يشهد النظام العالمي الحالي تنافساً متصاعداً بين الولايات المتحدة الأمريكية التي تتمسك بالبقاء كقوة مهيمنة على النظام الدولي من ناحية، والقوى الدولية التي ترغب في أن يصبح النظام العالمي متعدد الأقطاب لتستفيد من المنافع الدولية؛ عبر تقسيم مناطق النفوذ في العالم، من ناحية أخرى، ومن هذه القوى "الصين، روسيا، دول الاتحاد الأوروبي"، ولكن الولايات المتحدة تنظر إلى القوى المنافسة لها على زعامة العالم أنها مصدر تهديد لمصالحها الحيوية وأمنها القومي، كما هو الوضع مع الصين الشعبية.
في شباط 2015 تم توقيع "بيان مشترك" بين الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما والرئيس الصيني تشي جين بينغ؛ أثناء زيارة الثاني إلى واشنطن، وأعلنا التزامهما المشترك بـ "علاقة إيجابية تعاونية شاملة"، وطمأن كل طرف الطرف الآخر فيما يتعلق بقلقه الرئيسي، حيث أعادت واشنطن تأكيد ترحيبها بالصين القوية، والمزدهرة، والناجحة، كي تلعب دوراً أكبر في الشؤون العالمية، كما رحّبت الصين بالولايات المتحدة كدولة في منطقة آسيا والمحيط الهادي كي تسهم في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة، ومنذ ذلك الحين شرعت الحكومتان بتنفيذ الأهداف المعلنة من تبادل الزيارات بين كبار المسؤولين الأمريكيين والصينيين لإضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات بشأن القضايا الاستراتيجية والاقتصادية الرئيسية.. لكن مع زيادة التعاون ازداد الجدل، حيث رأت مراكز البحث في كلا البلدين أن التنافس على السيادة بين الصين والولايات المتحدة؛ أمراً لا مفر من مواجهته، وبدأت تظهر اتهامات متبادلة في تحليلات متميزة ومتوازية في كلا الدولتين! ويجادل بعض المفكرين الأمريكيين، بأن السياسة الصينية تسعى إلى تحقيق هدفين طويلي الأجل:
- الأول: إزاحة الولايات المتحدة كقوة بارزة في غرب المحيط الهادي.
- الثاني: توحيد آسيا في كتلة تخضع للمصالح الاقتصادية والسياسية الخارجية الصينية.
في حين يرى بعض المفكرين الصينيين أن الولايات المتحدة قوة عظمى؛ مصممة على إحباط صعود أي منافس، خاصة الصين، ولذا يقول هؤلاء: "أن واشنطن لن تمانع في تحوّل الصين إلى دولة متنامية شرط الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية"، وبالتالي يستخلصون بأن التعاون المستمر مع الولايات المتحدة يعد "هزيمة ذاتية"، لأنه لن يخدم سوى هدف الولايات المتحدة، المتمثل في "تحييد الصين"؛ فالعداء المستمر يتأصل عبر تأثيرات واشنطن في المستويين التكنولوجي والأيديولوجي.
ويذهب بعض المحللين المتخصصين للقول: "إن الحرب الأيديولوجية القادمة داخل النظام الدولي ستكون بين السيطرة الرقمية، والديمقراطية الليبرالية"، أي بين الشرق، بقيادة الصين من ناحية، والغرب بقيادة الولايات المتحدة من ناحية أخرى، وربما تقع المواجهة الأيديولوجية بين الأنظمة الغربية، والأنظمة الشرقية؛ عبر تقديم مشاريع ضخمة لتكنولوجيا المعلومات، ومكافحة جائحة كورونا لتشمل المجتمع والعالم مثل مشروع "جدار الحماية العظيم"، ويسمح هذا المشروع ببلوغ مستويات عالية من الرقابة المجتمعية الانتقائية، وفق تكلفة معقولة نسبياً، حيث ستكون الحكومات قادرة على مراقبة البيانات والسلوكيات بشكل انتقائي، مع ضمان الحد من المناقشات السياسية التي من شأنها أن تلحق الضرر بالنظام.
السيطرة على الذكاء الاصطناعي
إن ما سيحدد شكل النظام العالمي الجديد هو قدرة كل دولة على السيطرة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على مناطق مختلفة من العالم، ومن الملاحظ أن مبادرة "الحزام والطريق"؛ تعد مشروعاً استراتيجياً للصين لتحقيق التنمية وزيادة اعتماد الدول عليها اقتصادياً ومن ثم عسكرياً ودبلوماسياً، وهو ما تسعى إليه الولايات المتحدة أيضاً، ولذا فمن المتوقع أن تشهد مناطق كثيرة صراعاً بينهما منها بحر الصين الجنوبي؛ وسط آسيا؛ أوربا؛ إفريقيا، وأخيراً أمريكا اللاتينية التي أعلنت الصين شمول مبادرتها لها.
تعد الولايات المتحدة والصين حالياً القوتين الرئيسيتين في مجال البحث والتطوير فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي وتأمين لقاح كوفيد 19، على الرغم من أن السلطات الصينية أكثر وعياً من السلطات الأمريكية وفقاً لوسائل الإعلام مثل صحيفة "نيويورك تايمز" التي ركزت على وجوب إنشاء واحدة من أكبر المؤسسات الأكاديمية الأمريكية في الذكاء الاصطناعي، وهو مجال ينبغي السيطرة عليه من قبل القطاع الخاص، وتتبعه استثمارات عسكرية، أو أجهزة استخباراتية، مثل: "وكالة نشاط مشروعات الأبحاث المتقدمة، ووكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة"، وهكذا فإن الأدلة ليست بعيدة عن تصريحات الرئيس بايدن الذي أعرب منذ وصوله إلى السلطة عن عزمه تطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي لخدمة وتحسين الاقتصاد والرعاية الصحية على الرغم من تقليص حجم الاستثمار المقرر لعام 2021 بنسبة 8%، في حين اختارت الصين الحفاظ على استثمار قوي، يقدر بنحو تسعة مليارات دولار سنوياً، في إطار خطة عمل وطنية طموحة لخلق صناعة يبلغ حجمها "1500" مليار دولار بحلول عام 2030.
الفاعلون الدوليون الآخرون
للوصول إلى مستقبل أفضل للنظام الدولي في ظل التنافس الأمريكي – الصيني لا بد من لفت النظر إلى وجود فاعلين دوليين آخرين، من شأنهم أن يكون لهم تأثير في مستقبل النظام العالمي وكذلك دور فيه:
- الاتحاد الأوربي:
يصعب اليوم التعامل مع الاتحاد الأوربي بوصفه قوة واحدة، بعد قرار بريطانيا الانسحاب منه، ومن ثم لن يكون ثمة قرار موحّد سياسياً أو اقتصادياً، مما دفع العديد من المحللين إلى توقّع المزيد من التفكك، وقد بدأت الإرهاصات تظهر على رغبة بعض الدول الأوربية في لعب دور في النظام العالمي، خاصة ألمانيا وفرنسا؛ فلكل منهما مناطق نفوذ في بعض دول العالم، وقد سعت ألمانيا إلى توسيع نفوذها كي تصبح مركزاً للطاقة في أوربا وتوصيل "أنابيب السيل الشمالي"؛ عبر بحر البلطيق، وهو الأمر الذي لم يلقَ استحسان بعض الدول الغربية، خاصة فرنسا؛ لأن من شأن ذلك أن يسبب قلقاً مستقبلياً من الطموح الألماني في القارة، آخذاً في الحسبان العلاقات الألمانية – الأوربية خلال حربين عالميتين. لذلك يمكن القول أنه يصعب توقع تحالفاً فرنسياً – ألمانياً، فضلاً عن استمرار التحالف الأمريكي – البريطاني لفترة زمنية طويلة، كما لن تصل علاقة فرنسا والولايات المتحدة إلى علاقة تحالف، لكن سيكون هناك تعاون في قضايا، وتنافس في قضايا أخرى..!
- روسيا الاتحادية:
من المعروف أن الاتحاد السوفييتي السابق كان أحد قطبي النظام العالمي على مدى ما يقرب من خمسة عقود، ثم سقط لتبدأ وريثته روسيا في استعادة وضعه الدولي كقوة مع بداية القرن الحادي والعشرين، لكن من الملاحظ أن علاقتها بالولايات المتحدة لم تشهد صراعاً إلا حول القضية الأوكرانية، والتي ترتب عليها فرض عقوبات اقتصادية على موسكو، فضلاً عن خروجها من مجموعة الثماني؛ الأمر الذي دفع إلى تقارب واتفاقيات مع الصين لتعويض خسائرها من العقوبات الأمريكية والأوربية.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء التنافس الصيني – الأمريكي، يمكن توقع عدد من السيناريوهات المستقبلية:
سيناريو الانكفاء الدولي لواشنطن:
تعاني الولايات المتحدة من أزمة اقتصادية، حيث لديها عجز في الموازنة يصل إلى نحو "10 ترليون" دولار، وديون خارجية تصل إلى نحو "22 ترليون" دولار، وديون داخلية على المؤسسات والأفراد تصل إلى نحو "76 ترليون" دولار، لذلك يرجح المحللون أن تلجأ الولايات المتحدة إلى الانكفاء متكئة على حليفتها بريطانيا التي تتبنى سياستها في النظام الدولي، والتي ربما تستحدث طرقاً للتنافس مع القوى المركزية الكبرى، مثل: "الصين وروسيا وألمانيا وفرنسا" واستنزاف طاقاتها في صراعات داخلية، أو تشتيت جهودها في مناطق عدة من العالم، أو إدخالها في سباق تسلح يأتي على حساب تحقيق التنمية المستدامة، وبالتالي الحد من فاعليتها في النظام العالمي..!
مما سبق؛ يصبح من الصعوبة توقع تشكيل تحالفات دولية متبلورة في النظام الدولي، لكن قد يحدث توافق في قضايا، وتنافس بقضايا أخرى، وبالتالي يمكن توقع دخول قوى صاعدة فيه، مثل: كندا؛ أستراليا؛ الهند، واليابان إلى جانب الصين؛ روسيا، وبعض الدول الأوربية.
سيناريو أحادي القطبية:
يعتمد هذا السيناريو على معدلات النمو الاقتصادي، والإنفاق السنوي على التسليح في البلدين، والجليّ أن هناك استقراراً بالنمو السنوي في الصين حيث وصل إلى الـ "4%" إلا أنه تراجع عن المعدلات التي استطاعت الصين تحقيقها في العقدين الماضيين، في المقابل فإن الولايات المتحدة، تبدو الآن قادرة على الاستقرار على معدّل نمو "3%" وهو أقل مما كانت عليه الحال في العقدين السابقين، أما الجانب العسكري، فإن تقديرات الانفاق السنوي على التسليح الأمريكي في العقد المقبل، ستصل إلى نحو " 800 مليار " دولار، بينما ستصل في الصين إلى "300 مليار" دولار.
والحاصل أن القوة الاقتصادية الصينية ممثلة في استثمارات ومؤسسات صينية، أو في مبادرات استراتيجية، مثل: مبادرة "الحزام والطريق" المدعومة بقوة؛ ستأخذ وقتاً أطول لتبني الصين مراكز قوة تستطيع منافسة الهياكل الاقتصادية الأمريكية التي ما تزال تتحكم في مفاصل الاقتصاد الدولي، أو حتى تستطيع تحدي المصالح الأمريكية المترسخة في المناطق الثرية، أو ذات النمو الواضح في العالم. أما بالنسبة للقوة العسكرية الصينية، فعلى الرغم من ازديادها؛ فإنها بعيدة عن تحدي القوة الأمريكية في أي منطقة ذات أهمية استراتيجية، بما في ذلك شرق آسيا نفسها، وهي الجوار الأول للصين.
سيناريو متعدد الأقطاب:
العلاقات الأمريكية – الصينية قائمة على تفادي الصراع، والسعي لاحتواء القلق الأمريكي من الصعود الصيني.. ووضع ذلك الصعود داخل إطار النظام العالمي الموجود، وليس كمقدمة لهدمه، وبناء نسخة صينية عنه.
ستحاول الصين في صعودها المستمر، خلق مساحات عمل لمؤسساتها وشركاتها داخل ذلك النظام، وأهم مساحات العمل هذه تتصل بتوسيع أسواق صادراتها، وتوفير فرص عمل داخل المجتمع ذي المليار وأربعمئة مليون نسمة، ويترتب على ذلك تأمين طرق الملاحة والتجارة العالمية بشكل عام التي عن طريقها تصل صادراتها إلى الأسواق العالمية.
تحتاج الصين ليس للولايات المتحدة فحسب – المهيمن الأول على تلك الطرق- بل وأيضاً إلى علاقات دولية مع الدول ذات الأسواق الأهم لها، وهم في الغالب حلفاء الولايات المتحدة، قد يبدو هذا الضعف النسبي الصيني، مقابل الولايات المتحدة، بأنه يتماشى مع التفكير الاستراتيجي الصيني، كما هو واضح من آراء المحللين هناك، وتريد الصين أن يكون صعودها سلساً، دون أن يظهر كتحدٍ للنظام الدولي؛ فأي تحد للولايات المتحدة في هذه المرحلة سيعقبه بالضرورة "جدار صد من واشنطن"، وهي تملك أدوات عدة وقدرات هائلة، وعليه فإن غاية الرجاء في الفكر الاستراتيجي الصيني هو أن تواجه الولايات المتحدة مشكلات مختلفة تشتت اهتمامها، وتستوعب جزءاً كبيراً من قدراتها، ليبتعد التركيز الاستراتيجي الأمريكي بعيداً عن الصعود الصيني، فإن تعذر ذلك، فلا بد من الانضباط لقواعد اللعبة الحالية!
وعليه يمكن القول؛ إن مستقبل النظام الدولي أصبح مرتبطاً بالتنافس بين الصين والولايات المتحدة، ومن ثم فإن التنافس مرشح للتهدئة في فترات تفرضها مصالح كلتا الدولتين، وفي فترات أخرى ستزداد وتيرة التنافس وربما يترتب عليها نظام أحادي القطبية، أو ثنائي القطبية في مجالات دون الأخرى، مثل: أن يكون المسيطر على الأمن السيبراني الولايات المتحدة وروسيا، أو أن يسيطر على الذكاء الاصطناعي الولايات المتحدة والصين، أو متعدد الأقطاب، بحيث تتمكن دول النمو والصعود من الوصول إلى قمة النظام الدولي.

