مظاهر عدم الاستقرار السياسى فى إسرائيل متعددة من بينها صعوبة تشكيل حكومة مستقرة تحظى بأغلبية حاسمة فى الكنيست، وإجراء أربعة انتخابات فى غضون عامين والخامسة ليست مستبعدة، وكذلك صعوبة إزاحة نيتانياهو من المشهد السياسى وضعف المعارضة وقصورها عن تحقيق هذا الهدف.
هذه المظاهر ليست فى حقيقة الأمر سوى تجليات وتعبيرات للأزمة السياسية والاجتماعية، وهى أزمة عميقة وحصاد تراكم تحولات على صعيد المجتمع والاقتصاد والسياسة والتركيب الديموجرافى والإثنى، فضلا عن تأثر المجتمع الإسرائيلى بالتطورات الدولية والإقليمية.
لن يكون فى وسعنا فهم عمق هذه الأزمة وطبيعتها، إلا إذا وضعناها فى إطار الظروف التى تشكلت فيها وتراكمت مظاهرها وهى تكمل أحدها الآخر، وفى مقدمة هذه الظروف التى تكمل بعضها بعضا، ثمة ما يمكن أن نسميه أمراض النشأة الأولى، فتاريخيا نشأت إسرائيل بحكم التواطؤ بين الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية المسيطرة آنذاك، وتأييدها لإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، كانت ذريعة الحركة الصهيونية أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وهى الذريعة التى كشف الواقع عن زيفها ومغالطتها إن قبل نشأة الدولة أو بعدها، اصطدمت الأوهام بالواقع ولا يزال الكيان الإسرائيلى يفتقد الأمن والأمان رغم القوة الظاهرة المادية والعلمية وتشكل من جراء ذلك كيان حربى عسكرى فى حالة استنفار دائم لمواجهة الأخطار، غير قادر على التصالح مع نفسه أو التصالح مع الإقليم المحيط به.
تشكل النظام السياسى الإسرائيلى منذ البداية على أسس تعددية حزبية نشأت عن تحول الحركات الإرهابية والعصابات إلى أحزاب وارتكز النظام السياسى إلى النظام البرلمانى واعتمدت إسرائيل نظاما انتخابيا بموجبه تصبح إسرائيل دائرة انتخابية واحدة تعتمد على نظام التمثيل النسبى وبموجبه يستند تمثيل القوى السياسية فى الكنيست على نسبة الأصوات التى حصلت عليها فى الانتخابات، وقد تسبب هذا النظام فى تعميق حاجة الأحزاب الكبيرة إلى الأحزاب الصغيرة لتشكيل ائتلاف مستقر هكذا كان حال النخبة العمالية الصهيونية التى أقامت الدولة ممثلة فى حزب «ماباى» أو غيره من الأحزاب اليسارية، بيد أن التركيب الديموجرافى والإثنى كالهجرات المتزايدة التى أعقبت نشأة الدولة وبعدها أفضت إلى تغيير سياسى تمثل فى زيادة الناخبين من اليهود الشرقيين وتدعيم أحزاب اليمين القومى والدينى إلى أن حدث الانقلاب فى عام 1977 لوصول تكتل ليكود إلى الحكم.
تدعمت خلفية هذا الانقلاب بعدوان 1967 واتجاه المجتمع الإسرائيلى إلى التطرف واليمين وتفاءل المتدينون بتحقيق الوعد الإلهى وتطابق الجغرافيا السياسية مع الجغرافيا التوراتية، وترافق ذلك مع تبنى سياسة الانفتاح الاقتصادى فى الثمانينيات وتقلص شبكة «الكيبوتزات والموشافات» التعاونية للاشتراكية الصهيونية والتحول إلى القطاع الخاص وظهور السياسات النيوليبرالية والعولمة وتآكل القيم التى تنتمى لجيل الآباء المؤسسين لإسرائيل، والتى تمثلت فى الريادة والانضباط والتقشف والجماعية لمصلحة القيم الجديدة الناشئة مثل الفردية والرفاهية الشخصية والتنافسية.
يضاف إلى هذا السياق الداخلى المتعلق بالمجتمع وتحولاته، تأثير أزمة الديمقراطية التمثيلية على الديمقراطية الإسرائيلية، فبعد قرون من ممارسة الديمقراطية وتطورها، تبرز الآن وعلى نحو واضح بعض المظاهر التى تشير إلى هذه الأزمة مثل انفصال المؤسسات عن المواطنين، وانفصال الممثلين عن الشعب الذى انتخبهم، وظهور نخب مالية وليبرالية قادمة من عالم المال والأعمال تؤمن بالنيوليبرالية وتقليص وظائف الدولة فى الحماية والرعاية الاجتماعية، واقتصار دورها على الأمن والقضاء، قد تجد هذه الأزمة حلا فى إطار تطوير آليات الديمقراطية مثل تبنى الاستفتاء فى القضايا الكبرى أو محاسبة المسئولين دون انتظار انتهاء الدورة البرلمانية، فى الحالة الإسرائيلية أصيبت السياسة الإسرائيلية بالشلل، فلا المكلف بتشكيل الحكومة قادر على إنجاز المهمة، ولا المعارضة أيضا بمقدورها انجاز تلك المهمة، ونيتانياهو لا يستطيع سن قانون يمنحه الحصانة ولا معارضيه قادرون على سن قانون يمنعه من ممارسة مهمته فى تشكيل الحكومة رغم توجيه لائحة اتهام رسمية له.
تنفرد الأزمة السياسية الراهنة فى إسرائيل بالتوحد بين النموذج العلمانى للدولة والنموذج الدينى، وبعد أن كانت الأسطورة الدينية وسيلة تبرر الغاية، أصبحت غاية فى حد ذاتها، وترجمة ذلك مجتمع أكثر يهودية وأقل ديمقراطية، وصهينة التيار الدينى وتديين التيار القومى واليمينى، كلا التيارين يتنافسان فى تبنى الميثولوجيا الدينية ويتبادلان الخطابات بكل مفرداتها، ويشتركان معا فى العداء للشعب الفلسطينى والمحيط العربى وتبنى التوراة ومقولة أرض الميعاد.
من ناحية أخرى فإن الأزمة الراهنة تتميز بانتقال الهيمنة من جماعة واحدة ألا وهى النخبة الاشكنازية العمالية، إلى هيمنة جماعات متعددة، اليهود الأرثوذكس، المستوطنون، والتيارات العنصرية والمتدينين من شتى الاتجاهات، والتى التفت حول نيتانياهو باعتباره الممثل الأكفأ، ويشترك هؤلاء جميعا فى العداء للإعلام والثقافة والمحكمة العليا الإسرائيلية وتقليص صلاحياتها، بذريعة أن أعضاءها غير منتخبين، وتشكل هذه الفئات ما يسمى اليمين الجديد، والذى أفضى إلى تهميش اليمين الليبرالى التقليدى أو على الأقل بعض رموزه «دان ميريدور وبينى بيجن» ورئيس الدولة الذى كان عضوا فى الليكود.
على صعيد آخر فإن الأزمة الراهنة تخلق تناقضات بين مظهر إسرائيل الخارجى كقوة إقليمية كبرى تضرب ذات اليمين وذات اليسار فى سوريا وإيران ولبنان وغزة، فى البر والبحر والجو، بينما فى الداخل تواجه تحديات كبيرة توصف لأول مرة أنها خطر على المناعة الجماعية للدولة وتعرض مؤسسات الدولة لفقدان الثقة بين المواطنين.
حصاد هذه الأزمة منظور إليها من زاوية تأثيرها على القضية الفلسطينية يتمثل فى انتقال إسرائيل من أفق تسوية القضية الفلسطينية والحل السلمى وحل الدولتين فى أوسلو وما بعدها، إلى مرحلة الانتقال إلى إدارة الصراع وتسكينه وتهدئته، ثم إلى مرحلة حسم الصراع، بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وغور الأردن و القدس وتصفية قضية اللاجئين والتنكر لحل الدولتين بدعم من إدارة ترامب السابقة، والحسم بهذا المعنى لم يعد مجرد فكرة بل خطة عمل لليمين واليمين الدينى.
كل مساعى نيتانياهو على الصعيد الفلسطينى والإقليمى لا تعدو أن تكون مجرد أوراق انتخابية، يستخدمها فى صراع من أجل البقاء والإفلات من العقاب إما بسن قانون يمنحه الحصانة أو بمنع صدور قانون يمنعه من تشكيل الحكومة، فى الحالين الغموض يكتنف الموقف ومستقبل نيتانياهو والأزمة فى رحم الغيب، يتحدث بعض المعلقين الإسرائيليين عن تشابه الأزمة الراهنة فى إسرائيل مع أزمة جمهورية «فايمار» فى ألمانيا والتى صعد النازى فى ظلها إلى الحكم.
دخلت إسرائيل خلال عمرها القصير نسبيا مقارنة بأمم شتى كل مراحل التطور، النهضة والحداثة والتصنيع وما بعد التصنيع والاعتماد المتبادل والعولمة بموجاتها المتعاقبة، ويبدو أن دخول هذه المراحل يفوق القدرة الإسرائيلية على الاستيعاب والتوازن.

