Menu

انتفاضة القدس تقلب الطاولة على مخططات الاحتلال

عليان عليان

دخلت انتفاضة القدس اسبوعها الثالث، وهي أشد إصراراً على تحقيق أهدافها في دحر الاحتلال  وفي الحفاظ على عروبة القدس وهويتها، وفي التصدي لمشاريع التهجير والتطهير العرقي، وفي إفشال خطط العدو التهويدية التي لم تتوقف منذ عام 1967، بعد قراره اللاشرعي بضم القدس في 27 يونيو ( حزيران ) من ذلك العام، والذي استند إليه الاحتلال في تنفيذ خطواته التهويدية عبر سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل وسحب الهويات.

وقد دخل العدو منذ حرب 1967 في اختبار قوة مع الشعب الفلسطيني، وراعه الصمود الأسطوري لهذا الشعب وفي المقدمة منه أبناء القدس، الذي زاوج باستمرار بين الصمود والتمسك بالأرض وبين المقاومتين الشعبية والمسلحة، في إطار حركة التحرر الوطني الفلسطينية التي نقلت القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي، من وضعية التعامل معها كقضية لاجئين إلى قضية تحرر وطني من الاحتلال الصهيوني.

الانتفاضة تجسد بالدم للسيادة العربية على القدس

انتفاضة القدس الراهنة جاءت لتراكم على الانتفاضات السابقة (انتفاضة الحجارة 1987-1993، هبة النفق 1996، انتفاضة الأقصى عام 2000، هبة الدهس والسكاكين 2015، هبة القدس 2017، هبة باب الرحمة 2018، لكن أهمية انتفاضة القدس الراهنة تكمن في أنها تأتي في ذروة الصراع على المكان وعلى السيادة في القدس. فالعدو الصهيوني أراد أن يستثمر ما جاء في صفقة القرن الترامبية حول اعتبار القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، ومباركة الرئيس الأمريكي جو بايدن لهذا القرار، بإنجاز مسيرة يشارك فيها آلاف المستوطنين، لتعبر القدس من بوابتها الرئيسية (باب العامود) باتجاه المسجد الأقصى لأداء صلواتهم التلمودية فيه، ليعلن على الملأ أنه سيد المكان وأن أهل القدس مجرد رعايا في دولة الكيان.

 وفي سياق هذا المخطط الإسرائيلي، نظمت جمعيات الاستيطان اليهودية التي تدعى "منظمات المعبد" حملاتها بصورة مكثفة لحشد المستوطنين من مختلف الأطياف السياسية للمشاركة في اقتحام المسجد الأقصى، معلنةً في تصريحات لها على مواقع التواصل الاجتماعي "إنها تهدف من خلاله إلى طرد المسلمين من الأقصى لأداء الصلوات التلمودية فيه، وصولا إلى هدم الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه". ولإنجاز هذه الخطوة بدأ العدو الصهيوني حملته التضييقية على المقدسيين، في باب العامود وفي ساحات الحرم القدسي، وسعى إلى تفريغ المسجد الأقصى من المصلين في شهر رمضان، ليتمكن المستوطنون من بسط سيطرتهم على ساحة الأقصى، ولإجراء احتفالية السيادة المزعومة في يوم القدس العبري- الثامن والعشرين من رمضان الجاري.

لكن رد المقدسيين وأبناء شعبنا الذين هبوا من كل حدب وصوب، من كل أرجاء الضفة الفلسطينية ومن الجليل والمثلث والنقب والرملة واللد وحيفا ويافا، وبدعم ميداني مقاوم من قطاع غزة، أذهل العدو الصهيوني ،وأعلن على الملأ في كل رجاء المعمورة وهم يشاهدون بالصوت والصورة هذه البسالة الفلسطينية – المقدسية المنقطعة النظير في  الدفاع عن القدس  والهمجية والعدوانية لقوات الاحتلال، ليخرج الرأي العام العالمي بنتيجة لا غبار عليها أن القدس عربية السيادة وعربية الهوية، وأن ما أقدم عليه المحتل بإجراءاته التهويدية المدعومة من الإدارة الأمريكية لم ولن  يغير من واقع عروبتها وهويتها.

 الكف الفلسطيني في مواجهة المخرز الصهيوني

لقد تمكن المقدسيون وأبناء الشعب الفلسطيني، من خلال مرابطتهم في الشيخ جراح لمنع المستوطنين من الاستيلاء على منازلهم، ومن خلال هبة باب العمود وإزالة الحواجز الحديدية، ومن خلال التصدي الهائل لقوات العدو التي زحفت لطرد ما يزيد عن 70 ألف مصلي فلسطيني (مساء الجمعة -ليل السبت) في أعقاب مسيرات يوم القدس العالمي من المسجد الأقصى، من تثبيت حقيقة السيادة على الأرض، بأن القدس لنا وأن السيادة لنا وأنه لا يمكن العبث بحقائق التاريخ والجغرافيا.

لكن ما يجب الإشارة إليه هنا، أن تلك الليلة العظيمة ستسجل بحروف من نور في سفر النضال الفلسطيني، حين التحمت الجماهير الفلسطينية بقبضاتها وصدورها العارية في ساحة الأقصى في معركة صدامية مع قوات الاحتلال، من جيش وشرطة ومستعربين وشين بيت وشاباك، امتدت على مدار تلك الليلة بين كر وفر، استخدم فيها العدو قنابل الغاز وغاز الفلفل والقنابل الصوتية والمطاطية والهراوات الفولاذية، أصيب خلالها ما يزيد 200 فلسطيني بجراح خطيرة خاصة في الصدر والعين، وأصيب أيضاً ما يزيد عن 17 جندياً وضابطاً صهيونياً بجروح.

لقد كانت نتيجة تلك المعركة بغض النظر عن عدم التكافؤ في السلاح والخسائر، لصالح المنتفضين بدلالة أن العدو فشل في تحقيق هدفه في تفريغ الأقصى من المصلين، إذ عاد المصلون والمرابطون لأداء صلاة الفجر، وليتفرغوا  لتنظيف ساحات الحرم القدسي- التي كانت ساحة حرب حقيقية- من مخلفات الحجارة ومقذوفات الذخائر الإسرائيلية باختلاف أنواعها، ولم تنته الأمور عند هذا الحد بل عادت الجماهير المقدسية في اليوم التالي لتحيي ليلة القدر بزخم أكبر ولتشتبك مجدداً مع قوات الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى وأمام باب العامود وبقية أبواب البلدة القديمة، ولتزيد من وتيرة التحدي في مواجهة الاحتلال والمستوطنين في الشيخ جراح.

الانتفاضة تجسد وحدة الشعب الفلسطيني

لقد جسدت انتفاضة القدس وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس وقطاع غزة والمناطق المحتلة عام 1948، وأفشلت إمكانية أن يستفرد العدو بمنطقة دون أخرى، إذا ما أن بدأت المواجهات في باب العامود، حتى انتقلت رياح الهبة إلى قطاع غزة وإلى مناطق 1948 وإلى كافة مناطق تواجد أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات والمخيمات.

قطاع غزة لم يكتف بالمسيرات التضامنية، بل بدأ الشباب الثائر بإعلان النفير العام وبممارسة فعاليات الإرباك الليلي على السياج الفاصل شرق قطاع غزة، بإطلاق البالونات الحارقة ما أدى اندلاع 14 حريقاً في مستوطنات غلاف غزة حتى الآن، رافعين شعار لن ينام المستوطنون في هذه المستوطنات، طالما العدو الصهيوني مستمر في عدوانه على الأهل في القدس وفي حي الشيخ جراح.

وكتائب المقاومة التابعة لمختلف الفصائل في القطاع، أعلنت النفير العام وعن جاهزيتها للدخول في المعركة دفاعاً عن القدس، ورفعت شعار "مستوطنات العدو مقابل حي الشيخ جراح والأقصى" مؤكدةً بأن يدها على زناد الصواريخ لتدك المستوطنات وعمق الكيان الصهيوني.

والأهل في مناطق 1948 تحركوا في إطار برنامج لجنة المتابعة في عشرات المظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي عمت مدن وقرى الجليل والمثلث، ناهيك عن تسيير مئات الحافلات التي تقل الآلاف من فلسطينيي الداخل إلى القدس، للمشاركة في فعاليات الانتفاضة وللدفاع عن المسجد الأقصى.

أما مخيمات اللجوء في الشتات فهي الأخرى تساند وفق إمكاناتها وظروفها انتفاضة القدس  ولم تتوقف عن تنظيم المسيرات التضامنية مع الأهل في القدس وفي عموم فلسطين.

وأخيراً نشير إلى أن مجرم الحرب نتنياهو  أخطأ في الحسابات، حين ظن أنه بالإمكان الاحتفال بيوم القدس العبري- ذكرى احتلال القدس وضمها-  في ساحة المسجد الأقصى من خلال تمكين 2000 مستوطن من الصلاة في  باحاته، كتوطئة لبناء الهيكل، لتجسيد السيادة السياسية والدينية الإسرائيلية عل القدس، بالاستناد ما أنجزه من اختراقات تطبيعيه، وفاته أن يدرك أن هذه الاختراقات لم تفت في عضد الشعب الفلسطيني وفي عضد المقدسيين، بل زادتهم إصراراً على مواصلة النضال حتى دحر الاحتلال، وإفشال مخططاته التهويدية للقدس  ورأوا في هذه المناسبة فرصة للدوس على صفقة القرن بأقدامهم والزج بها في حاويات القدس.

والمقدسيون وعموم أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل سيكونون اليوم بالمرصاد لمسيرة  المستوطنين، وسنكون أمام ملحمة  كبرى، تكشف عن بسالة وشراسة أبناء شعبنا في الدفاع عن مقدساتهم وعن عاصمتهم الأبدية، وعن إصرارهم في المضي بالانتفاضة حتى تحقيق أهدافها.