دخلت انتفاضة القدس الرمضانية أسبوعها الثالث وفق متغيرات جديدة تعطيها قوة الدفع والاستمرارية من أجل تحقيق أهدافها الآنية، لتبني عليها لاحقاً استمرار النضال من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية، فالأهداف الراهنة التي رفعتها الانتفاضة وفصائل المقاومة تمثلت في وقف استهداف المسجد الأقصى واستباحته من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال والحفاظ على هوية القدس العربية وقبر صفقة القرن بشأنها، وفي إلغاء قرار العدو ومحاكمه بشأن عملية تهجير عائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح، التي يرى فيها شعبنا بأنها بروفة لعمليات ترحيل أخرى في بلدة سلوان وغيرها من أحياء القدس في محاولة بائسة منه لتغيير المعادلة الديمغرافية في القدس التاريخية لصالح اليهود.
دعم الانتفاضة بالنار
في معمعان الانتفاضة الراهنة، برز متغيران لم يكونا في حساب العدو، المتغير الأول هو أن ترفع فصائل المقاومة في قطاع غزة الشعار – المعادلة: مستوطناتكم وعمقكم مقابل القدس والأقصى والشيخ جراح، وفي إطار رفع هذا الشعار وجهت غرفة العمليات المشتركة للمقاومة إنذاراً للعدو بالتراجع عن اقتحام الأقصى وعن قمع الأهل بحي الشيخ جراح.
وأمام عدم تراجع العدو عن غطرسته، جاء الرد المقاوم من قطاع غزة بتحديد ساعة الصفر الساعة السادسة من مساء الأحد الماضي، فكان أن أطلقت فصائل المقاومة جحيم صواريخها من مختلف المدايات لتدك عمق الكيان الصهيوني في عملية "سيف القدس" المستمرة حتى اللحظة، والتي أصابت بدقة أهدافها المحددة في تل أبيب ومحيط القدس، وعسقلان وأسدود وكافة مواقع العدو العسكرية ومستوطناته في محيط قطاع غزة.
والمقاومة بصبها حمم الجحيم على مغتصبات العدو وعمقه، تكون قد أوفت بوعدها الذي قطعته على نفسها أمام الشعب الفلسطيني، بأنها لن تترك القدس والضفة تخوض المعركة لوحدها، وبتنفيذ تهديدها للكيان الصهيوني في إطار المعادلة التي رسمتها.
لقد حققت فصائل المقاومة في إطار المعركة المفتوحة ضد العدو إنجازات كبرى لصالح الانتفاضة وأهدافها أبرزها:
1- أوقعت المقاومة في صفوف العدو خسائر كبيرة جداً على صعيد الجرحى والقتلى وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية وضرب البنية التحتية لمغتصبات الكيان، إذ لم يعد بوسع الكيان التستر على خسائره الكبيرة على مختلف الصعد.
2- أن المقاومة لم تكتف في هذه المواجهة المستمرة بمعادلة توازن الردع وتوازن الرعب، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة من قواعد الاشتباك، تمثلت في كسر الردع الإسرائيلي، فهي التي امتلكت منذ اللحظة الأولى زمام المبادرة، ودفعت العدو الصهيوني إلى اللجوء إلى رد الفعل في سياق متخبط.
3- لقد أصابت صواريخ المقاومة الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني في مقتل، وبتنا نسمع صراخ الصهاينة في المستوطنات وفي تل أبيب، بشأن عدم ثقتهم بالمستويين العسكري والسياسي الصهيونيين، وبتنا نسمع من محللين سياسيين وعسكريين إسرائيليين بأن (إسرائيل) باتت بدون قيادة سياسية وعسكرية تستجيب للتحديات المحدقة بالكيان .
4- أن خطط المقاومة في إطلاق الصواريخ "مسخرت" القبة الحديدية، إذ أنها من خلال إطلاقها من زوايا مختلفة، ومن خلال الكم الهائل من الصواريخ في كل رشقة أربكت رادارات القبة وأعمت بصيرتها، بحيث لم تتمكن من إسقاط سوى عدد قليل من الصواريخ الفلسطينية، في حين أصابت بقية الصواريخ بنك الأهداف بدقة متناهية. والعدو الصهيوني بات في حالة تخبط وارتباك، فهو ليس بقادر على شن هجوم بري، ويسعى من خلال الضربات الجوية للقطاع، أن يرمم الحالة المعنوية لجبهته الداخلية المنهارة، إذ رأينا نتنياهو وبيني غانتس وكوخافي، يطلقون التصريحات بأنهم ضربوا ما يزيد عن 500 موقعاً للمقاومة في القطاع، وأنهم نجحوا في اغتيال عدد من القادة العسكريين، لكن هذه التصريحات لم تفلح في رفع معنويات المستوطنين، بينما الأهل في قطاع غزة رغم ارتقاء ما يزيد عن 60 شهيداً ومئات الجرحى، عبر قصف المنازل والأبراج السكنية، إلا أنهم يعتلون أسطح منازلهم مهللين مطلقين زغاريد الفرح عند انطلاق كل وجبة من وجبات صواريخ المقاومة.
جبهة الانتفاضة في مناطق فلسطين المحتلة 1948
التطور الجذري في الانتفاضة الراهنة، هي هبة الجماهير الفلسطينية في مناطق 1948 التي عمت مدن اللد والرملة وعكا وحيفا ويافا والناصرة وكافة منطق الجليل والمثلث والنقب بحيث أصبحنا أمام تكامل أضلاع الانتفاضة الثلاث في القدس والضفة وفي قطاع غزة وفي مدن الداخل الفلسطيني، مدعومة بضلع الشتات الفلسطيني في المخيمات وفي مختلف أماكن تواجد أبناء شعبنا.
لقد أربكت هبة جماهير شعبنا في مناطق 1948، القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية التي لم تتوقع أن تتحرك الجماهير الفلسطينية على هذا النحو غير المسبوق، مؤكدةً على هويتها العربية وانتمائها الفلسطيني الأصيل، ما جن جنون رئيس الكيان " ريفلين" ونتنياهو الذي أعلن حالة الطوارئ في مدينة اللد – مسقط رأس الحكيم د. جورج حبش ، التي دخلت في مواجهات حادة مع المستوطنين، ارتقى خلالها شهيد منها، إذ انتقلت جماهير اللد من الدفاع إلى الهجوم، ما دفع ما يسمى برئيس بلديتها لطلب النجدة، وطلب إرسال القوات للسيطرة على المدينة الملتهبة.
وهبة جماهيرنا في مناطق 1948 تتصاعد يوماً بعد يوم رغم هجمات المستوطنين وقمع الشرطة وحرس الحدود ورغم اعتقال عدد كبير من أبنائها ، مع ضرورة الإشارة هنا أن جماهير شعبنا في الداخل الفلسطيني، لعبت دوراً مركزياً في مقارعة العدو في باب العامود وفي باحات الأقصى والشيخ جراح.
حذار من التدخلات العربية
الانتفاضة الباسلة والمقاومة في قطاع غزة، تخوض معركتها الظافرة بالاستناد إلى محور المقاومة، في حين أن النظام العربي الرسمي، في معظم مفاصله في الجامعة العربية بات يعمل على إخماد الانتفاضة ووقف إطلاق النار، تنفيذا لتعليمات الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي أكد دعمه للكيان الصهيوني، واعتبر أن ما يقوم به العدو مشروع وفي طار ما أسماه " بالدفاع عن النفس".
التدخلات العربية الرسمية من قبل النظام المصري وغيره، التي لم تضغط على العدو لوقف مخططاته في القدس والأقصى والشيخ جراح، واكتفت ببيان شجب واستنكار شكلي من الجامعة العربية لممارسات العدو، باتت تضغط على المقاومة لوقف إطلاق النار، وتطلب من رئيس السلطة الفلسطينية وقف الانتفاضة بكل السبل، وقبل أن تحقق الانتفاضة أهدافها.
وقد وصلت الأمور بالوسطاء العرب الرسميين، أن يستخدموا أساليب خشنة في الضغط على الفصائل لوقف إطلاق النار، تنفيذاً للتعليمات الأمريكية، ولتوسلات نتنياهو، لكن المقاومة حتى اللحظة صامدة في مواجهة هذه الضغوط، معلنة ًأن المعركة ستظل مفتوحة حتى يرضخ العدو لشروطها بشأن القدس بما فيها الأقصى والشيخ جراح.

