرا اداريا اصدرها الاحتلال في سلوان...؟!
جملة كبيرة من الأسئلة والتساؤلات على الاجندة المقدسية وعلى أجندة كل القوى والفصائل الفلسطينية...!
جذور المخطط والأهداف الخفية
وفق جملة من الوثائق والمعطيات المقدسية فلقد تمخضت العمليات الاستيطانية التي قادتها الحكومات والجمعيات والتنظيمات الإسرائيلية على مدى سنوات الاحتلال الماضية إلى إقامة سلسلة من الأحزمة – الأسيجة – الاستيطانية التي تحاصر وتطوق وتخنق المدينة المقدسة القديمة منها والجديدة.. داخل أسوارها وخارجها، ولعل أبرزها ذلك الحزام المتكون من الأحياء الاستيطانية في البلدة القديمة، الذي يحكم قبضة الاحتلال بصورة مرعبة على قدسنا العتيقة. في هذا الصدد، حذرت تقارير فلسطينية مقدسية وغيرها من تصعيد نوعي في الاستيطان اليهودي في القدس المحتلة، يستهدف تهويد البلدة القديمة بالكامل وتشديد قبضة الاحتلال على المدينة المقدسة، خاصة ما يعرف بـ "الحوض المقدس" والسفوح الشرقية المطلة على البلدة القديمة بدءاً من حي الشيخ جراح، مروراً بأحياء الصوانة، جبل الزيتون، رأس العمود، وانتهاء بالخاصرة الغربية لبلدة أبو ديس شرق المدينة المقدسة، حيث تعتزم سلطات الاحتلال بناء مستوطنه هناك تعرف باسم زكدمات نسيونس.
وأشارت التقارير إلى النقاط -الأحزمة - الأسوار الاستيطانية الاستراتيجية التي أعلنت وزارة الإسكان الإسرائيلية بالتعاون مع بلدية القدس الغربية على النحو التالي:
أولاً– الحي الاستيطاني في الشيخ جراح
يعتبر حي الشيخ جراح من أهم الأحياء الواقعة في دائرة الاستهداف الصهيوني، وهذا الحي المقدسي وعائلاته الصامدة؛ يشكّل وجودها الحيوي خطرًا حقيقيًا على مخطط الكيان الصهيوني، كما ان النواة الأساسية لهذا الحي اقيمت منذ سنوات طويلة، حين سيطر مستوطنون يهود على خمسة منازل على الأقل هناك تتاخم مقام الشيخ السعدي، والذي يطلق المتزمتون اليهود عليه اسم " قبر الصديق شمعون"، وقد حول المستوطنون احد المنازل هناك إلى كنيس يهودي ، وجرى في الاونة الأخيرة تعزيز هذه النواة الاستيطانية بإقامة نقطة حماية دائمة للمستوطنين المقيمين في الحي.
وكان وزير السياحة الصهيوني سابقاً بني الون المعروف بأنه أحد أشهر عرابي الاستيطان في الشيخ جراح، قد أوصى حسب التقرير ببناء عشرات الوحدات الاستيطانية فيه، وربطه غرباً بحي المتزمتين اليهود المعروف بـ" حي ميئة شعاريم " قبل تواصل ديموغرافي واستيطاني في المنطقة الواقعة بين الشيخ جراح " وميئا شعاريم " والمعروفة بـ " كبانية أم هارون". واستناداً لمخطط ألون، فإن الحي الاستيطاني في الشيخ جراح سيكون واحداً من سبعة عشر حياً استيطانياً صغيراً تتاخم البلدة القديمة وتشكل ما يشبه طوقاً من الاستيطان يحكم القبضة الصهيونية على القدس القديمة .
ثانياً – الحي الاستيطاني في وادي الجوز
هذا الحي يعد نقطة مهمة واستراتيجية في مخطط الطوق الاستيطاني المتاخم للقدس القديمة، حيث سيربط بين الحي الاستيطاني المقترح في الشيخ جراح، وبؤرة الاستيطان الرئيسية على جبل الزيتون والمعروفة بـ " بيت أوروت "، ويمتد هذا الحي على عشرات الدونمات بدءاً من شارع الجامعة العبرية، وانتهاءاً بـ" بين أوروت " ويشمل هذا في مراحله المختلفة بناء نحو 70 وحدة استيطانية، وقد وضع هذا المشروع أحد ابرز مهندسي بلدية القدس الغربية ويدعى " ايلان أفرات " في مستهل التسعينات من القرن الماضي ، وجمد العمل به من قبل وزير البناء والاسكان في حينه بنيامين بن اليعازر.
ومن شأن إقامة هذا الحي تعزيز التواجد الاستيطاني الديموغرافي في المنطقة، خاصة ان العمل جار لربطه بحي استيطاني آخر سيقام على سفوح جبل الزيتون يتاخم ما يعرف بـ" المقبرة اليهودية" التي لا تبعد سوى عشرات الامتار عن مستوطنة موسكوفيتش الجاري بناؤها في راس العامود.
ثالثاً – الحي الاستيطاني في رأس العامود بدأ العمل ببناء هذا الحي عام 2000، وقد تم بالفعل إنجاز بناء عشرات الوحدات الاستيطانية من اصل 132 وحدة استيطانية ستقام هناك، وقد جرى تصميمها على شكل قلاع وحصون .ولا يبعد هذا الحي عن القدس سوى 150متراً هوائياً، ويطل مباشرة على الحرم القدسي الشريف .أما نواته الرئيسية فتمثلت في ثلاثة منازل كانت استولت عليها جماعات استيطانية متطرفة تتخذ منها بعض العائلات اليهودية مساكن لها يتم الإقامة فيها بالتناوب.
ويخطط القائمون على بناء هذا الحي وعلى رأسهم المليونير الأمريكي اليهودي ايرفينغ موسكوفيتش للسيطرة على أراض ومبان تتاخم الحي الاستيطاني الجديد، بما في ذلك ناد للشبيبة الفلسطينية يقع هناك. وكشفت القناة الإسرائيلية العاشرة في نشرتها المركزية مساء يوم 08/11/2010 –على سبيل المثال أن 66 عائلة من المستوطنين انتقلت للاستيطان في 66 شقة استيطانية جديدة تم انتهاء تشييدها مرخراً دون ضجة اعلامية. وقالت القتاة العاشرة إن عائلات المستوطنين شرعت بالإنتقال للإستيطان في الحي المقدسي ليصل عدد عائلات المستوطنين التي تقطن الى 250 عائلة في 7 مناطق في الحي.
ويذكر أن مشروع إسكان المستوطنين في الحي يحظى بتمويل الميلياردير اليهودي الأميركي اوروين مسكوفيتش. ولا يبعد هذا الحيّ عن القدس القديمة سوى 150 متراً هوائياً، ويطل مباشرةً على الحرم القدسي الشريف. ويخطط القائمون على بناء هذا الحيّ للسيطرة على أراضٍ ومبانٍ تتاخم الحيّ الاستيطاني الجديد، بما في ذلك نادٍ للشبيبة الفلسطينية يقع هناك.
رابعاً – الحي الاستيطاني في سلوان
تعد المنطقة الواقعة جنوب أسوار البلدة القديمة والمعروفة بـ" حي سلوان " من أكثر المناطق استهدافاً نظراً لأهميتها التاريخية المزعومة لجماعات التطرف الاستيطاني .وخلال السنوات الماضية تمكنت هذه الجمعيات الاستيطانية من السيطرة على نحو خمسة وخمسين منزلاً في مناطق متفرقة من سلوان مثل " عين اللوزة " وعين الحلوة " وبطن الهوى وحولتها إلى بؤر استيطانية محاطة بحماية أمنية مشددة .كما تسيطر هذه الجماعات على مساحة مهمة من الحي ، وكانت شرعت خلال سنوات القليلة الماضية في تهيئة المنطقة لإعادة بناء ما تطلق عليه "مدينة داود" وهي التسمية العبرانية لحي سلوان.
وتعد هذه المنطقة قلب ما يعرف بـ" الحوض المقدس " وهي تسمية أطلقها المفاوضون الإسرائيليون في مفاوضات كامب ديفيد الأخيرة قبل ثلاث سنوات عام 2000 وأصروا في حينه على احتفاظهم بالسيطرة عليها. وكانت مخططات استيطانية عدة أعلنت في السابق لربط سلوان بالقدس القديمة، خاصة منطقة حائط البراق، منها شق نفق أسفل سور القدس يفضي إلى ساحة "البراق "، و " الحي اليهودي " المقام على أنقاض حارة الشرف، بغرض توفير الأمن والحماية للمستوطنين خلال تجوالهم وتنقلهم بين سلوان والقدس القديمة.
خامساً: الحي الاستيطاني في جبل المبكر "منظر من ذهب"
إلى الجنوب من الحي الاستيطاني في سلوان صادقت بلدية القدس الغربية خلال الأعوام الثلاث الماضية كذلك على سلسلة مخططات لتعزيز التواجد الاستيطاني في الحد الجنوبي للبلدة القديمة على السفوح الغربية لجبل المكبر، كان آخرها المصادقة على بناء حي أطلق عليه اسم " نوف زهاف " أي " منظر من ذهب " ويطل هذا الحي المقترح مباشرة على البلدة القديمة من ناحيتها الجنوبية، وهو يتصل على نحو مباشر بحي سلوان الاستيطاني، وبؤر الاستيطاني المنتشرة فيها .كما صودق على مخططات اخرى في ذات المنطقة من بينها بناء فنادق، ومطعم متحرك، وإقامة منطقة سياحية بتمويل من مستثمرين أجانب وإسرائيليين، إضافة إلى بناء عشرات الوحدات الاستيطانية لأغراض السكن .
سادساً: الحي الاستيطاني في أبو ديس
يقع هذا الحي المقترح على الخاصرة الغربية لبلدة أبو ديس و يطل مباشرة على حي سلوان وجبل المكبر، ويطلق على هذا الحي اسم " كدمات تسيون " أي " مقدمة صهيون " ويهدف الصهاينة من إقامته إلى منع أي تواصل ديموغرافي فلسطيني بين البلدة القديمة، وبلدتي أبو ديس والعيزرية، والحيلولة مستقبلاً دون وجود أي سلطة فلسطينية في تلك المنطقة .وتدعى الجمعيات الاستيطانية اليهودية ملكيتها لعشرات الدونمات في تلك المنطقة، وقد حظي مخطط إقامة هذا الحي الاستيطاني على دعم بلدية القدس الغربية، ورئيسها السابقة ايهود أولمرت .ومن شأن إقامة هذا الحي فرض وقائع جديدة في تلك المنطقة ديموغرافية وسياسية، فإقامة هذا الحي سيؤدي إلى خلق تواصل مع الأحياء الاستيطانية في رأس العامود وجبل المكبر، عدا عن كونه سيشكل جسراً يربط مستعمرة " معاليه أدوميم " بمركز البلدة القديمة، وبالتالي احكام الطوق الديموغرافي الاستيطاني على المدينة المقدسة وفرض وقائع يستحيل معها التوصل إلى أي اتفاق سياسي بشأن مستقبل القدس، فيما لو استؤنفت المفاوضات مستقبلاً .
سابعاً: أحياء الاستيطانية صغيرة داخل البلدة القديمة
وترى المصادر الفلسطينية وجود صلة بين حزام المستوطنات الصغيرة حول أسوار البلدة القديمة، وتكثيف النشاط الاستيطاني داخل الأسوار، وهي صلة تشير إلى محاولات جماعات التطرف اليهودية للسيطرة على الحرم القدسي الشريف، وإحكام الطوق الاستيطاني عليه، وتشير إلى أن منطقة باب الساهرة كانت حتى عهد قريب خالية من البؤر الاستيطانية باستثناء واحدة عند مدخل السور، وثلاث بؤر اخرى قريبة من "حارة السعدية "، وقد تمكن المستوطنون من السيطرة على ما مساحته دونمان من قطعة أرض تجاور برج اللقلق، وتتاخم منطقة الحرم القدسي الشريف من الناحية الشمالية. ومهدت سلطات الاحتلال لإقامة هذا الحي بأعمال حفر أثرية، قامت بها في تلك المنطقة تزامنت مع الإعلان عن المخطط لبناء كلية جامعية تلمودية تستوعب نحو 400 طالب، تم استبدل هذا المخطط على ما يبدو مؤخر لبناء عشرات الوحدات السكنية المقرر أن تستوعب أكثر من خمسين عائلة يهودية .وتدعى الجمعيات الاستيطانية أن قطعة الأرض المنوي إقامة الحي الاستيطاني عليها اشترتها من الكنيسة الروسية والتي كانت مملوكة لها في السابق، ومن شأن إقامة هذا الحي، مضاعفة الوجود الديمغرافي الاستيطاني داخل أسوار البلدة، حيث توجد نحو 60 بؤرة استيطانية يقطنها نحو ألف مستوطن، إضافة إلى ثلاثة آلاف مستوطن أخر يقطنون داخل ما يعرف بـ " الحي اليهودي ".
ويهدف القائمون على هذا المخطط إلى زعزعة الميزان الديموغرافي القائم في القدس القديمة، حيث تقدر أعداد المقدسيين هناك بنحو ثلاثين ألف مواطن، إضافة إلى ذلك فإن إقامة هذا الحي يمنح يسهل على جمعيات الاستيطان مهمتها في السيطرة على الحرم القدسي الشريف، عبر التحكم بالمسارات المؤدية إليه، علماً أن هذه الجمعيات تملك السيطرة شبه المطلقة في الناحيتين الجنوبية والغربية من خلال بؤر الاستيطان الستين المنتشرة في هاتين المنطقتين .
البنية التحتية للمستوطنات الجديدة
وتشير المراجع الفلسطينية أيضاً إلى أن السلطات الصهيونية وقبل الشروع في إنشاء الأحياء الاستيطانية الجديدة المقترحة، شرعت في إقامة بنية تحتية متطورة وحديثة بعضها يندرج في إطار مخطط شارون المعروف بـ" البوابات الـ 26 حول القدس ".
ويعد النفق أسفل جبل الزيتون، والذي افتتح أهم ما نفذ من بنى تحتية ستخدم بصورة كبيرة مشاريع الاستيطانية المقترحة في واد الجوز، الشيخ جراح وباب الساهرة وفي هذه الأحياء الثلاثة تحديداً بدأت بلدية القدس الغربية تنفذ سلسلة من مشاريع البنى التحتية من مياه ومجاري، تبدو للوهلة الأولى لخدمة مواطني تلك الأحياء العربية لكنها في القدس تمهد لإقامة هذه البؤر الاستيطانية الجديدة، التي يتطلب انشاؤها شبكة مياه ومجاري تربط بصورة مباشرة بالشبكة الرئيسية في القدس الغربية .ولوحظ الشيء ذاته في سلوان وجبل المكبر، حيث تنفذ البلدية مشروعات مماثلة، الهدف منها ربط الأحياء الفلسطينية من حيث شبكة الخدمات العامة بمثيلتها الإسرائيلية، والتركيز بصورة رئيسية على المواقع المنوي إقامة الأحياء الاستيطانية الجديدة عليها .
وهكذا نرى في الخلاصة المتعلقة بخطة الأحزمة الاستيطانية التي تلف حول عنق القدس العتيقة، أن أطواق وأحزمة الاستيطان القائمة والتي يجري تعزيزها حول المدينة المقدسة القديمة هي الأكثر أهمية والأشد خطورة من بين أطواق وأحزمة الاستيطانية حول القدس، سواء بمساحتها وحدودها البلدية المصطنعة أو بمساحتها وحدودها الموسعة التي تقترب من 15-20% من مساحة الضفة الغربية، وهو ما يعني عملياً على الأرض المقدسية الترابط الوثيق ما بين استكمال وإحكام "غلاف القدس " حول القدس الموسعة، وما بين أطواق وأحزمة الاستيطان الداخلية، حيث "أن استكمال الغلاف حول القدس الموسعة يتطلب بالضرورة من جانبهم إحكام القبضة على النواة ممثلة بالبلدية القديمة من القدس وتخومها المطلة عليها، والتي قد تكون توطئة لمرحلة أخرى أشد خطورة تتعلق بالسيطرة على مركز النواة وهو الحرم القدسي الشريف ".
في ضوء هذا الزخم الهائل من الخطط والمشاريع والقرارات والإجراءات الاحتلالية الإسرائيلية الرامية إلى محاصرة وعزل وتفريغ وتهويد المدينة المقدسة فإن الأسئلة الكبيرة التي تطرح نفسها، بالتالي هي: ما هو حال أهل القدس؟ وإلى أين تسير أمورهم؟ وما هو مستقبلهم في المدينة؟ وأين الدور الشامل للفلسطينيين من قوى وفصائل وجمعيات وتنظيمات ولجان في التصدي لكافة مخططات الاحتلال...؟! وأين دور العرب هنا في التصدي لمشاريع التهويد المحمومة...؟
لعلنا نؤكد بادئ ذي بدء على أصالة وانتمائية ومقاومة وصمود أهل القدس أمام الهجمات والحملات الإسرائيلية المتلاحقة التي وصفت أكثر من مره بأنها حرب حقيقية ضد الفلسطينيين. فالمقادسة صامدون باقون بإرادة وعزيمة صلبة تتحدى كافة مشاريع وإجراءات وهجمات الاحتلال فلم يألوا المقادسة جهداً إلا وبذلوه ولم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها، ولم يجدوا شكلاً للمقاومة إلا وطبقوه ضد الاحتلال على مدى سنوات الاحتلال الماضية، فعرفت القدس كل أشكال المقاومة والصمود في وجه الاحتلال، فشاهدنا المقاومة المسلحة بالقنابل والمتفجرات والرصاص وشاهدنا الانتفاضة الباسلة في القدس بكل أشكالها من مسيرات ومظاهرات واعتصامات إلى إضرابات إلى صدامات ومواجهات.. وإلخ.
ربما تلخص الفقرة التالية مسألة صمود القدس وهي جزء من تقرير فلسطيني شامل حول القدس:
" تتحدى إرادة المقدسيين في الدفاع عن مدينتهم ومقاومة إجراءات الاحتلال العنصري الإسرائيلي، وتتخذ هذه المقاومة أشكالا عدة كالبناء دون تراخيص، والسكن في البيوت المتصدعة دون خدمات ومرافق، والتسلل عبر الحواجز، ودعم ومؤازرة المؤسسات المقدسية، والتصدي لإجراءات الاحتلال المعرقلة لخدمات المؤسسات، وتنظيم المهرجانات، والفعاليات الجماهيرية بمستوياتها المختلفة، وكذلك المؤتمرات والندوات". وهناك عشرات الاتحادات والنقابات والنوادي واللجان والجمعيات العاملة على الساحة المقدسية في مختلف التخصصات يتلخص دورها في تخفيف المعاناة وتعزيز صمود وثبات المواطن المقدسي في مدينته، رغم قلة الدعم المادي".
ورغم الأوضاع الحياتية الصعبة وتدني مستوى معيشتهم وأجورهم وطول ساعات عملهم، إلا أن التقرير يؤكد أن حرس المدينة المقدسة يشكلون الدرع الحصين والعين الساهرة لحماية زوايا وأبواب وأسوار ومداخل ومخارج الحرم الشريف، مما يضعهم في مواجهة يومية مع المستوطنين.
وحالت يقظة الحرس والسدنة في صد وإفشال المخططات الخطيرة التي كانت تهدف إلى اقتحامه، بل نسفه وتدميره عن طريق التسلل عبر الأسوار أو نصب صواريخ على الأسطح المطلة عليه، وسقط العديد من السدنة والحراس شهداء وجرحى في معركتهم المتواصلة لحماية الأقصى، كما يتعرضون للاعتقال والملاحقة اليومية من قبل قوات الشرطة والجيش الذي في ساحاته.
ويقول التقرير "بينما حسابات وأرصدة الجماعات الاستيطانية المتطرفة في البنوك الإسرائيلية والأمريكية في تضخم مستمر وصناديق التبرعات العائدة لها تنتشر في جميع أنحاء العالم، فإن مدينة القدس ومواطنوها يعانون من شح الإمكانات المادية".
ويخلص التقرير إلى القول "أن مشكلة القدس ليست مادية فحسب كما أنها ليست أرضا تصادر أو عقارات تستوطن أو أماكن دينية مقدسة تنتهك، بل هي التاريخ والتراث والدين والحضارة، وهي مسألة عربية بالاستناد إلى قوة الحق العربي والبعد العالمي فيها، مما يتطلب من الأمتين العربية والإسلامية ودول العالم بأسره تخليص القدس من الاحتلال "(52(.
الخلاصة
استناداً إلى جملة كبيرة من الدراسات والأبحاث والتقديرات الفلسطينية، فإن ما يجري على أرض المدينة المقدسة صراع حقيقي ضار ومحموم ليس حول الأرض والمساحات والعقارات والاستيطان والميزان الديموغرافي فقط، وإنما حول ما يترتب على ذلك في مسألة الهوية والسيادة والمستقبل، وكما جاء في التقرير الفلسطيني سابق الذكر فإن "المشكلة هي التاريخ والتراث والدين والحضارة والواضح الملموس أن سلطات الاحتلال توظف كل طاقاتها وإمكاناتها وأجهزتها وأدواتها وتنظيماتها المحتلة وصلاحياتها الإدارية والسياسية والعسكرية والأمنية في خوض هذه الحرب الدائرة في القدس حول هويتها والسيادة عليها، وكما أعلنت مصادر فلسطينية فإن خطة القدس عنصرية وهي بمثابة حرب ضد الفلسطينيين في القدس .
إذن المسألة في الجوهر: حرب حقيقية على الهوية والسيادة والمستقبل بالنسبة للمدينة المقدسة، تدور رحاها تحت سمع وبصر وصمت العالم، طرفها الأول دولة الاحتلال الغاشمة التي تطبق على أرض القدس حرب تطهير عنصري عرقي سافر ضد الفلسطينيين، وطرفها الثاني أهل القدس الصامدون المقاومون المسلحون بالإرادة والإيمان بالحق والقدرة على الصمود، وليس من شك أن هذا الملف: ملف الهوية والسيادة والمستقبل مفتوح على كل الاحتمالات. فما هي المعطيات والمواقف والأفكار والسيناريوهات المختلفة لمستقبل المدينة المقدسة…؟ ومتى يحين دور الأمة والدول والجامعة العربية في الدفاع عن القدس…؟ بل ومتى تستيقظ وتنتفض وتتحرك هذه الأمة من أجل التصدي ووقف بلدوزر التهويد أولاً، ومن أجل تحرير المدينة المقدسة من براثن الصهينة ثانياً…؟!

