أعتقد أن من يريد فهم لماذا قامت بعض الدول العربية بالتطبيع مع دولة إسرائيل عليه الإجابة على الأسئلة التالية:
1- ما الذي تغير في المنطقة لتخرج دولا عربية علنا وتعقد صفقات التطبيع مع إسرائيل بعد أن كانت علاقاتهم سرية وتحت الطاولة؟
2- ما هي مضار هذا التطبيع على المنطقة العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة؟
3- كيف يمكن أن نواجه دول التطبيع بشكل موحد وما خطة العمل لهذه المهمة المركزية؟
بعد انتخاب ترامب في نوفمبر خلفا للراحل أوباما أعلن في ديسمبر شهر(12) من عام 2017، أنه سوف يتم نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس ، وراقب ردات الفعل في العالم العربي، حيث أنها كانت بمثابة جس نبض للشارع العربي، ولم تكن بالمستوى المطلوب. وبالفعل نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس بعد إقفال القنصلية الأمريكية في القدس التي تابعت سابقا العلاقات مع السلطة الفلسطينية حتى منتصف عام 2019، وتم إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وقطعت المساعدات الأمريكية عن وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) التي تقدر بـ (378) مليون دولارا.
وخرج علينا وزير الخارجية في عهد ترامب بومبيو ليقول أن الاستيطان شرعي، ليس فقط في الضفة الفلسطينية، بل حتى في الجولان السوري، وبذلك تم التنكر من قبل الإدارة الامريكية لقرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن، والتي تعتبر الضفة والقدس و غزة أراضي محتلة منذ عام 1967 وأدارت ظهرها للقرار(2334 )، الذي صدر عام 2017 من مجلس الأمن الدولي، والتي امتنعت الحكومة الامريكية آنذاك عن التصويت ضده، حيث أدان الاستيطان الإسرائيلي واعتبر أن الأراضي الفلسطينية كما ورد سابقا هي أراضي محتلة ولا يجوز الاستيطان فيها، إلى جانب كل هذه الممارسات الخارجة عن كافة قرارات الشرعية الدولية، وتابعت الإدارة الأمريكية استفزازها بالمطالبة؛ تعريف من هو اللاجئ الفلسطيني، وحصره بمن ولد فقط قبل النكبة عام ١٩٤٨، وبذلك إسقاط حق العودة عن 6.5 مليون لاجئ فلسطيني.
وأتى قرار الكنيست الإسرائيلي في شهر تموز 2018، ليطلق الطلقة الأخيرة على الحقوق الوطنية الفلسطيني بإقراره قانون يهودية الدولة العنصري، هذا القانون العنصري يؤكد على أن حق تقرير المصير فقط لليهود دون غيرهم، وانكار الوجود الفلسطيني، وإلغاء اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في "إسرائيل"، ويطرح بوضوح الطموح الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل الكبرى اليهودية في كل فلسطين، وبذلك اكتمل المخطط الأمريكي- الإسرائيلي لشطب الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ فلا حق عودة للاجئين الفلسطينيين، وشطبت القدس كعاصمة للشعب الفلسطيني، ولا دولة مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967.
وأتى إعلان الرئيس الراحل ترامب في 28\1\2020، حول صفقة القرن، أو أدق خطة ترامب- نتنياهو، لتنهي كافة الشكوك أن هذه الصفقة تريد شطب الحقوق الوطنية الفلسطينية كاملة وتجميع الفلسطينيين في معازل بعد أن صادقت أيضا حكومة نتنياهو- غانتس في 17\5\2020 على ضم 30% من مناطق الضفة الفلسطينية، أي تحويل الشعب الفلسطيني إلى هنود حمر، ليشابه ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية ضد الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، بتصفيتهم، وزج من بقي منهم في معازل سكنية. إذن اصطدم المشروع الذي بات يعرف بصفقة القرن أو أدق مشروع ترامب- نتنياهو بالرفض الجامع، والمطلق من الشعب الفلسطيني وممثليه السياسيين وإعلانهم اتخاذ كافة الخطوات لإسقاط هذا المشروع التصفوي للحقوق الوطنية الفلسطينية.
أما ما يخص الجانب الرسمي العربي، فظهر واضحا عدم تماسكه ودفاعه عن القضية المركزية الأولى للعرب، ألا وهي قضية فلسطين، وتراكضوا لحضور اللقاء الاقتصادي في البحرين عام 2019 لسماع كوشنير وهو يتحدث عن ما يسمى الازدهار والرخاء الاقتصادي الذي سيحل في المنطقة إذا تمت الموافقة على خطة ترامب نتنياهو بشقيها الفلسطيني والعربي.
وفي أكتوبر من عام 2020 تم التوقيع على ما يسمى معاهدة إبراهام بين إسرائيل والإمارات والبحرين وبرعاية أمريكية منفردة ومباشرة وتبعها بالتوالي السودان والمغرب. إن تسمية الاتفاق إبراهام لهو دليل على محاولة لفت أنظار الجميع، بأننا عائلة واحدة وتحت شعار "إن جنحوا للسلم فاجنحوا له"، هذا السلم المبني على أساس الاعتراف بالرواية اليهودية وتثبيت أحقيتها بالأرض الفلسطينية، المبنية على دعم المحتل والغاصب، والذي يسرق الأرض الفلسطينية ويعتقل ويقتل ويعذب المناضلين والمناضلات الفلسطينيين.
إذن الذي تغير في المنطقة هو انتقال دولا عربية من موقع الداعم (ولو لفظيا) للحقوق الفلسطينية إلى الداعم لإسرائيل الدولة المحتلة للشعب والأرض الفلسطينية، والأسباب التي أدت إلى ذلك متعددة نذكر منها:
- الانقسام الفلسطيني الداخلي بين طرفي الانقسام فتح وحماس.
- الوضع العربي المتحارب والمنقسم على ذاته، عدوان على سوريا اليمن العراق وليبيا... الخ.
- النظام الرسمي العربي مهلهلا ومهرولا نحو التطبيع.
و الدليل على ذلك – انعقاد جامعة الدول العربية بعد اتفاق الإمارات والبحرين مع إسرائيل ولم تتم إدانة هذا التطبيع، وبذلك تم الخروج عن قرارات الإجماع العربي وتم اعتبار هذا التطبيع هو شأن داخلي لأي دولة عربية، وبذلك فتحوا الطريق لدول أخرى ما زالت خجولة بإعلانها أنها تود السلام مع الدولة الصهيونية.
طبعا في هذا المجال علينا أن لا ننسى أنه تم دفع ثمنا لهذه الدول المطبعة، مثلا الإمارات ستأخذ طائرات مقاتلة حديثة من طراز F38 ، السعودية عرابة التطبيع سوف تأخذ أسلحة لتحارب اليمن، السودان إزالته عن قائمة الإرهاب، المغرب إهدائه الصحراء الغربية ضاربين بعرض الحائط مرة أخرى بقرارات هيئة الأمم المتحدة بحق الشعوب بتقرير المصير وبالموقف الأمريكي نفسه الذي تحول لصالح المغرب، هذه السياسة الأمريكية التي استطاعت كسر الإجماع الرسمي العربي والخروج عن قرارات الشرعية والقوانين الدولية، ونجحت بتشكيل محور عدواني وتحالف بين إسرائيل والدول الرجعية العربية بقيادة أمريكية، وذلك لفرض الهيمنة الأمريكية في منطقة الخليج لنهب ثرواته من غاز وبترول تحت شعار محاربة عدو وهمي اسمه إيران؛ وظيفة هذا الحلف العدواني هو ضرب حركات التحرر والاستقلال والديمقراطية والمقاومة، وكل من يرفض مشاريع الهيمنة هذه، وخاصة الحركة الوطنية الفلسطينية، إذن هذه هي مضار التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني.
إننا لسنا أمام مجرد خطوات تطبيعية بين بعض الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، بل نحن أمام معادلات سياسية وجيو سياسية جديدة من شأنها أن تعيد صياغة المفاهيم والقيم – العدو يصبح صديقا والصديق عدوا – وأن تعيد صياغة النظام السياسي العربي، ليقف بمعظمه إلى جانب مشاريع التحالف مع واشنطن وتل أبيب، وفك ارتباطه بالقضية الفلسطينية، وبقضايا شعوب المنطقة، لصالح جماعة أنظمة التطبيع من مخاطر المستقبل. إذن ما هو المطلوب الآن؟
المطلوب المباشرة ببناء جبهة مقاومة عربية وعالمية، تتمثل فيها شعوبنا العربية، بقواها الوطنية والقومية والديمقراطية واليسارية، وفي مقدمة هذه القوى حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي ما زالت في قلب المعركة وعليها القيام بإلغاء الاتفاقات مع الاحتلال الإسرائيلي والخروج من مستنقع أوسلو والتحرر من قيوده، وسحب الاعتراف بدولة الاحتلال، وذلك (حتى تعطي المثل للدول والشعوب التي تود الالتحاق بالتطبيع) وفك الارتباط الاقتصادي معها، ووقف التنسيق الأمني سيىء الصيت مع دولة العدو التي لا يمكن التحرر من قيودها وسطوتها إلا بالمقاومة الشعبية الشاملة بكل الأساليب المتوفرة، وفي إطار جبهة وطنية موحدة لشعب ل فلسطين تنهي الانقسام البغيض، وتضع حدا للرهان على الحلول الأمريكية السابقة واللاحقة ومواجهة سياسات الاحتلال عبر إستراتيجية فلسطينية موحدة؛ مؤسسة لشراكة وطنية شاملة بإنجاح إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، والتجديد الديمقراطي لبنية المؤسسة الوطنية.
إضافة إلى ذلك ندعو إلى دعم حركة المقاطعة الدولية(BDS) لإسرائيل على كافة المستويات، وتفعيل سلاح القانون الدولي لمحاكمة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها بحق شعبنا وشعوب المنطقة وإصرار العالم.
معا لبناء جبهة عالمية لمواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي الرجعي العربي الذي يعرّض أمن والاستقرار في العالم للخطر .
ولنردد معا، بالوحدة والمقاومة ننتصر ونهزم العدوان.. ونسقط الأحلاف الجديدة والمطبعين.. وعلى إيقاع متحدون ضد التطبيع – متحدون من أجل فلسطين متحدون من أجل سيادة وحرية شعوبنا العربية.
* مداخلة قدمت في الندوة الرقمية التي نظمها النهج الديمقراطي تحت عنوان "التطبيع من وجهة نظر التقدميين الفلسطينيين".
* نشرت في جريدة النهج الديمقراطي المغربي العدد (403)

