Menu

لمحة: فلسطين عبر التاريخ

غازي الصوراني

إن البلاد التي عرفت منذ القرن الخامس قبل الميلاد باسم فلسطين تشكل الجزء الجنوبي من بلاد الشام التي ارتبطت منذ فجر التاريخ ببلاد العراق و مصر والجزيرة العربية، سكنها قبل التاريخ المدون شعب عرف باسم شعب البحر المتوسط وبحكم موقعها الجغرافي كانت طيلة تاريخها معبراً للغزاة من مصر والعراق وكانت تفد إليها هجرات قبلية من الجزيرة العربية عبر العصور التاريخية المتعاقبة، وأقدم هذه الهجرات هي هجرة الكنعانيين منذ القرن الثلاثين قبل الميلاد والتي وصلت ذروتها حوالي 2500 ق.م، امتزج الكنعانيون بالسكان الأصليين وأنشئوا حضارة زاهرة عرفت بحضارة المدن، عرفوا فيها الحروف التي قدموها للإنسانية جمعاء. وفي القرن الثاني عشر ق.م وفد إلى فلسطين قبائل "البولستيين" (الفلسطينيين) الذين قدموا من صقلية وسردينيا وكريت واستقروا في ساحل فلسطين الجنوبي (غزة/ اسدود) وتمازجوا بالكنعانيين.

في هذه المرحلة (حوالي القرن الثالث عشر ق.م) أغارت على فلسطين قبائل رعوية عرفت فيما بعد بالعبرانيين الذين قدموا من مصر وتعود جذورهم إلى الجزيرة العربية، واشتبكوا بصراع مع الفلسطينيين وبصفة خاصة سكان مدن غزة، (عراق المنشية) وعقرون (عاقر) واسدود وعسقلان، ولم يتمكن العبرانيون من احتلال هذه المناطق.

وفي هذه الحقبة اتحدت القبائل العربية (الأسباط) تحت قيادة واحدة مكنتها من التماسك في إطار عشائري مركزي موحد أطلق عليه اليهود اسم "مملكة"، بعد أن تمكنوا من اجتياح يبوس ( القدس ) التي بناها الكنعانيين وأطلقوا عليها اسم أورسالم (مدينة اله السلام الكنعاني) ولم يطل هذا الوجود الدخيل سوى سبعين عاماً حيث تمزق هذا الكيان وتمركز في مدينتي شكيم (نابلس) وأورسالم (القدس) التي حّرفها العبرانيون إلى أورشليم.

وفي هذا الصدد لا بد من أن نشير إلى أن هذه القبائل اليهودية الغازية كانت جزءاً من التكوين القبلي العربي في الجزيرة العربية، أخذوا حضارتهم ولغتهم من الكنعانيين مثل ما استنبطوا عقيدتهم الدينية من الآلهة في منطقة مدين في شمال الجزيرة العربية (خاصة الإله يوه رب الجنود)، ولم يطل بقاء هذا الوجود في السامرة (شكيم) حيث برزت قوة الأشوريين (حوالي 722 ق.م) الذين اجتاحوا "شكيم" وأسروا هذه الجماعات العبرية ونقلوها إلى نينوى (شمال العراق)، وإما من تبقى منهم في المنطقة "أورسالم" فقد "سباهم نبوخذ نصر" الكلداني وأخذهم أسرى إلى بابل جنوب العراق وظلوا في السبي حتى عهد "قورش" الفارسي (ملك الفرس) الذي تمكن من هزيمة الدولة الكلدانية، وفي عهد قمبيز بن قورش تم الاستيلاء على أراضي بلاد الشام وفلسطين عام 525 ق.م وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية الفارسية التي سمحت لمجموعات من العشائر العبرانية بالذهاب إلى ارض فلسطين حيث عاشوا فيها أقلية بين سكانها من الكنعانيين، وظل هذا الوضع قائماً حتى مجيء "الاسكندر المقدوني" عام 332 ق.م حيث احتدم الصراع –وبعد وفاته- بين قادته الكبار (بطليموس، سلوقس، ديميتريوس، وانتيجونس) على السلطة واقتسموا إمبراطوريته فيما بينهم، وآلت شمال بلاد الشام إلى السلوقيين، ودار بينهم وبين البطالسة في مصر صراع على فلسطين التي آلت في نهاية المطاف إلى السلوقيين عام 198 ق.م، وكانت الأقلية اليهودية تعيش تحت الحكم السلوقي إلى أن فرض "انتيوخس الرابع" السلوقي، الديانة اليونانية مما أدى إلى تمرد هذه الأقلية اليهودية بقيادة "متاتيوس مكابي" عام 167 ق.م وأدى ضعف الدولة السلوقية إلى تمكن هذه الجماعة المتمردة من نشر الفوضى في بعض مناطق فلسطين دون أن يتمكنوا من تكوين أي كيان سياسي مستقر لهم، حتى قدوم الرومان عام 63 ق.م بقيادة "بومبي"، حيث ضعف وتراجع نشاط هذه الأسرة المكابية، وظل هذا الوضع قائماً إلى أن قام الرومان بتولية "هيرودوس" الكبير من الأسرة الحشمونية والياً على جنوب بلاد الشام (فلسطين). وعندما ظهر السيد المسيح اعتنق أعداد كبيرة من الكنعانيين الديانة الجديدة وانضم معهم من كان يعتنق اليهودية، وخاصة جماعات "الصدوقيين"، إلا أن جماعة أخرى من اليهود عرفت باسم "الفريسيين" تمردت على الحكم الروماني، وعلى أثر ذلك كلف الإمبراطور الروماني "باسباسيان" ابنه "طيطوس" بالقضاء على هذه الجماعة –الأقلية اليهودية في فلسطين- وتمكن من إبادة معظمهم عام 70 ميلادية.

وفي بداية العقد الرابع من القرن الثاني الميلادي تمردت آخر مجموعة بقيت من اليهود تزعمها متدين يهودي، زعم أنه المسيح، وعرف باسم "باركوخبا" (ابن الكوكب)، وقد قام الرومان بتفريق ذلك التمرد وإنهاء الوجود اليهودي في فلسطين عام 135 ميلادية في عهد الإمبراطور الروماني "هادريان" الذي أمر ببيع من تبقى منهم حياً، وقام بتغيير اسم بيت المقدس، وأطلق عليها اسم أسرته "ايلياء".

ومنذ عام 135 ميلادية وحتى انقسام الإمبراطورية الرومانية عام 335م إلى قسمين شرقي عرف باسم الدولة البيزنطية فيما بعد وغربي عرف باسم الإمبراطورية الرومانية، لم يكن هناك أي وجود ملموس للطائفة اليهودية في فلسطين، وظل هذا الوضع قائماً حتى الفتح الإسلامي وتسليم بيت المقدس (ايلياء) عام 638م للخليفة عمر بن الخطاب على يد البطريك "صفرونيوس" وفقاً للعهدة العمرية التي ورد فيها إعطاء كافة الحقوق للنصارى على ألا يقيم اليهود بينهم في فلسطين وبيت المقدس... ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا باتت القدس العربية جوهرة ثابتة وخالدة في أذهان الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

وظلت منطقة جنوب بلاد الشام التي عرفت بفلسطين طيلة العهدين الروماني والبيزنطي وحملت هذا الاسم (فلسطين) في العهد الإسلامي وكان لها جنداً من جنود الدولة العربية طيلة عهد الخلفاء وبني أمية، وفي العهد العربي الإسلامي تعاقب على حكمها بعد الخلفاء الراشدين، بني أمية، ثم بني العباس وفي العصر العباسي الثاني تعاقب على حكمها دويلات منفصلة الطولونيون، الإخشيديون، ثم الحكم الفاطمي وتصارع الفاطميون مع العباسيين على حكم بلاد الشام وفي هذه الفترة من الانقسام في الجبهة العربية الإسلامية أغارت جيوش أوروبا تحت اسم الصليبيين عام 1095م، بعد إعلان البابا "اوربان الثاني" الحرب الصليبية على العرب والمسلمين، وقاوم شعب فلسطين –ضمن مقاومة العرب والمسلمين- هذه الهجمة الأوروبية الاستيطانية التي اتخذت من المسيحية ستاراً كاذباً، وظل هذا الصراع مع هذه القوات الغازية بين مد وجزر مائتي عام تكلل أول انتصار حاسم للعرب في معركة "حطين" عام 1187م، حيث تحررت جميع فلسطين، ولكنه نتيجة للهجمة الأوروبية الشرسة في الحملة الصليبية الثالثة عام 1189-1192م؛ اضطر صلاح الدين إلى توقيع صلح الرملة الذي نص على بقاء الصليبيين في المناطق الساحلية التي تقع بين عكا ويافا وشمال عسقلان واحتفاظه بالمناطق الداخلية منها، وظلت على هذا الوضع حتى تمكنت القوات العربية بعد اتحاد مصر والشام وشمال العراق من تحرير بقية بلاد الشام بما في ذلك فلسطين، وكان آخر معقل تم تحريره قلعة عتليت قرب حيفا عام 1291م، وظلت بلاد الشام محررة تحت حكم المماليك حتى مجيء القوات العثمانية بقيادة سليم الأول عام 1516م، وبعد معركة "مرج دابق" في حلب وانتصار العثمانيين على المماليك أصبحت بلاد الشام ولاية عثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية عهد الانتداب البريطاني ووعد بلفور والحركة الصهيونية في بلادنا، ومن ثم قيام إسرائيل عام 1948 –بالقوة والاغتصاب- كوجود استعماري، لا نجد تعريفاً له أوضح مما أورده الدكتور جمال حمدان في كتاب "اليهود انثروبولوجيا"، حيث يقول "إن إسرائيل استعمار سكاني مبني على نقل السكان من الخارج إلى فلسطين" وهو لا يوافق على دراسة اليهود باعتبارهم رسل الحضارة (الشعب المختار في الرؤية الصهيونية)، ولا هم شياطين ملاعين (قوة الشر الأزلية حسب الرؤية المعادية لليهود)؛ فكلتا الرؤيتين –كما يقول- تشكل كما منهما تسمية متميزة تنطلق من رؤية اليهود باعتبارهم وحدة (كتلة عضوية من الملائكة أو الشياطين)، وهو يرفض هذا المنطق، ويضع اليهود، كما أي ظاهرة أخرى في النقطة التي يتقاطع فيها الخاص مع العام والكل مع الجزء؛ فاليهود هم بالدرجة الأولى جزء من الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية الاحلالية العامة، ومع هذا فثمة ملامح خاصة فريدة لهم: العودة اليهودية إلى فلسطين ليست عودة توراتية أو تلمودية أو دينية وإنما هي "عودة" إلى فلسطين بالاغتصاب، وهو غزو وعدوان غرباء ولا عودة أبناء قدامى، إنه استعمار لا شبهة فيه بالمعنى العلمي الصارم، يشكل جسماً غريباً دخيلاً مفروضاً على الوجود العربي، غير قابل للامتصاص... فهم ليسوا عنصراً جنسياً في أي معنى، بل جماع ومتحف حي لكل أخلاط الأجناس في العالم كما يدرك أي انثروبولوجي، باختصار أن يهود العالم اليوم مختلطون في جملتهم اختلاطاً أبعدهم تماماً عن أي أصول كنعانية فلسطينية قديمة، فلا علاقة تاريخية على الاطلاق بين بعض سكان فلسطين (قبل الميلاد) من الكنعانيين وغيرهم الذين آمن بعضهم بالديانة اليهودية، وبين اليهود الصهاينة في أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين الذين كانوا وما زالوا أداة في خدمة المصالح الاستعمارية والامبريالية التي كان لها الدور الرئيسي في اغتصاب فلسطين وقيام الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن اليهود اليوم  في الكيان الصهيوني هم أقارب الأوروبيين والأمريكيين والروس والاوكرانيين ..الخ، بل هم في الأعم الأغلب جزء منهم شريحة لحماً ودماً، وإن اختلف الدين، ومن هنا فإن اليهود في أوروبا وأمريكا وروسيا وأكرانيا وغير ذلك من البلدان ليسوا كما يدعون غرباء أو أجانب دخلاء يعيشون في المنفى وتحت رحمة أصحاب البيت، وإنما هم من صميم أصحاب البيت نسلاً وسلالة، لا يفرقهم عنهم سوى الدين.