Menu

ليست التسمية هي المهم

صادق الشافعي

الشباب المنتفض تجاوز عقد الساسة

لماذا انشغال الكتاب والمحللين وبعض المسؤولين في تسمية ما يجري في طول بلادنا وعرضها مبتدئاً بحجر رحاها وقدس أقداسها وعاصمتها، قدسنا:
هي انتفاضة - هي مقدمات انتفاضة - هي إرهاصات انتفاضة- هي تمتلك كل مقومات الانتفاضة- هي لا تملك الحاضنة الشعبية والظرف الموضوعي- هي لا تملك قيادتها الموحدة- يجب ان تدمي العدو – يجب ان لا تنجر الى مربع العنف الذي يريده العدو.
ما فائدة هذا الانشغال التوصيفي وما قيمته، وما هي ضرورته والشباب في كل ساحات وشوارع مدن فلسطين بأيديها الخالية من كل سلاح وأجسادها العارية من اي واقيات وبشعاع إرادة وأمل يشع من العيون بعد ان اعتمر الصدور والقلوب، تتخطى الجدل ومعه جغرافيا الاحتلال، تصنع الحدث، تخوض مواجهاته الدموية ببطولة نادرة، تفرض وتيرته وإيقاعه وتعطيه محتواه، وتشق له مجرى تطوره وصيرورته.
ما فائدة هذا الانشغال التوصيفي وقيمته وضروراته والشباب يفرضون أداءهم بحيوية الشباب وعنفوانه متخففين من حكمة ووقار الشيوخ وبطء قراراتهم.
وما فائدة الانشغال، والشباب يعتمدون بدرجة كلية تقريبا على المبادرات الذاتية الخلاقة دونما التفات الى التنظيمات ومواقفها ورؤاها واتفاقاتها ومشاحناتها، ودونما انتظار لقراراتها وتكليفاتها؟ لا شيء يمنع التنظيمات وتعبيراتها السياسية وقوى المجتمع المدني المنظمة ( بالذات الاتحادات الشعبية) ان تلحق بحركة الشباب وتتبناها وتضع خبرتها وإمكاناتها وعلاقاتها في تصرفها، سواء قام بذلك كلّ على انفراد او تمّ بشكل جماعي وموحد، فذلك يكون يوم المنى. 
 لماذا لا نتقبل الأمر ونتعامل معه كما هو بدون محاولة حشره في تعريف معين.
لماذا لا نرى الأمر على انه، ببساطة شديدة، زفرة قهر وغضب لكل الناس  لم تعد الصدور قادرة على استمرار حبسها بداخلها. زفرة قهر وغضب حان أوان انطلاقها ضد استمرار الاحتلال وضد كل أشكال قمعه وتعديه على الحياة نفسها وعلى المعايش والمقدسات والحريات والكرامات التي يتفنن الاحتلال في تنويع أشكالها والتجديد فيها باستمرار.
ومن اقدر من الشباب على إطلاق هذه الزفرة بدون قيود وبدون رتوش، فهم لم يمتلكوا بعد خبرة تدوير الزوايا حسب موازين القوى، ودوزنة زفرتهم وزفرة الناس على مقاس الظروف الموضوعية، وهم ما زالوا متحررين من حسابات لقمة العيش وراتب آخر الشهر واجرة السكن ومصاريف مدارس الأولاد.
 لماذا لا تكون لنا الثقة بقدرة الشباب على تولي الأمر، وبقدرتهم على تطوير تجربتهم وأدائهم في مسار معارك المواجهة التي يقودونها وما تأتي به وتفرضه من متغيرات، ونثق بقدرتهم على اتخاذ القرار السليم في هذه المواجهات. 
لماذا لا نرى في ما يحصل شكلا راقيا وهاما جدا من أشكال المقاومة الشعبية، السلمية في طابعها الأساسي، حتى ولو تخللها بعض الأشكال العنفية التي تفرضها وحشية ودموية تعديات العدو وسرعة لجوئه الى العنف والسلاح بشكل واسع وسريع ومتعمد.
 ان ما يحصل بتفاصيله اليومية واستمراريته يسهم بشكل رئيس في  بناء رأي عام دولي، يفضح دولة العدو ويؤثر في مواقف القوى والهيئات الدولية بشكل لا يقل، وربما يفوق، حركة السياسة والدبلوماسية وحركة التضامن وحركة المقاطعة، ويتكامل معها بالتأكيد.
نعم، هذه حركة مباركة يخوضها الناس بكل ألوانهم وأجناسهم وأعمارهم وبقيادة شبابهم، تتطلب الدعم بكل أشكاله من كل الناس في كل اراضي الوطن التاريخي وخارجه.
في أولويات وبدايات الدعم تأتي أولوية أبعاد الحركة، بتجرد وإخلاص، عن حال المشاحنات والخلافات والمزايدات والانقسام التي نعيشها منذ سنين، ولتكن هذه الحركة المباركة مشجعا على الخروج من هذا الحال والبحث عن المشتركات وهي كثيرة ومعروفة.
 ونعم، هذه حركة يمكن البناء عاليا عليها في تطوير نضالنا الوطني ومقاومتنا على كل المستويات بشكل متصاعد ومتكامل الأشكال، ومتواصل ومستمر، لا ينحصر في مناسبة ولا يقتصر على فترة او ظروف معينة.
لا شيء يمنع التنظيمات من رمي ثقلها بالكامل وراء هذه الحركة.
 لماذا لا تبادر الى تشكيل قيادة موحدة للحركة تتسع، الى جانبها، للرموز المعبرة عن الحركة أولا، وللخبرات النضالية والكفاءات والهيئات المجتمعية. ولماذا لا تضع لها برنامجها وتوجهاتها الأساسية وتحدد وتنسق فعالياتها بعيدا عن أنانية حسابات الحجوم والمحاصصة، واختلاف المنهجيات والبرامج والتوجهات.
لا شيء يمنع القيادة السياسية من دعم هذه الحركة بشكل واضح وصريح ودون مداراة او من وراء ستار.
لا شيء يمنعها من الاستفادة منها ومن أجوائها وما تؤكده وتفرضه من حقائق على الأرض من إجراء تصحيحات في أوضاعها ومن الأقدام على خطوات واتخاذ قرارات ظلت مترددة في الإقدام النهائي عليها، ولا شيء يمنعها من حملها وحمل مطالبها المحقة وحمل دمها الذي تريقه قوات الاحتلال وأجهزته ومستوطنوه بوحشية واستهتار مفرطين الى المحافل الدولية على اختلاف أنواعها وتخصصاتها. ولا شيء يجبر الناس وشبابهم على رهن حركتهم بانتظار صحوة المحيط العربي من حالة التوهان وفقدان البوصلة. من يدري لعل الحركة المنطلقة من القدس وساحات الأقصى تكون هي المنبه لهذا المحيط من توهانه وإعادة بوصلته الى اتجاهها الصحيح.
ليست التسمية هي المهم. المهم هو الفعل والاستمرار فيه والاستفادة منه.

المصدر: الايام