Menu

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: عذر أقبح من ذنب

أنور الخطيب

خاص_بوابة الهدف

تأجيل الانتخابات الفلسطينية خبرٌ لا يحمل أي جديد، فمنذ مدة وتوقعات التأجيل تتردد على ألسنة العارفين بالطريقة التي تُدار بها الأمور في الساحات الفلسطينية، وتحديداً في أراضي السلطة الوطنية، حيث الخلود السياسي يتجاوز مجرد الإحساس به نحو الأحقيّة المطلقة، وهذا يعيدنا إلى الطفل الأرعن حين يلعب، إما أن يفوز أو يخرّب اللعبة، وفي الحالتين رعونة وحمق ومراهقة، ويبدو أن البقاء الطويل في المنصب يجعل المرء يعتقد أنه ورثه عن أجداده، ولم يبق سوى "تطويبه" في السجل العقاري، وتوريثه لأبنائه أو لأفراد العشيرة المقربين من بعده، ليتوقف اللعب الأرعن، وتنتهي المراهقة السياسية. لكن للأسف، السجل العقاري لا يسجّل المناصب ولا أصحابها، وهذا خطأ تشريعي يجب الانتباه إليه.

القضية ليست في تأجيل الانتخابات، وخطورتها لا تتجسّد في إلغائها، إنما تكمن في مواصلة استغفال و (استحمار) الشعب، وهذه كارثة وطنية كبيرة تقترب من الخيانة العظمى، فالتعامل مع الشعب على أنه مغفّل يرقى إلى أقذر أنواع الفساد السياسي والاجتماعي والحضاري، ويتجلّى هذا في تقديم أعذار أقبح من الذنوب، وتبريرات أقرب ما تكون إلى الوقاحة، ومجرد أن يكون السبب هو إتاحة الفرصة أمام فلسطينيي القدس الشرقية للمشاركة في الانتخابات، هو لعبٌ بعقول الناس واستخفاف بذاكرتهم وثقافتهم، خاصةً أن من أقدم على إعلان التأجيل، يعلم تمام العلم، أنه يضع العربة أمام الحصان، وأن تمكين فلسطينيي القدس الشرقية من الانتخاب يحتاج إلى عملية تستغرق سنوات طويلة، وفق الزمن الإسرائيلي، وتتطلب إلغاءً لقانون القدس الذي أصدره الكنيست الإسرائيلي في العام 1980، والذي نصّ على أن القدس عاصمة أبدية للدولة العبرية، واعترفت به الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1995 ودول قليلة أخرى. وفوق ذلك، يتطلب التمكين إلغاء البطاقات الزرقاء الإسرائيلية التي يحملها المقدسيون وإعطائهم بطاقات فلسطينية، باختصار، إنها عملية تستدعي اعتراف الكيان الصهيوني بالقدس الشرقية جزءًا لا يتجزأ من أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، والانسحاب منها ومن الأماكن المقدسة، وهذا يعني دخولاً لمفاوضات الحل النهائي الذي يتجنبه الكيان الصهيوني، والذي يعني أيضا مناقشة حق عودة اللاجئين والحدود.

أما الاستغفال الآخر الذي ارتكبته القيادة الفلسطينية بحق الشعب الفلسطيني فيتمثل في تصريحات أقل ما يمكن أن توصف به هو العبث والتلاعب بالألفاظ ولوي عنق الحقيقة وتزوير التاريخ قبل الانتخابات، فمن قال إن حركات التحرر الوطني لا تجري سوى انتخابات واحدة تحت الاحتلال؟ ومتى كان الاحتلال يسمح بإجراء انتخابات؟! يبدو لي أن هذه الفكرة، والفكرة الأخرى التي تتحدث عن التمسك بالثوابت الوطنية، ظهرتا في اجتماع بحث في الأسباب التي ستُذكر لتأجيل أو إلغاء الانتخابات، فظهر قائدٌ مسنٌ وطرح هذه الفكرة، وأتبعها آخر بالمزايدة بالثوابت. هكذا يتصرف الذين لا يجدون من يردعهم، ولا من يرد عليهم، إنهم يرقصون في العتمة، بينما أمرهم مفضوح أكثر مما يتخيلون.

تُرى أين كان المستشارون الأشاوس والمنظرون الجهابذة حين حصل 20 ألف فلسطيني من القدس الشرقية على الجنسية الإسرائيلية، وأين هم أصحاب الثوابت الوطنية وهم يرسلون يومياً عشرات آلاف العمال إلى (إسرائيل) للعمل في المستوطنات؟ أعتقدت أنهم كانوا يستمعون للمطرب موشيه إلياهو.

وفق ما تقدّم، فإن فخامة الرئيس الفلسطيني ألغى الانتخابات ولم يؤجلها، والأسباب ليست من أجل عيون المقدسيين ولا من أجل الثوابت الفلسطينية، بل لضمان فوز قوائم فتح والمحسوبين على موقع الرئاسة، ويُقال إن القرار لم يكن لفخامته وحده، إنما كان أمريكيا أردنياً مصرياً، حتى لا تفوز حماس كما حدث في العام 2006، وهو أمر مرفوض سلطوياً وخليجياً وأردنياً ومصرياً وإسرائيلياً، وهكذا يمكننا توديع الانتخابات والبقاء تحت رحمة المسنّين ومقولاتهم وفهلواتهم وتنظيراتهم.