مقدمة :
تعد القضية الفلسطينية القضية العربية المركزية الأولى التي مثلت تحديا خطيرا للقوى الأوروبية انعكست آثاره سلبا على الشعب الفلسطيني في تحرره واقامة دولته، ومثل هذا التحدي تلك العلاقة وطيدة الصلة بين الصهيونية والامبريالية العالمية، المتمثل بالدور البريطاني من بناء نواة الدولة والهجرة والاستيطان، لا سيما النواة العسكرية وأدواتها. وبدأت معها الارهاصات الأولية لتشكيل أرضية صلبة لقيام هذا الاحتلال الصهيوني في قلب فلسطين العربية. والذي اكتمل بمباركة أمريكية –سوفييتية لقرار التقسيم 181 واقتضى اقامة دولتين في فلسطين العربية احداهما فلسطينية، والثانية يهودية صهيونية. وبذلك يكون قد ساوى بين أصحاب الحق الفلسطيني واليهود الصهاينة المغتصبين للأرض، على حساب الشعب الفلسطيني الأصلي صاحب البلاد. والذين يشكلون تجمعا استيطانيا عنصريا. والسؤال الذي يطرح نفسه اذا كانت القوى الدولية شكلت مخططا لاحتلال الصهاينة لفلسطين وفقا لمصالحها في حينه، هل أنصفت الأمم المتحدة بقراراتها قضية هذا الشعب ، وحمته من جور هذه القوى الدولية المتنفذة وما هو موقف الكيان الصهيوني من قراراتها؟ هذا ما ستحاول الورقة الاجابة عليه .
أ- الأوضاع الدولية التي نشأت فيها البذور الأولى للصهيونية قبل عام 1897:
ولدت فكرة استيطان اليهود في فلسطين في بريطانيا([1])منذ عام 1649، أي قبل قيام الكيان الصهيوني بثلاثمائة عام. حيث نظم بعض رجال الكنيسة البروتستانتية الانجليز حركة تدعو لعودة اليهود إلى فلسطين، وتبنت الحكومة الانجليزية تلك الدعوة من خلال بيان قالت فيه :"إنّ أمّة انجلترا وسكان هولندا سيكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء وبنات "إسرائيل" على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم، إبراهيم وإسحق ويعقوب، لتكون ميراثاً إلى الأبد"([2]).كانت رؤية أوروبا الإقطاعية إلى فلسطين روحية محضة، ولم تقترن بفكرة الهجرة إليها، ولكن فكرة الهجرة ظهرت مع بدايات صعود النظام الرأسمالي، أي مع بدايات ظهور الحركة الصهيونية غير اليهودية([3])، حيث برع اليهود في جمع المال واستثماره، وشكّلوا قوة منافسة للأوروبيين في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة وأن: "المجتمع الديني الأوروبي الإقطاعي في القرون الوسطى كان ينظر إلى الفائدة نظرة ملؤها الاحتقار والازدراء باعتبارها من الأعمال الخسيسة التي لا تليق بالمسيحي النبيل"([4]). لكن أوضاع اليهود داخل المجتمعات التي يعيشون فيها شهدت تحسناً ملموساً نتيجة الانتقال من التركيبة الاقتصادية - الاجتماعية الإقطاعية إلى الرأسمالية، وخاصة أنهم أخذوا يؤدون دوراً اقتصادياً بارزاً في عملية النمو الرأسمالي في البلاد التي يعيشون فيها، في مجالات الاستثمارات المالية، وبدء اندماج الرأسمال المصرفي المالي مع الرأسمال الصناعي، وحلول الاحتكار مكان التنافس. وشمل هذا الازدهار معظم طبقات التجمعات اليهودية في أوروبا الغربية، الذين أخذوا يشعرون بتحررهم من "الغيتو"، أي كل عوامل العزل والتمييز عن الشعوب التي يندمجون فيها([5]). "وساعد في حالة الاندماج هذه، ظهور حركة الإصلاح الديني اليهودي التي تزعمها قادة أسر معروفة، مثل مندلسون MENDELSSOHN 1729- 1786، وكانت تدعو إلى نبذ التفسيرات الدينية الجامدة، وتهيء اليهود لحياة جديدة، بوصفهم مواطنين في البلدان التي ولدوا فيها"([6]). وكانت روسيا تضم أكبر عدد من اليهود في أوروبا، وخاصة يهود الخزر([7])، كما أصبحت بولندا بعد تقسيمها خلال الأعوام 1772-1793-1795، تشكل أكبر نسبة من يهود العالم 6% من سكان روسيا. وكان ملوكها لا يمانعون في دخول اليهود إليها، علماً أنهم في قرون سابقة كانوا يمنعون ذلك. ومع نهايات القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر كان يهود روسيا القيصرية يعيشون في المناطق الجنوبية الغربية، منعزلين عن السكان الأخرين أو يتحدثون باللغة اليديشية([8]). ومع بدء انتقال روسيا من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، كان اليهود يشكلون في معظمهم كياناً غير منتج بضائعياً، ويعمل أفراده كتجار ومرابين وصيارفة. لقد تمثل الحل أمام اليهود بالهجرة إلى أوروبا الغربية حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي أفضل، أو نحو الولايات المتحدة الأمريكية([9]). ويمكن القول إن الفكرة الصهيونية ولدت في الذهن الاستعماري الغربي، أي خارج فلسطين، قبل ولادتها في العقل اليهودي. وشكّلت حملات الاضطهاد ضد اليهود في البلاد التي عاشوا فيها المناخ المناسب لولادتها، بل وانتقالها كفكرة من الذهن الاستعماري إلى الذهن اليهودي، كحركة استعمار استيطاني، خاصة وأن اليهود كانوا يعيشون ضمن ظروف خاصة في البلدان الأوروبية، منعزلين عن النسيج الاجتماعي لمجتمعات البلاد التي عاشوا فيها، وهو ما عرف في حينه بالمسألة اليهودية، التي استغلت من قبل الدول الاستعمارية وبخاصة بريطانيا، بدفع اليهود لإنشاء تلك الحركة السياسية الساعية إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وُظّف لخدمة المصالح الإستراتيجية الاستعمارية بشكل عام، والبريطانية بشكل خاص في "الشرق الأدنى"([10]). كانت أوروبا تسعى بكل ما تملك من طرق ووسائل لتحقيق مشروعها الصهيوني في فلسطين([11])، بعد عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، بينما كانت روسيا القيصرية تسعى إلى ضرورة إدماج اليهود بالمجتمع ، و لكن تبين فيما بعد أنها زجت باليهود الروس لاتمام هذه الحركة ، من خلال نظرة عمالية بروليتارية للتخلص منهم من جهة ، و من جهة ثانية كي يكونوا كشيوعيين ورقة ضغط ضد الانتداب البريطاني لبسط نفوذها، و باقي القوى الاوروبية الأخرى .
ب- واقع فلسطين قبل وخلال فترة الانتداب البريطاني:
تصف الصهيونية أوضاع فلسطين وأهلها قبل الانتداب البريطاني بأنها بلد شبه فارغ متخلف، سكانه قذرين على قلتهم. وهذا الوصف الصهيوني- الإمبريالي هو وصف زائف. جاء في مذكرات أحد الرحالة الروس بين عامي 1844-1847، أثناء زيارته إلى سوريا وفلسطين، قائلاً: "شاهدنا شاطئاً من البحر، ودهشنا لعظمة جمال الطبيعة، إننا سنعثر هنا على جنة الأرض في هذا البلد المبارك، لكننا أسفنا لماذا وقعت هذه الأرض الرائعة في أيدي هؤلاء الجهلة!"([12]). كان هناك 2،5 مليون دونماً من الأرض غير مأهول بالسكان، أما القسم المأهول والذي يشكل40% من مساحتها، فهو صالح للزراعة. وما تبقى من فلسطين هي المنطقة السهلية التي تحيط بالتلال([13]).
ووصف مؤرخ صهيوني معاصر في مطلع القرن التاسع عشر، التجارة في فلسطين قائلاً: "لقد كانت التجارة الخارجية متطورة لدرجة أن الفروع الرئيسة للزراعة – القطن والتبغ، وكل فروع الصناعة كانت معتمدة عليها، وكانت التجارة مع الأقطار المجاورة كمثل التجارة مع أوروبا، تتم عبر مينائي يافا وعكا"([14]).
ففلسطين لم تكن بلداً خالياً من السكان، ولا بلداً خراباً، بغضّ النظر عن إهمال السلطات العثمانية لها، فقد كانت أحوالها جيدة، إذا ما قيست بمقاييس تلك الفترة، حيث الحروب مستمرة طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إضافة إلى البراكين والزلازل التي تلاحقت عليها خلال تلك الفترة([15]).
وازداد عدد اليهود الصهاينة في فلسطين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بسبب دعم النفوذ البريطاني، وحمايته لليهود القاطنين على أراضي الدولة العثمانية، حيث شرعت بريطانيا منذ ذلك التاريخ بتنفيذ خطتها بتهويد فلسطين([16])، رغم قلة عددهم وتمتعهم بحقوق متساوية مع سكانها العرب الأصليين، وكثيراً ما وحدّت بينهم مجالات التعاون في النواحي الاقتصادية، والثقافية، فضلاً عما تعرضوا له من قهر مشترك، وهذا يعني أن اليهود والعرب الفلسطينيين معاً دون أي تمييز.
كانت القيادة الوطنية الفلسطينية ([17])منقسمة منذ بداية الصراع العربي- الصهيوني بين الأسر الإقطاعية والبرجوازية مثل آل النشاشيبي وآل الحسيني، مما انعكس سلباً على النضال الوطني التحرري، كما أن الحركة الشيوعية حديثة النشأة لم تستطع، أن تحدد مسار فكرها الإيديولوجي، مما شكّل عائقاً آخر في طريق نضال الشعب الفلسطيني.
كانت بريطانيا وبحكم انتدابها على فلسطين، مسيطرة تماماً على كل الدوائر الرسمية هناك، برئاسة مندوب سام بريطاني([18])، يستمد أوامره من وزير المستعمرات في (وايت هول) بلندن، ويعود بأحكامه إلى مجلس تنفيذي يتألف من رؤساء الدوائر البريطانيين الكبار. وكان يُنفق من الميزانية الفلسطينية في الأحوال العادية ما يزيد على 20 % على قوات الأمن والبوليس، أما في الأحوال المضطربة فإن النسبة تبلغ 33% على الأمن([19])، ولا ينال الخدمات الاجتماعية التي تشمل الصحة والتعليم سوى الثلث. وتذهب حصة اليهود الصهاينة إلى مؤسساتهم الخاصة التي سُمح لهم بإدارتها مستقلين([20]). وكانت السياسة الاقتصادية التي انتهجتها سلطة الانتداب البريطاني في فلسطين، تقوم على التعاون مع الصهاينة، ونتيجة لوقوع الأراضي التي امتلكتها المؤسسات اليهودية الصهيونية قسراً في السهل الساحلي، حيث الزراعة تجري فيها على الأسس الحديثة، كل ذلك قاد إلى أن يكون إنتاجها الزراعي أفضل من إنتاج الأراضي العربية وأكثر وفرةً([21]). كما أن الجيش البريطاني احتل أقساماً كبيرة من الأراضي الزراعية العربية، بحيث قاد ذلك إلى تضييق رقعة الأراضي الزراعية التي يملكها العرب، إضافة إلى تجزئة الأرض والافتقار إلى مشاريع الري([22]). حافظت بريطانيا على عدم تقدم فلسطين صناعياً، ولم تتراجع عن هذه السياسة إلاّ في الحرب. واتبعت الأسلوب ذاته للتمييز بين العمال العرب والعمال اليهود على صعيد النقابات التي ينتمون إليها، سواء بالأجور، أو بإصدار القوانين الجائرة ضد العمال العرب داخل النقابات([23]).كل ذلك قاد إلى تعميق الخلافات بين العرب واليهود، لذا دخل الفلسطينيون في صراع مع البريطانيين خلال عشرينيّات([24])وثلاثينيّات القرن الماضي، لدرجة أن بعض البريطانيين المتفهمين، وبهدف إضعاف التأثير المضطرد للصهاينة، رفعوا شعارات سياسية مفادها: (إنهاء الانتداب البريطاني، ووضع حد لهجرة اليهود في فلسطين)، ولعل هذا كان ذا أهمية بالنسبة للجنة شو البريطانية عام1929، التي جاءت للتحقيق بحوادث عام 1929([25])، حيث رأت أن الحلول تتمثل في العمل لتحقيق المطالب السياسية والقومية للفلسطينيين، وانتزاعها من الانتداب.
ج-النضال الوطني الفلسطيني ضد الاستعماريين البريطاني – الصهيوني :
كانت ثورات العرب الفلسطينيين وانتفاضاتهم ضد ممارسات السياسة البريطانية- الصهيونية في فلسطين تزداد، وتجلت بداية بثورة عام 1929، التي فرضت مهاماً جديدة على القيادة الوطنية الفلسطينية، وتسارعت وتائر التطور النوعي التي تجلت بانعقاد المؤتمرات القومية وظهور الأحزاب السياسية([26])، التي تستطيع التصدي للمشروع الصهيوني، إضافة إلى الوعي الجماهيري الفلسطيني، الذي استفاد من أخطاء ثورة عام 1929، وترجم هذا الوعي والنضج الذي وصل إليه، بثورة جديدة، وهي ثورة 1933، والتي تجلت باندلاع الانتفاضات في يافا، مؤكدةً على ضرورة إنهاء الانتداب البريطاني، ووقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإلغاء وعد بلفور. لقد مثلت هذه الثورة للجماهير الشعبية الفلسطينية العربية بداية استعدادا للثورة الفلسطينية الكبرى عام1936([27])، الثورة الأهم والأقوى في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني.
أدركت بريطانيا تماماً مدى الإجحاف الذي لحق بالعرب، فحاولت اتباع سياسة أكثر استقامة نحوهم، وذلك بالموافقة على بعض مطالبهم الأساسية، خاصة تسوية القضية الفلسطينية، لفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات العربية - البريطانية على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة القومية، فأرسلت لجنة بيل([28])إلى فلسطين للتحقيق بحوادث ثورة عام 1936، في أواخر تشرين الثاني عام 1936، وبداية عام 1937، توصلت إلى استنتاج أن نظام الانتداب أصبح عاملاً فعلياً بيد البريطانيين، لامتصاص نقمة الفلسطينيين العارمة، لكن الحكومة البريطانية اعترفت بعدم جدوى ذلك، واقترحت تشكيل حكومتين في فلسطين، عربية والأخرى يهودية، وكذلك منطقة انتداب بريطاني. لكن هذه الفكرة رُفضت تماماً من جانب العرب، وأعطى هذا الحل (خطة التقسيم) اليهود الأفضلية والأراضي الخصبة، ومن قبل الصهاينة الذين كانوا يرفضون أي فكرة تدعو لبناء دولة غير يهودية في فلسطين. لقد اعتقد بعض السياسيين البريطانيين، أن بناء الدولة اليهودية على جزء من أراضي الانتداب سيكون بمثابة نقطة الارتكاز التي لابد من توسيعها لاحقاً.
بينت ثورة عام 1936 مدى القصور الأيديولوجي في قيادة الحركة الوطنية السياسية الإقطاعية، وفقدانها للسيطرة على السيادة والقرار السياسي، وهذا يعني تهميش هذه الحركة، تمهيداً لاستبعادها، وبروز دور القوى الفلسطينية المناضلة من أبناء الشعب، لذلك أصدرت السلطات البريطانية الكتاب الأبيض عام1939([29]) حيث وجدت أنه من غير المرغوب فيه إثارة المشاكل مع العرب الذين سيقدمون المساعدات والتسهيلات للجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية.
أعلنت بريطانيا رسمياً وقف الهجرة اليهودية، وأعطت وعداً بأنها ستعود مجدداً لدراسة هذا الموضوع، ووعدت الفلسطينيين، بالنظر إلى حل مشكلاتهم بشكل إيجابي وضمن نظام الحكم الذاتي. ومن الواضح أن حكومة الانتداب أصبحت في وضع لا يسمح لها أن تتابع تطور الأوضاع في فلسطين، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية خلال الأعوام 1939-1945. وقد شعر الصهاينة بذلك، لذلك تابعوا عملهم في بناء مشروعهم الاستيطاني بعد أن عملوا على نقل مركز نشاطهم من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أكّده بن غوريون BEN GURION قائلاً: "ما يعنيني أني أشك في أن مركز ثقل قوتنا السياسية يتوزع من بريطانيا العظمى إلى أمريكا، التي أكدت أنها ستكون القوة العظمى في العالم"([30]).
وبذلك نقل الصهاينة مركز نشاطهم من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب مؤشرات الضعف في قوة بريطانيا وتزايد قوة الولايات المتحدة، بينما لم تدرك القوى الوطنية الفلسطينية ذلك([31]). إن توجه الصهاينة نحو الولايات المتحدة الأمريكية انعكس بشكل مضطرد على نمو المستوطنات اليهودية في فلسطين خلال الأعوام 1943-1947، حيث تضاعفت مساحة الأراضي المستولى عليها من قبل العدو الصهيوني من (4800) دونم عام 1930 إلى(20131) دونماً عام 1948، أي ما يقارب 17 ضعفاً، كما ازداد عدد المستوطنين في القدس إلى (182،358)ن. وأصبح عدد المستوطنين يشكل نسبة 24،975 % أي قرابة 25% من سكان القدس بشقيها الشرقي والغربي([32]).
تزايد اهتمام السياسة الأمريكية بالقضية الفلسطينية، لتكون صاحبة المصالح الاقتصادية الأساس في "الشرق الأوسط"، وكتبت صحيفة فلسطين بوست قائلة: "إن مؤتمراً بترولياً قد تم عقده بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، للاتفاق على مستقبل المنطقة العربية. وكانت إحدى أهم النقاط التي نوقشت فيه مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بقاعدة بحرية على ساحل منطقة "الشرق الأوسط". وهذه مسألة ذات أهمية كبرى بالنسبة للسياسة الأمريكية والخاصة بمسألة هجرة اليهود إلى فلسطين، وباحتمالات إقامة دولة يهودية"([33]).
يستطيع البريطانيون الضغط على الدول العربية، لتقديم أي تنازل لصالح اليهود، وبخاصة بعد إنشاء جامعة الدول العربية في 22 آذار 1945. لأن ذلك معناه أن الدول العربية سترتمي في أحضان السوفييت([34]). وهنا توجه الصهاينة إلى النفوذين الأمريكي والسوفييتي لدعمهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. ومما ساعد على نجاح الضغط الأمريكي- السوفييتي ضعف موقف بريطانيا بعد الحرب، لذلك رضخت وأنهت انتدابها على فلسطين في 15 أيار 1948، بعد موافقتها على تقسيم فلسطين، وإنشاء دولة الكيان الصهيوني فيها . رغم كل ما فعله الانتداب البريطاني لضمان التفوق الصهيوني من خلال تمييز المستوطنين اليهود الصهاينة عن بقية سكان فلسطين، في التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي تحقيقاً للمصالح المتبادلة بين سلطة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية.
د- تدويل القضية الفلسطينية عام 1947.
تقدمت بريطانيا في شباط عام 1947 بطلب إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة من أجل النظر في مستقبل فلسطين الواقعة تحت سلطة انتدابها. وبدأت الأفكار الصهيونية تطالب بما يُسمى بحقوق الشعب اليهودي في فلسطين. كما بدأت حركة التحرر الفلسطينية بالاتساع، و اتضحت بشكل جلي سيطرة الحلف الأنجلو- أمريكي اللامحدودة على الدول الخاضعة لنفوذه([35])، وعلى هذا الأساس تمت مناقشة القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة في 2 نيسان 1947([36]).
كانت المنظومة الاشتراكية في طور التكوين، حيث خرج الاتحاد السوفييتي من الحرب العالمية الثانية وقد خسر (20 مليون) شخص، واقتصاده مخرّب، بينما الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت حينها تملك القنبلة الذرية، وحافظت على اقتصادها سليماً.
وكانت بعض الدول العربية التي لم تُستعمر بشكل مباشر، تُحكم من قبل ممثلي الإقطاع وعملاء الاستعمار، ما عدا سوريا ولبنان اللتان حققتا استقلال بلادهما، رغم استمرار وجود بعض بقايا مصالح الاستعماريين فيهما، بشكل مباشر، أو من خلال تبعية البعض للاستعمار. وهكذا لم يخرج معظم زعماء الدول العربية في مواقفهم السياسية عن دائرة الدول الإمبريالية وتناقضاتها، بل كانوا يعملون بتوجيه من تلك الدول، وكانوا يطلقون التصريحات المعادية للشيوعية والاتحاد السوفييتي([37]).
ونتيجة دراسة ومناقشة الوضع في فلسطين في الاجتماع الطارئ للأمانة العامة للأمم المتحدة خلال شهري نيسان وأيار عام 1947، تمّ تشكيل لجنة من أجل دراسة الوضع في فلسطين، وبناءً على النصائح المقدمّة من اللجنة المذكورة أعلاه، اتخذت القرار رقم /181/([38])، القائل بضرورة إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين ديمقراطيتين (عربية – يهودية)([39]). وفي القسم الأول من القرار الذي سُمي البناء المستقبلي للسلطة الفلسطينية تمت الإشارة إلى:
1". سحب قوات الانتداب من فلسطين في أقصر وقت ممكن، وبالتدريج، لكن ليس قبل 1آب 1948. وعلى دولة الانتداب (بريطانيا) أن تشكّل لجنة تقوم بتحديد إمكانيات مسؤوليتها حول نشاطات الانتداب، وإخلاء كل منطقة في فلسطين من قواتها.
2. استقلال كل من الدولة العربية (الفلسطينية)، واليهودية، مع الحفاظ على النظام الدولي (التدويل الخاص بالقدس). وكما هو مشار إليه في القسم الثالث من الخطة الموضوعة لفلسطين، فإنه يجب إقامة هاتين الدولتين خلال شهرين بعد إنهاء إجلاء القوات المسلحة للدولة المنتدبة، لكن خلال وقت لا يتجاوز الأول من تشرين الأول.
3. يُعدّ الوقت الفاصل بين إصدار الأمانة العامة للأمم المتحدة لتعليماتها حول فلسطين، وبين إقامة الدولتين العربية واليهودية مرحلة انتقالية"([40]).
4. تعزيز العلاقات بين الدولتين ويتجلى ذلك في العلاقات الاقتصادية والجمركية (المشتركة)، ووحدة النقد (العملة)، ووحدة شبكة المواصلات والاتصالات، والاستخدام المشترك لشبكة الري"([41]).
وتضمنّت "المادة (9) من الفقرة (ب) حق المواطنة في كل دولة لليهود وللعرب فيها على قدم المساواة، وضمنت كذلك حماية المواطنين من الهجرة. كما ضمنت المادة (10) من الفقرة نفسها الحريات السياسية والديمقراطية، وحقوق الإنسان لمواطني كل دولة عرباً كانوا أم يهوداً. وتضمنّت المادة (8) من الفصل الثاني حق الملكية للمواطن العربي في الدولة اليهودية وبالعكس، وأن لا تنزع إلاّ بقرار من المحكمة العليا، على أن يتم دفع ثمنها قبل انتقال ملكيتها وشريطة أن تكون للمصلحة العامة"([42]).
وفي نهاية عام 1947، بدأ الصهاينة حرباً غير معلنة ضد السكان العرب في فلسطين، وأحد هذه الاعتداءات المشينة، التي هزّت الضمير العالمي، هي القتل الجماعي للعرب في قرية دير ياسين، حيث قُتل خلال ساعات معدودة (254) عربياً، غالبيتهم من النساء وكبار السن والأطفال، رغم أن دير ياسين كانت تتبع، بحسب قرار الأمم المتحدة، للمنطقة الدولية في مدينة القدس([43]). ونتيجة هذه الاعتداءات تمّ طرد الآلاف من الشعب الفلسطيني في أيار عام 1948، وتحولوا إلى لاجئين في الدول العربية المجاورة (الأردن، سوريا، لبنان، ودول الخليج العربي)([44]). وبهذا الشكل تمكّن اليهود الصهاينة من التقليل من الأغلبية العربية في المناطق الفلسطينية. إضافة إلى ذلك قامت سلطات الانتداب البريطاني، والتي كانت لا تزال متواجدة في فلسطين، على الرغم من صدور قرار الأمم المتحدة المتعلّق بإنهاء الانتداب البريطاني في فلسطين، وبشكل مقصود، بإخلاء بعض المناطق قبل الموعد المحدد لذلك في قرار الأمم المتحدة رقم /181/ المتعلق بهذا الشأن، وذلك من أجل تقوية قواعد المنظمات الصهيونية في هذه المناطق. كما قامت سلطات الانتداب، بإعاقة وصول اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة، والتي تمّ تشكيلها بالتوازي مع صدور القرار /181/ (في القسم I، من القرار – الفقرة B)، التي تعطي المناطق التي يتم إجلاؤها من البريطانيين إلى الفلسطينيين لحظة إجلاء القوات البريطانية المنتدبة([45]).
أنهى البريطانيون في 14 أيار 1948 سحب قواتهم من فلسطين، وفي اليوم نفسه وخلال ساعات معدودة، قام ممثلو المنظمة الصهيونية العالمية وقادة المجتمع اليهودي الصهيوني في فلسطين بإعلان دولة الكيان الصهيوني، وهذا الإعلان كان خرقاً واضحاً للقرار رقم /181/ نفسه، والذي أشار إلى إنشاء الدولتين الفلسطينية واليهودية، وبإشراف حتمي من اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة([46]).
لم تكن القضية الفلسطينية تشكّل موضوعاً ملحّاً في السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، بل إنها ركزّت على اليهود المهاجرين إلى فلسطين من أنحاء العالم ومعظمهم من يهود شرق أوروبا. ([47]). بينما كان التركيز الدولي على أيديولوجية الحركة الصهيونية في اطار مصالح الاقطاب الدولية ، و مواففة القطبين الكبار على قرار التقسيم في حينها أمريكا – الاتحاد السوفييتي قد وضح ذلك جليا . متناسين تماما أنه من الصعب لقوتين أو كتلتين متعارضتين كليا العيش في المنطقة الجغرافية نفسها بشكل كيان منفصل . و كان ما يهم السوفييت حينها الجمع بين الهجرة اليهودية، والتدريب العسكري لليهود الذي شجعته دول المعسكر الشرقي دوراً هاماً في التأييد السوفييتي لفكرة إقامة دولة "إسرائيل". و معارضة دور الانتداب من قبل أمريكا و الاتحاد السوفييتي المنطقة
"([48]). إن العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والكيان الصهيوني شهدت "شهر عسل" لم يتكرر في تاريخ القضية الفلسطينية برمتها. وبدأ "شهر العسل" هذا بحسب الوثائق، في النصف الثاني من العام 1947 واستمر حتى أواخر عام 1948، وذلك إبان خضوع الدولة السوفييتية لحكم جوزيف ستالين JOSEPH STALIN ([49]).
وبموجب القراءة التي قدّمها الكاتب الصهيوني راؤول تايتلباوم لهذه الوثائق عشية الذكرى الستين لقرار التقسيم، في الملحق الأسبوعي التابع لصحيفة "يديعوت أحرنوت" في تاريخ 16 تشرين الثاني 2007، فقد بلغت هذه العلاقات ذروتها في التصريحات التي صدرت عن غروميكو CROMYKO قبل ستين عاماً، ووردت في مناسبتين: الأولى يوم 14 أيار 1947، والثانية يوم 26 تشرين الثاني من العام نفسه، أي قبل ثلاثة أيام من اتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين رقم /181/. وتبيّن الوثائق أن القيادة السوفييتية عكفت على صوغ تلك التصريحات بحرص شديد، وأنها حازت على تصديق ستالين STALIN نفسه. ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة، إذ أنها كانت تدعو لتغيير جوهري في موقف الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية عموماً، والذي كان على مدار أعوام طويلة، موقفاً مناهضاً للفكرة الصهيونية بشأن إقامة دولة يهودية في فلسطين. ويؤكد تاتيلباوم أن تصريحات غروميكو CROMYKO، التي وصفها بالصهيونية، قد أثارت الدهشة العارمة لدى قادة اليشوف اليهودي أي التجمع السكاني اليهودي في فلسطين قبل عام 1948، ويهود الاتحاد السوفييتي، وكذلك لدى الدول الغربية العظمى والدول العربية ([50]).
لقد ثبت في تلك الآونة تغاضي القيادة السوفييتية و الامريكية عن ردات الفعل العربية الغاضبة، التي نقل المندوبون السوفييت و الامريكيون في البلدان العربية ( مصر والعراق ولبنان) تقارير بشأنها إلى حكوماتهم.
وذكر تايتلباوم في تقريره المذكور في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، أن عشرات الوثائق تدل على التعاون الوثيق، وتنسيق المواقف التام بين المندوبين الصهاينة والسوفييت بشأن مسائل مصيرية بالنسبة للكيان الصهيوني في أعوام نشوئها الأولى ([51]).
ارتكب الاتحاد السوفييتي و الولايات المتحدة الامريكية في حينه خطأ تاريخيا فادحا بحق الشعب الفلسطيني عندما دعموا ووافقوا على القرار 181، لقد بقيت القضية الفلسطينية منذ عهد الانتداب البريطاني وحتى يومنا هذا، ضحية مؤامرات دولية، ومصالح قوى عالمية، على حساب تهجير شعب بأسره.
ه - حرب فلسطين عام 1948:
شهدت الفترة الممتدة من أيار عام 1947 إلى نهاية عام 1948، انتصار الحلف الشيوعي الاشتراكي في انتخابات المجر، وتأسيس الكومنفورم([52])إضافةً إلى انتصار الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، ومشروع مارشال (خطة مارشال وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وتقديم المساعدات لدول أوروبا الغربية، وفنلندة([53]))، وخروج الشيوعيين من حكومات فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، وطرد يوغسلافيا من الكومنفورم أواسط عام 1948.....إلخ، في هذا المناخ العالمي، لم تعطَ القضية الفلسطينية أهمية بالغة، لوجود مشاكل أخرى أكثر أهمية في نظر الأوروبيين([54]). دارت معارك قوية في الأشهر الخمسة التي تلت قرار التقسيم، وبدت المقاومة العربية قوية وفعالة ومؤثرة في جميع جبهات النضال، حيث نسف المجاهدون الكثير من المراكز العسكرية الصهيونية، مما جعل الوكالة اليهودية ترفع شكوى إلى مجلس الأمن متهمةً إياها بالتآمر ضد التقسيم، لذلك اجتمع مجلس الأمن، واطلع على مذكرة الوكالة، وقرر رئيس لجنة التقسيم أمام مجلس الأمن، أنه ليس من سبيل أمام هيئة الأمم المتحدة، إلاّ إحدى طريقين: إمّا إرسال جيش دولي لتنفيذ التقسيم بالقوة، وإمّا إهماله. لذلك قررت الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، تنفيذه بالقوة.
دخلت الجيوش العربية الخمس (مصر – سوريا – العراق – الأردن – لبنان) فلسطين في 15 أيار 1948 أي في الموعد الذي حددته لها بريطانيا، حيث أنذرتها قائلةً: "بأن أي تدخل عسكري في فلسطين من قبل الدول العربية قبل التاريخ المذكور لجلاء قواتها عن فلسطين في 15 أيار 1948 يعتبر عدواناً ستقابله بالقوة"([55]). ومن 15 – 29 أيار هال مجلس الأمن الانتصارات التي حققتها الجيوش العربية في القتال الجاري في فلسطين ضد اليهود الصهاينة، لذلك أصدر مجلس الأمن الدولي قراره التاريخي المؤسف يعلن من خلاله الهدنة الأولى في 11 حزيران 1948، وبالرغم من أن أوامر الهدنة لا تسمح باستيراد عتاد حربي من الخارج، أو نقل جنود من الخارج إلى الطرفين المتحاربين، إلاّ أن هذه الأوامر لم تنفذ إلاّ على العرب، أمّا بالنسبة لليهود الصهاينة، فقد استفادوا من هذه الهدنة، واستطاعوا إدخال ألوف المقاتلين من أوروبا وأمريكا، ووصلت لهم أسلحة وعتاد حربي مكوّن من طائرات ومدافع ودبابات وذخائر لا حصر لها، كان لها دور فاعل في الحرب بعد انتهاء الهدنة الأولى لصالح اليهود الصهاينة([56]). وخلال الجولة الثانية للحرب بعد الهدنة الأولى بدأ التراجع في صفوف القوات العربية، "وتذكر جموع من الشعب الفلسطيني كيف كان الجيش البريطاني يستأجر، وعلى نفقته الخاصة، الزوارق البحرية لنقل السكان من ميناء حيفا إلى شواطئ لبنان"([57]). و هذا يعني كيف أن الجيش البريطاني كان يعمل لتفريغ فلسطين من سكانها، بنقل السكان العرب الفلسطينيين إلى شواطئ لبنان، وذلك يوّضح تماماً حجم بشاعة المخطط الدولي ضد فلسطين، لإقامة دولة الكيان الصهيوني في فلسطين العربية.
عيّن مجلس الأمن الدولي الكونت فولك برنادوتVOLG BERNADOTTE ([58])، كوسيط للمشكلة الفلسطينية في 20 أيار 1948 ونجح في إيقاف القتال بين الطرفين في 11 حزيران 1948، وتقدّم في 27 حزيران 1948 بمقترحات خاصة لفض النزاع، على أساس:
1. "تحقيق هدنة دائمة أو سلام بين العرب واليهود.
2. وضع القدس تحت رقابة الأمم المتحدة.
3. تتولى لجنة دولية حل مشكلة اللاجئين بحيث يختار اللاجئون بين العودة إلى منازلهم أو تعويضهم قيمة ما فقدوه.
4. دعوة الأمم المتحدة إلى تأليف لجنة متابعة ومصالحة دولية للتوصل إلى تسوية سلمية للوضع في فلسطين" (61).
5. إنشاء فلسطين بحدودها القائمة أيام الانتداب البريطاني عام 1922، بما فيها الضفة الشرقية لنهر الأردن، وذلك بإقامة اتحاد يهودي عربي بعد موافقة الطرفين، ووضع الهجرة اليهودية تحت تنظيم دولي حتى لا تتسبب في زيادة المخاوف العربية وإدراج جزء من الجليل الغربي إلى الدولة اليهودية، والنظر في وضع يافا، وإنشاء مطار حر في اللد، وميناء حر في حيفا، بما فيها مصافي البترول"(62). لكن هذا الاقتراح قد فشل، لذلك تخلى عن هذه الفكرة في 16 أيلول 1948، عارضاً اقتراحاً جديداً وهو إنشاء دولتين مستقلتين. فأدى ذلك إلى اغتيال برنادوتBERNADOTTE في القدس من قبل عصابة (شتيرن)، لوقوفه ضد التوسع الصهيوني في فلسطين. وتمّ تعيين الوسيط الأمريكي رالف بانشRALPH PUNCH (36)[59]وسيطاً للأمم المتحدة في فلسطين. واقترح بانش PUNCHعقد اتفاقيات هدنة بين الأطراف المتنازعة وإنشاء مناطق منزوعة السلاح، وأقرّ مجلس الأمن هذه المقترحات في 16 تموز 1948، كما قرر إنشاء لجان مشتركة للإشراف على تنفيذ الهدنة، واحتفظ الكيان الصهيوني بموجب الهدنة في شباط 1949 بكل ما تمكّن من احتلاله تقريباً من الأراضي الفلسطينية، كما نقل الكيان الصهيوني عاصمته إلى القدس الجديدة متجاهلاً تماماً قرار تدويل القدس([60]). وبذلك احتل الكيان الصهيوني فلسطين، وسيطر على 6،7 ألف كم2 من أراضيها، وهاجر (750) ألف فلسطيني، تاركين بيوتهم خلفهم وأراضيهم متوجهين إلى قطاع غزة في الضفة الغربية للأردن، والدول العربية المجاورة أيضاً. وبتاريخ 3 نيسان 1949، أنشأ اليهود ميناءً يعرف حالياً باسم ميناء إيلات، بعد أن استأجروا شقة ساحلية على البحر الأحمر لإتمام هذا الغرض([61]). واستمر الدعم السوفييتي - الامريكي للصهاينة سواء بتقديم السلاح أو تقديم القروض([62]).
و مع اقتراب عام 1948 من نهايته، قدمت حكومة الكيان الصهيوني طلباً للحصول على قرض أميركي بقيمة مائة مليون دولار، تمت الموافقة عليه في كانون الثاني 1949 ([63]). وأكدّ نائب وزير الخارجية السوفييتي في تقييمه لحكومة بن غوريون BEN GURION الجديدة، بأن بن غوريون BEN GURIONهو شخص ذو ميول أميركية. وأن حكومته الجديدة ستنتهج سياسة تعتمد على الأمريكيين، وعلى ما يبدو فإن هذه الميول هي التي حسمت تعامل الاتحاد السوفييتي اللاحق مع الكيان الصهيوني، في ضوء تفاقم الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية([64]).
بينّت هذه الحرب مدى القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية، ومدى الضعف الخفي الذي يحيط بالاتحاد السوفييتي، والضعف الواضح لبريطانيا وتراجعها، وتزاحم هذه الدول على الاحتكارات النفطية في البلاد العربية، ورفع هذا التحليل مستوى التناقضات في توازن القوى العالمي، وفي "الشرق الأوسط" بشكل خاص إلى جعلها، أي الولايات المتحدة الأمريكية، عاملاً في توسيع نطاق المصالح القومية الأمريكية عن طريق الصهاينة.
والأدهى تصّريح المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في 18/8/1948، "أن المشكلة الفلسطينية، هي مشكلة لاجئين خلقها البريطانيون"([65]). وتمّ عقد المؤتمر الثالث للأمانة العامة للأمم المتحدة في 11 كانون الأول 1948 بشأن اللاجئين الفلسطينيين، وأُصدر القرار رقم/194/([66])، الذي أشار إلى "أن اللاجئين الفلسطينيين الراغبين بالعودة إلى قراهم وأراضيهم، والعيش بسلام مع جيرانهم اليهود يستطيعون ذلك، ويجب أن تتاح لهم هذه الفرصة في أسرع وقت مع دفع تعويض لغير الراغبين بالعودة"([67]). لكن قرار الأمم المتحدة أدان سلطات الكيان الصهيوني التي لم تكن ترغب بإعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بعد وقف الأعمال الحربية، كما لم ترغب بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم، وبذلك تمّ تحقيق التهديد الذي جهرَ به قائد جناح اليمين في حكومة الكيان الصهيوني خلال فترة الخمسينيّات من القرن الماضي بن غوريونBEN GURION قائلاً: "سوف نفعل كل شيء لكي لا يعود هؤلاء إلى الأبد"([68]). وتركزت سياسة الكيان الصهيوني آنذاك على افتعال المزيد من الاعتداءات على الفلسطينيين، بهدف كسب الوقت واحتلال أراضٍ جديدة وذلك بمساعدة الدول الأوروبية الاستعمارية([69]).
و لا تزال القضية الفلسطينية منذ ذلك التاريخ و حتى يومنا هذا يسوء حالها يوما بهد يوم و تزداد معاناة الشعب الفلسطيني في ظل صمت دولي ، تحت ستار قرارات الأمم المتحدة الخجولة التي لم ينفذ منها الكيان الصهيوني أي بند و بقيت حبر على ورق ، و صمت غربي يسعى لاستخدامها ورقة للتجارة الرابحة تدور فقط في فلك مصالحه و تجاهل للكيان الصهيوني تماما لهذه القرارات الدولية باتباعه سياسة التهجير للشعب الفلسطيني و الاعتداء عليه و مصادرة ممتلكاته لتحقيق غايته في انشاء دولته .
"([70]).
خاتمة :
بالرغم من كل الجهود التي كان بذلها مجلس الأمن لإيجاد حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، من خلال القرارات التي كان يصدرها، وفي مقدمتها القرار 194، إلاّ أن الكيان الصهيوني لم يقبل بتنفيذه، إلاّ بعد أن يتم عقد صلح نهائي مع العرب. كما اتفقت مصالحه مع مصالح بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في إيجاد حل لهذه المشكلة، من خلال توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المجاورة. وعدّ أن الفلسطينيين ليسوا من سكان البلاد الأصليين، وكان يقصد باللاجئين المهاجرين الصهاينة الذين يجب (برأيه) ضمان اندماجهم في فلسطين، مما شكّل تحدياً كبيراً أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، التي قامت بالرد على الكيان الصهيوني، بالعمليات الفدائية العسكرية، نتيجةً لسياسة التهجير والتوسع وضم الكثير من الأراضي الفلسطينية للكيان الصهيوني. إن المحركات المحلية والذاتية هي المحدد الرئيس لاستمرار الصراع العربي- الصهيوني، علماً أن الكيان الصهيوني لن يأبه كثيراً للظروف الدولية إذا ما وجدت أن الظروف مناسبة لها للانتقال بالصراع إلى مرحلة التوسع من جديد، وليس مستبعداً أيضاً أن يكون في صلب التفكير الصهيوني، اللجوء إلى تدمير واسع النطاق للمنشآت الاقتصادية العربية في حال اندلاع الحرب معها، و الواقع الحالي شاهد على ذلك ، لزيادة أعباء الصراع على العرب، وليستغل الكيان الصهيوني الآثار الناتجة عن هذه الأعباء في أكثر من مجال، وسيظل الكيان الصهيوني محكوماً بمتابعة مشروعه الصهيوني وخاصة في ظل تدفق موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وبمقدار ما يحشد العرب من إمكانيات ذاتية توّفر لهم القدرة على المواجهة، بمقدار ما يقترب العرب من تحقيق هدفهم المنشود.
وتبقى القضية الفلسطينية قضية أرض و هوية و انتماء، وحق العودة والتعويض للاجئين هو حق سياسي وقانوني يجب عدم التنازل عنه أبداً، لشعب عظيم، خاض معارك ولازال حتى يومنا هذا ليستعيد مكانته، ويصنع النهضة ويتابع قيامه بالدور الحضاري التاريخي الواسع، لكنه يحتاج لمساندة قوية من الدول العربية والجامعة العربية، وقرارات حازمة تجاه الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة ، التي فشلت في ارغامه على تنفيذ قراراتها .
([1]) يعود الفكر الاسترجاعي إلى العقيدة المسيحية عن عودة المسيح المخلص في آخر الأيام ليحكم العالم مع القديسين مدة ألف عام يسود فيها العدل والسلام. وحسب ما يرى الاسترجاعيون فإن الخلاص لن يكون إلا باسترجاع اليهود لفلسطين ليتم تنصيرهم فيها. شهدت العقيدة الاسترجاعية انتشاراً واسعاً بين الإنجيليين في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. انظر: جزماتي: حسام، علاقة اليهود بالشيوعية منذ ثورة أكتوبر حتى البريسيترويكا، دار فصّلت للتوزيع والنشر، حلب، ط1: 1997، ص 22- 25.
([2]) شمالي: نصر، الدجاني: هشام، الظروف التاريخية للهجرات اليهودية (من خزاريا، إلى أوروبا وأمريكا، إلى فلسطين المحتلة)، دار المستقبل، دمشق، 1990، ص 13-14.
([3])المرجع السابق، ص 14.
([4]) العظم: صادق جلال، دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية، دار الطليعة،1970، ص 25..
([5])الشريف: ماهر، الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين (1919-1949)، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، ط1، 1986، ص26-27.
([6]) صفوة: نجدة فتحي، هجرة يهود روسيا القيصرية (ضمن يهود العالم والصهيونية و"إسرائيل")، مركز الأبحاث، بيروت، 1974، ص77،.
([7]) يهود الخزر: يهود روسيا، كانوا ضد نظام القياصرة، ووقفوا ضد المسيحيين، حافظوا على لغتهم اليديشية (العبرية القديمة فيها جذور الألمانية)، عملوا في المال والتجارة والإعلام، وانعزلوا عن النسيج الاجتماعي داخل المجتمع الذي عاشوا فيه. انظر: السحمراني: أسعد، "إسرائيل" الأولى (بيروبيجان)، دار النفائس، بيروت، 2004.
([8])اللغة اليديشية: هي ألمانية العصور الوسطى، بعد أن دخل عليها بعض المفردات العبرية و السلافية، وتكتب بحروف عبرية، وكان يهود شرق أوروبا يتحدثون بها. انظر: المسيري: عبد الوهاب، الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى، سلسلة اقرأ الثقافية، العدد 661، دار المعارف، القاهرة، ط1، 2001، ص11.
([9])الشريف: ماهر ، مرجع سابق، ص28.
(10) "الشرق الأدنى": المنطقة الواقعة جنوب وغرب آسيا، حيث يحدها شمالاً روسيا والبحر الأسود، وشرقاً الهند، هو منبع الحضارات القديمة، عمل سكانه بالزراعة، و نشأت فيه أولى الحكومات المركزية، و أولى الإمبراطوريات و أولى القوانين المنظمة، ووضع سكانه أساسيات علوم الرياضيات. انظر: ديورانت: ول، قصة الحضارة، ترجمة، بدران: محمد، دار الجيل، بيروت، 2002، ج2، ص 45.
([11]) ماركس: كارل، رأس المال، ايفريمانز، لندن، 1951، ص807.
([12])م. ريجنكوف.أ. سليمانسكايا، بلاد الشام ولبنان وفلسطين في النصف الأول من القرن التاسع عشر، (مذكرات رحالة)، راجعه وقدم له: ضاهر: مسعود، بيروت، دار النهار، 1993، موسكو دار ناؤوكا، 1991، ص98.

