Menu

عن الإبراهيمية "صَهْرُ الإسلام والمسيحية"

وليد عبد الرحيم

نُشر هذا المقال في العدد 24 من مجلة الهدف الإلكترونية

يستحق الأمر التنبه للأصل قبل الفرع، أي استكمال بناء الدين -الدولة- الكيان السياسي بالتوفيقية التوافقية الدينية؛ العلاقة في ذلك تكاملية إنسانية ظاهرياً من حيث الدين؛ عضوية من حيث السياسة، هكذا تكون المعادلة: كيان غير مشروع + أنظمة بلا شرعية + مسح فقه ذاكرة وتاريخ= شرعية واقعية للا شرعي.

بداية يستحضر التساؤل ذاته: ما هي الإبراهيمية؟

التسمية المصطلحية منسوبة كما هو جلي لأبي الأنبياء "إبراهيم"، أي بمعنى آخر للعقيدة "التوحيدية"- الديانات التي تؤمن بالإله الواحد الذي لا شريك له، وهذا بلا شك جميل المعنى شكلانياً ويلقى قابلية متفاوتة المستوى لدى المتدينين كافة، بل وحتى من غير المتدينين ومن البسطاء بخاصة في منطقة " الشرق الأوسط"، إلا أن استحضار المسألة هنا ليست ذات مآلٍ تقاربي، أو توحيداً للتوحيدية، بل ما يتم الحديث عنه هو ديانة "مودرن" جديدة ومبتكرة بكل ما للكلمة من دلالة، فمن المعلوم مسبقاً أن المسلمين والمسيحيين لن يقبلوا بأنبياء جدد أو معتقدات جديدة، لذلك كان لا بد من المواربة في المأرب- من خلال التسمية وضخ مجموعة مواربات محترفة أخرى في وسائل الإعلام، وبناءً على هذا فقد تم إنشاء مراكز بحوث ودراسات وضخ ترويج إعلامي وسياسي بتمويلات ضخمة بكل ما للكلمة من دلالات – منها البنك الدولي وأعضاء في الكونغرس ورؤساء دول ومؤسسات ...-. هذه المراكز تتواجد اليوم بالعشرات تحت سقف رعاية تمويلي عالٍ متنوع العناوين واللغات والصيغ، وفي الوقت عينه فهي مركزية القرار، وتنتشر في مختلف أنحاء العالم، بعضها بمقرات سرية وأسماء وهمية، والآخر علني تماماً أو نصف علني!

لنعد إلى أسّ الفكرة، قبل نحو مئة عام، وتمهيداً لما قبل وبعد سيطرة العصابات الصهيونية على فلسطين بدعمٍ محلي وعالمي منقطع المثيل، حيث وظفت بريطانيا والوكالة اليهودية ولحقت بهما الولايات المتحدة بعد حين أصولياتٍ "إسلامية" بهدف إعادة تحويل وحرف الشريعة والمفاهيم والتفسيرات، أسوة بما أنجز بخصوص المسيحية سابقاً، وبالتالي خلق مذهب بروتستانتي "متأسلم" على غرار ما حدث في أوروبا سابقاً، هكذا نشأت في المنطقة حركات متأسلمة على يد المخابرات البريطانية مباشرة أو بشكل غير مباشر، ولهذا شاعت الحركات المتأسلمة في المناطق التي كانت تحتلها بريطانيا آنذاك، ك مصر وفلسطين وشرق الأردن والخليج العربي، وذلك بهدف "تشذيب الإسلام" وإبعاد العقيدة عن التطرف والتمهيد لقبول العصابات الإرهابية الصهيونية باعتبارها "مؤمنة أولاً وأخيراً" وبوصفها من " أهل الكتاب"، ولهذا ناصبت هذه الحركات العداء للفكر الشيوعي التحرري، ليس بسبب إيمانه أو عدمه، بل بسبب رفضه للهيمنة الاستعمارية والإمبريالية والصهيونية، واتهمته هذه الحركات بالكفر والإلحاد، وحاربته وحاربت إلى جانبه الفكر القومي – على الرغم من تبنيه للإسلام - وأحزابه في حين هي لم تحارب الصهيونية، بل اعتبرت اليهود من "أهل الكتاب والتوحيد" كما في أدبيات كثيرة للإخوان المسلمين الذين حرّموا "قتال أهل الكتاب والمقصود هنا اليهود"، في حين تم ضخ العداء للمسيحيين العرب والفلسطينيين تحديداً لفصل المجتمع عن ذاته.

 هذا ما جرى همساً وفي العديد من خطبهم ودروسهم، أي أنه في الوقت ذاته جُعل من المسيحية عدوٌ – المسيحية العربية لا البروتستانتية الصهيونية في جوهرها-! وبخصوص المسيحية فقد تواطأ بابا الفاتيكان "الكاثوليكي" في العقود الاخيرة على العقيدة الأصولية والتاريخ المسيحيين حين برأ اليهود من دم المسيح.

أولاً، يجب إيضاح مسألة مهمة، هل اليهود توحيديون، أي يؤمنون بإله واحد هو الله تعالى عزوجل، إله الأنبياء جميعاً؟

إله اليهود هو يهوه، وهو ليس الله تعالى وليس إله إبراهيم الأصل، وهو ما يرد في التوراة المتداول حالياً ذاته... يهوه في الأصل هو إله متخيل بدائي، وثن كنعاني سائد في ثقافة وتجمعات فلسطين القديمة- ما قبل التاريخ- تحول مع الزمن والمخيلة إلى محارب فذٍّ حامٍ لقبيلة بني إسرائيل- يعقوب ثم إلى محارب إلهي"، أي قائد محارب ينتمي" للجيش السماوي" أسوة بالمعتقدات الأساطيرية السائدة آنذاك، وعمل ضد أعداء قبيلة إسرائيل، ليتطور فيما بعد عبر الزمن والإضافات الشفهية والمخيلة الأساطيرية ويصبح الإله الرئيسي في "مملكة إسرائيل ويهوذا"، هذا بحسب التوراة والتلمود، وبمرور الزمن ولمسايرة التطور الزمني، تحول يهوه إلى إله كوني، وصار يمتلك كلّ الصفات الإيجابية التي نسبت سابقاً إلى الله تعالى ربِّ إبراهيم.

هذا يفضي إلى مسألةٍ مهمة، هي أن اليهودية لها إلهها الخاص، وفي القرآن الكريم ما يبين ذلك، أهمه أن القرآن يفرق بجلاء ما بين اليهود وبني إسرائيل وأصحاب السبت "وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء" سورة المائدة: 64.

وقالت اليهود: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [سورة آل عمران: 181. وقالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ سورة التوبة:30، إلى قوله سبحانه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه [الممتحنة: 4.

إلى قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82

النص القرآني واضح بخصوص تناقض العقيدة اليهودية مع إيمان إبراهيم عليه السلام، على الرغم من هذه المقدمة الدينية إلا أن الأمر هنا لا علاقة له بالديانات أو العقائد، ولا علاقة له في الواقع لا بالأنبياء ولا الكتب السماوية أو التاريخية.

سوف ترشدنا قراءة تحليلية بسيطة لذلك، فلقد وقعت الحركة الصهيونية بمأزق وجودي كبير، فباستثناء القدرة على استخدام الدعم العالمي، والقوة والإرهاب والتهجير والاعتقال فشلت في أهم ركائز وجودها، وأهمها كان محو الهوية الفلسطينية وقبولها من قبل شعوب المنطقة، وذلك الفشل الواضح تم بفعل الوعي العالي للفلسطينيين ومعهم الشعوب العربية، واستمرارهم بالنضال والتمسك بثقافتهم وهويتهم وانتمائهم لوطنهم.

يعلم العالم كله اليوم بأنه حتى بعد قرن كامل، وحتى بالنسبة لمن ولدوا عقب ما بعد غياب الجيل الذي هُجر من فلسطين طفلاً أو يافعاً، لم ينسَ الفلسطينيون لا في الداخل ولا الخارج؛ قراهم ومعالمها وأسماءها بما فيها التي دمرتها العصابات الصهيونية تماماً في فلسطين، ولم تفتر قوة عزيمتهم للعودة والتحرير، على الرغم من استنفار أقوى الدول والمنظمات العالمية لتحقيق ذلك، كما فشلت الصهيونية وعملاؤها من الأنظمة العربية في مشروع شيطنة الشخصية الفلسطينية في مخيلة الإنسان العربي، وما زالت الشعوب العربية غير قابلة لهذه الخديعة.

من ناحية أهم، لم تستطع الصهيونية وحكومتها وكيانها إقناع اليهود أنفسهم الذين جلبتهم من كل بقاع الأرض بأن البلاد بلادهم، وهو ما يعبرون عنه يومياً ويزداد باضطراد؛ يعرف كل فرد عن ذاته بأنه روسي، بولندي، مغربي إلخ... كل ما تستطيع اليوم إقناعهم به هو "أننا أقوياء وقادرون على البطش واستخدام القوة"، وهؤلاء الحكام عملاؤنا وكما ترون فإننا حالياً نجبرهم على الاعتراف العلني بأننا من نصبناهم ونجبرهم قسراً على جعل العلاقة علنية تحت اسم التطبيع.

لم يعد لدى الصهيونية إذن سوى خلق الإبراهيمية من عدم! وهذا يعني محاولة أخيرة لمنع بدء تفكك النظرية الصهيونية، في الوقت عينه، يسأل كل يهودي مهاجر في أرض فلسطين اليوم نفسه: إذا كان الرب يهوه قد منحنا فلسطين في الكتب فلم كل هذا القلق والأسلحة والاهتمام بالجيش؟ والسؤال الأخطر الذي جلب اليأس: لماذا فشلنا في سحق أو تذويب الفلسطينيين إذن؟!

وعلى ذلك، يتم الحديث في الكيان اليوم ليس عن القدرة على الاستمرار، بل السؤال المخيف: هل سنبقى في أرض فلسطين عشر سنوات، عشرين، خمسين...؟ هكذا يجري جوهر النقاش حول المستقبل، وهو ما عبّرت عنه عشرات التصريحات والكتابات، حتى أنه في لحظة ولادة امرأة روسية يهودية في تل أبيب؛ تسأل خلال تسجيل: ترى هل سيكون ابني هنا حين يشب أم لن يكون هناك إسرائيل؟

تدرك الصهيونية عجزها عن الاستمرار، وتعلم جيداً كما تبين الدراسات بأن عمر الكيان محدود مهما طال أو قصر، لهذا لا بد من استدراك الأمر كيفما كان ولو جزئياً، من هنا ولدت فكرة الإبراهيمية، ولدها الخوف من القادم- المستقبل.

من ناحية أخرى، فقد فشلت مراراً الحركات المتأسلمة في وضع اليهودية الصهيونية في سدة عرش المؤمنين، ليتم بعدها دعم وتمويل القوى المتطرفة والإرهابية كما حدث في عدة بلدان عربية خلال السنوات العشرة الأخيرة، كما تم حشد أنظمة عدة لتسهيل ذلك وخلط أوراق المفاهيم والفعل الثوري التحرري، وذلك بدوره فشل كما يبدو جلياً اليوم، لنقل مبدئياً بأنه تراجع بشكل كبير وانحسر دوره.

كما حدث في أوروبا خلال القرون الوسطى وحتى اليوم بخصوص تدمير العقيدة المسيحية الحقيقية، وبناء عقيدة بديلة، يحدث وسيحدث اليوم تجاه العقيدة الإسلامية، وسيتم خلق "شهود يهوه إسلامية" على غرار تلك التي تنتشر في الغرب بقوة، وها هي قد بدأت بذورها بل مقدماتها الواضحة، من خلال منافقي شيوخ الأنظمة والحركات الإسلامية المرتبطة، فهذا يقول بأخوة اليهود، وعداوة الفلسطينيين، وذاك يسرد بلاد الشام فيضيف لها "إسرائيل" كدولة خامسة، ووو... وهناك من يروج حرفياً: "على الرغم من أنه من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، لأن الدين عند الله الإسلام، إلا أنه يطرح هذه الأيام مصطلح (الديانة الإبراهيمية) لتشمل كلاً من الإسلام والمسيحية واليهودية.. ولعله نفس مصطلح (الديانات السماوية) والتي جاء بها الأنبياء: محمد بن عبدالله وعيسى بن مريم وموسى بن عمران سلام الله عليهم أجمعين لتشمل كتبهم القرآن والإنجيل والتوراة: "وإن كلاً من الأديان والأنبياء وكتبهم السماوية من نور واحد، فالله نور السماوات والأرض.. نعم إنها من سراج واحد"، وإن عدداً من المشتركات بين الكل هي: الإيمان بالله وحده والإيمان بالميعاد والتمسك بالأعمال الصالحة واحترام الأديان فيما بينها.. "إذن فلا تناقض بين أن يكون الدين عند الله الإسلام وبين وحدة الأديان تحت راية لا إله إلا الله.."

كما قامت الإمارات ببناء معبد الديانات الإبراهيمية الثلاث، الإسلام والمسيحية واليهودية، في أبو ظبي، وسيتم افتتاحه في العام المقبل. وقال مسؤولون إماراتيون عدة إن هذا المجمع الديني سيصبح مكاناً للتعلم والحوار والعبادة، وسيركز على التقريب بين الناس من جميع الأديان، كما قدمت السفارة الإماراتية رسالة شكر للمتحف اليهودي ومركز التسامح بموسكو، لإتاحته الفرصة لإقامة فعالية بمناسبة اليوم العالمي للأخوة الإنسانية، الذي أنشأته الأمم المتحدة بمبادرة من الإمارات (المصدر: وكالة نوفوستي).

واللافت في ذلك، أن من يقوم بقيادة دفة الإبراهيمية سياسيون، وليسوا علماء دين أو شيوخ نفاق على الرغم من مشاركة العديد من شيوخ الأنظمة بذلك؛ فشيوخ الأنظمة تدعم الإبراهيمية بوضوح، وشيوخ آخرون مستقلون يرفضونها باعتبارها لعبة صهيونية جديدة والغالبية شياطين خرس.

بالنتيجة المستخلصة من ذلك، فكما بدأت الصهيونية بحرف المسيحية، ثم بظلم اليهود وتوريطهم في الذهاب إلى فلسطين، وساعدت على ارتكاب المجازر ضدهم، وتفعيل النصوص الدينية العنصرية البائدة وإضافة نصوص جديدة عند الحاجة، فهي تدرك الآن بأنه يجب الدخول في مرحلة العناية المركزة لتأخير الموت المحتم، لذا فإن التطبيع لا يكفي، والإبراهيمية قد تكون مساعدة في تأخير الانهيار ولها في المنافقين أسوة حسنة، لقدرتهم على نخر الدين الإسلامي والمسيحي من الداخل وسحقهما وصهرهما في خدمة اليهودية، في حين يبقى هناك وهم دائم يتلخص بـ "شعب الله المختار" وتبقى العنصرية والاحتلال ما أمكن.