Menu

الصراع الدولي المحتدم أوكرانيا - جورجيا ووضع العصي في الدولاب الروسي

د. صلاح زقوت

نشر هذا المقال في العدد 25 من مجلة الهدف الرقمية

بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي وإعلان قيام روسيا الاتحادية عام 1991، أصبحنا أمام قطب أحادي في العالم، حيث انتهت الحرب الباردة لمصلحه الولايات المتحدة وحلفائها وتوسع حلف الناتو في دول الفضاء السوفييتي السابق؛ إذ استوعب عشرة بلدان منها بولندا ودول البلطيق وكان هذا التوسع الكبير غير مقبول بالنسبة لروسيا، فقد فقدت حلفاءها السابقين وواجهت تحديات داخلية وخارجية؛ أضعفت دورها ومكانتها الدولية في سنوات ضعفها، واختل ميزان القوى ليس لصالحها إلى أن تمكن الرئيس بوتين من تعزيز قبضته على السلطة وإخراج روسيا من تعثرها الاقتصادي والسياسي. وقد مارس الغرب بعض السياسات التي أثارت غضب روسيا، ومنها الاعتراف باستقلال كوسوفو، ودعم ثورة الزهور في جورجيا عام 2003 والتي أطاحت بحكومة شيفرنادزه الموالية لروسيا، وبدعم من الغرب بدأت الحكومة الجورجية الجديدة في بذل جهود مدروسة للتحول للغرب وإنهاء الإرث السوفييتي، وفى عام 2004 حدثت الثورة البرتقالية في أوكرانيا ذات التوجه الغربي واستعدادها للانضمام لحلف الناتو، وبعد عقد قمه الناتو في أبريل عام 2008 في بوخارست؛ تم إبلاغ كل من جورجيا وأوكرانيا بأنهما قد تصبحان يومًا "ما" عضوتين في حلف الناتو، وكان الوعد الذى تلقته جورجيا وأوكرانيا بالحصول على عضوية يوماً "ما" كافياً لروسيا لتفترض أن الغرب وحلف الناتو يتسلل إلى ساحتها الخلفية، وسوف يحيط بروسيا من خلال جورجيا وأوكرانيا.

جورجيا أكثر انقساماً

تصاعد النزاع بين جورجيا ومنطقه أوسيتيا الجنوبية المنفصلة في 8 أغسطس عام 2008، وأصبح القتال الذى اندلع أشد المواجهات خطورة منذ الحرب الأهلية، وكانت أوسيتيا الجنوبية خلال الحقبة السوفييتية إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي في جورجيا، وقد أعلنت استقلالها عام 1990 عن جورجيا، ونجم عن ذلك نزاع مسلح عام 1991 - 1992 انتهى بهدنه بين الطرفين عام 1992، وعند انتخاب الرئيس ساكشفيلي في عام 2004؛ تعهد باستعداده وحدة وسلامة الأراضي الجورجية عن طريق إعادة السيطرة على أوسيتيا الجنوبية وعلى أبخازيا الواقعة في الشمال الغربي كما ازداد التوتر بين روسيا وجورجيا في عام 2004؛ بسبب أبخازيا وفى حرب الأيام الخمسة، في أغسطس 2008 عبرت القوات الروسية الحدود الروسية الجورجية، ودخلت منطقة النزاع في أوسيتيا الجنوبية، وشنت هجوماً واسعاً من ضربات جوية وغارات أرضيه ووصلت إلى مدينه (غوري) التي تبتعد عن العاصمة الجورجية تبليسى بأميال قليلة، وفتحت جبهه أبخازيا وحاصرت جزءاً من الساحل الجورجى المطل على البحر الأسود بالقرب من منطقه أبخازيا، بالإضافة إلى الهجوم العسكري وقع هجوم الكتروني، وهذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا الحرب الالكترونية وعمليات معلوماتية؛ دعمًا للعمليات القتالية وهاجمت الحرب الإلكترونية 38 موقعًا جورجيًا وغربيًا، منها موقع الرئيس ووزارة الخارجية والبرلمان والبنك المركزي والمحكمة العليا والسفارة الأمريكية والبريطانية، وخلقت حالة من الفوضى والشك، وبعد مرور خمسه أيام توسط الغرب لأجل وقف إطلاق النار بين روسيا وجورجيا، وخلفت الحرب جورجيا أكثر انقسامًا مما كانت عليه، ولم يقدم الغرب، أي مساعدة لجورجيا، وكان التدخل الروسي في جورجيا يستهدف:

١- تعزيز السيطرة على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ومن ثم منع سيطرة تبليسى عليهم.

٢- إرسال إشارة قوية لأوكرانيا، بأن سعيها للحصول على عضويه الناتو، قد يؤدى إلى التفكك والغزو العسكري، وهذا ما حدث عام 2014.

٣- استطاعت روسيا من فرض سيطرتها على ممر الطاقة في جنوب القوقاز.

٤- رسالة إلى الغرب بأن دول الاتحاد السوفييتي السابق؛ يجب أن تبقى داخل "دائرة النفوذ الروسي".

أوكرانيا واللعب بين أوراق القوة

مرت أوكرانيا منذ استقلالها عام 1991 بعلاقاتها مع روسيا بين المد والجزر؛ فكانت الثورة البرتقالية الموالية للغرب، وقد فشلت؛ بسبب صراع القوى التي قامت بها تم جاء حليف موسكو يانكوفيتش وفى نهاية عام 2013، اندلعت ثورة الميدان وتوجت في نهاية فبراير 2014، بهروب يانكوفيتش وسقوط النظام الموالي لروسيا، وجاء نظام مدعوم وموالٍ للغرب وتعاظم الدود القومي على حساب دور الموالين لروسيا، والذى شكل ضربة قوية لموسكو، وجاء الرد سريعًا وعنيفًا باحتلال جزيرة القرم وضمها لروسيا ودعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا في دنيسك ولوغانسك، ولم تكتفِ روسيا بالدور الإقليمي في الفضاء السوفييتي السابق، بل طمحت لدور دولي، وأنها ستعود بقوه لهذا الدور من خلال تدخلها في سوريا ودعم اللواء حفتر في ليبيا ، وكسبت روسيا حلفاء جدد، واستطاعت روسيا أن تنسج علاقاتها على الساحة الشرق أوسطية، برغم العقوبات الاقتصادية المؤثرة التي فرضها الغرب على روسيا بعد احتلالها وضمها لجزيرة القرم، ومن ذلك الوقت؛ تشهد العلاقات الأوكرانية الروسية توتر وقد دعمت الدول الغربية كييف؛ سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وقدمت مساعدات مالية كبيرة موجهة بشكل رئيسي نحو الإصلاحات الرامية إلى تطبيق معايير العضوية في الاتحاد الأوروبي والناتو؛ رغم أنه من المستبعد أن تقبل عضوية أوكرانيا في الناتو خلال المدى المنظور، ولعل أهم المساعدات كانت الأمريكية، والتي استهدفت تعزيز القدرات الدفاعية العسكرية الأوكرانية بقيمه 2 مليار دولار، بالإضافة إلى تنامى العلاقات التركية الأوكرانية وتزويد الجيش الأوكراني بالطائرات المسيرة.

وكذلك يوجد توتر في العلاقات الأمريكية الروسية، في العديد من الملفات وتنذر باندلاع مرحلة ساخنة من الحرب الباردة بين الدولتين وازدادت بعد مجيء الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض الذى صرح بأن الرئيس بوتن قاتل، وتزعم واشنطن أن هناك تدخلاً روسياً في الانتخابات الأمريكية، بالإضافة إلى عدم التوافق بشأن الأمن الاستراتيجي كالملف السوري والليبي والأوكراني، وملفات الغاز وتحديداً مشروع السيل الشمالي 2 لأنه يضر بالمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في أوروبا والتقليل من حصة واشنطن في السوق الأوروبية، وهذا تستفيد منه أوكرانيا؛ من أجل مصالحها، لأن خط السيل الشمالي 2 يؤثر على حصة الترانزيت من مرور الغاز إلى أوروبا؛ عبر أراضيها، بالإضافة أن علاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربين؛ تحمى نفسها من الأخطار الروسية، بالإضافة إلى مطالبتها المستمرة، في إنهاء الصراع، في شرق أوكرانيا وعوده جزيرة القرم إلى السيادة الأوكرانية وشكلت منصة القرم الذى سيتم افتتاحها في نهاية أغسطس من هذا العام، ويواصل حلف الناتو تعزيز قدراته في شرق أوروبا والبلطيق والبحر الأسود بالقرب من خطوط المواجهة بين روسيا وأوكرانيا، بالإضافة إلى تطوير روسيا لأسطول بحر البلطيق، وتقوم روسيا بحشد غير مسبوق منذ عام 2014 على الحدود الشرقية لأوكرانيا وجزيرة القرم، والتي تقدر ما بين 80 - 100 ألف عسكري بكامل معداتهم البرية والبحرية والجوية، بالإضافة إلى استعراض القوة الجوية في ليبيا، ويحاول كل طرف لعب بأوراق قوة جديده للضغط على الطرف الآخر من جهة، ومن جهة أخرى بعيدة تضغط الولايات المتحدة وحلفاؤها على روسيا من جناحها الغربي مع أوكرانيا، بينما تضغط موسكو على حلف الناتو من جناحه الجنوبي، انطلاقاً من ليبيا؛ فميدان الضغوط يمتد من البحر الأسود إلى البحر المتوسط، رغم ذلك لن نشهد حربًا شاملة في شرق أوكرانيا؛ نتيجة للخسارة الكبيرة، ونظراً لطبيعة التوازنات بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، وليس من مصلحة أحد أن تحدث حرب شاملة في وسط أوروبا، قد تفضي إلى حرب عالمية ثالثة، بل نحن أمام حرب إعلامية سياسية عالية الوتيرة، بحيث يحقق كل طرف أوراق قوة؛ تفيد في المفاوضات القادمة.