Menu

القدس: نحو جغرافية ثقافية مقاومة

هنادي لوباني  

في كتابه مدينة بيضاء، مدينة سوداء: أسلوب بناء وحرب في تل أبيب ويافا،[1] يستخدم شارون روتبارد توصية لجنة التراث العالمي لليونيسكو في حزيران من عام ٢٠٠٣، بوضع "تل أبيب"، أو كما تسمى بـ "المدينة البيضاء"، على لائحة مواقع التراث العالمي الرسمي كلحظة تحول فيها المكان إلى جائزة في الصراع حول الجغرافيا، الذي بتوصيف إدوارد سعيد «ليس صراعاً حول العسكر والمدافع وحسب بل هو أيضاً صراع حول الأفكار، والأشكال، والصور، والمتصورات»،[2] وأداة يسعى من خلالها من يفوز في هذا الصراع لأن يرسي ويثبت ذاته وكيانه القومي. يوظف روتبارد التهافت الإسرائيلي للاعتراف بـ "تل أبيب" كمدخل لتفكيك مركزية الهندسة المعمارية في سردية وسياسة العلاقات المكانية الإحلالية، التي تشكل جوهر الكيان الاستعماري، دولة ومجتمعاً، والقائمة على سياسة التهجير والتدمير من جهة، والبناء والتهويد من جهة أخرى. وظفت هذه السردية التخطيط والهندسة المعمارية كأداة حرب واضطهاد وإقصاء للسكان ومحو للمعالم الفلسطينية للمكان، وهكذا تحولت "تل أبيب" إلى مانيفستو مكاني، هدفه إنشاء تاريخ التاريخ للعمارة الإسرائيلية من خلال أسطرة المدينة وتراكيبها كـ "أول مدينة يهودية صافية" أقيمت في العصر الحديث، وكنقطة تدشينيه أو نقطة الصفر ـ اللحظة التي بدأت منها العمارة الإسرائيلية، وكواحدة من آليات تشريع وجودها عن طريق: (١) طمس عملية التطهير العرقي الذي مارسته العصابات الصهيونية على أهل يافا، طردهم ومحاصرتهم وإلقائهم في البحر، حيث قضى الآلاف منهم، ومن ثم تدمير ومحو مدينة يافا الفلسطينية وقراها، وإلغائهم من الوجود، وتحويلهم إلى كثبان من التربة السوداء؛ (٢) بناء المدينة الصهيونية المصطنعة على يافا لم تعد قائمة في الواقع، وتشييدها كـصفحة بيضاء، تابيولارازا، أقيمت عليها مساكن بشعة من الكونكريت، وبلغة معمارية أطلق عليها "العمارة الأممية"، international architecture، لمدرسة البهاوس، وما هي إلا تعبير معتمد لربط "تل أبيب" بمركزها الغربي من خلال إضفاء صفة "الحداثة المتمردة" على المحلية "التقليدية" الشرقية "المتخلفة" بحسب زعمهم، وهكذا تداخل في "تل أبيب"  الهندسة الحداثية بالعسكرية، والاستعمار الإحلالي، والتوسع الرأسمالي في رزمة واحدة.

كتاب روتبارد يفتح المجال لأخذ لحظة الاعتراف الأميركي ب القدس كـ "عاصمة موحدة وغير قابلة للتجزئة" لـ "إسرائيل"، والتهافت الإسرائيلي لقوننتها من خلال الهرولة نحو التطبيع مع النظام العربي الرجعي كمدخل لتفكيك الخطاب الصهيوني حول القدس، وسياسة الكيان الصهيوني القائمة على إخضاع المكان وامتلاكه وتهويده. وكما تمت عمليات السلب والنهب للبيوت والممتلكات لغربي القدس، وطرد وتهجير سكانها الفلسطينيين، وتسارعت عمليات السيطرة عليها بهدف تهويد المكان ومحو هويته الفلسطينية، تشتد اليوم قبضة الكيان على شرقي القدس عبر عمليات التهجير والطرد، سحب الهويات والإنذارات، هدم البيوت ومصادرة الأراضي والعقارات، والتغلغل الاستيطاني بين وداخل الأحياء الفلسطينية. تسعى هذه الانتهاكات والتعديات اليومية والممنهجة إلى تهجير وإقصاء وطمس الوجود العربي الفلسطيني في شرق المدينة بهدف الوصول إلى الإعلان عن "القدس الكبرى"، التي تجسد جوهر المخطط الإسرائيلي المتمثل بالمد من "القدس الموسعة" (١،٢٪ من مساحة الضفة الغربية) إلى "القدس الكبرى" (١٠٪ من مساحة الضفة)، وتقسيمها عنصرياً على أساس تحويل الفلسطينيين إلى أقلية لا تتجاوز نسبتهم ١٢٪ من المجموع الكلي لسكان المدينة، مقابل أغلبية يهودية يتم إحلالها في المدينة ومحيطها.[3] الإعلان الأميركي عن صفقة القرن تبنى بشكل رسمي هذا المخطط الإسرائيلي لـ "القدس الكبرى"، وقوننه من خلال التطبيع مع النظام الرجعي العربي لفرض المخطط الصهيوني على مدينة القدس كأمر واقع داعم لـ "شرعية" الكيان، ووجوده، وملكيته للمكان.

تأخذنا هذه المقدمة إلى المسار الدائري المركب في جدلية التهجير/التدمير/المحو والبناء/الاستكتاب/التهويد ـ مسار لا يشكل حدثاً عارضاً أو عابراً في المشروع الصهيوني الإحلالي على أرض فلسطين بقدر ما هو "بنية متجذرة"، وفق تعبير خالد عنبتاوي،[4] لا تستقيم دونها حلقات الوصل التي تهدف إلى مخاتلة الهوة بين المكان والجغرافيا، الزمان والتاريخ، بين يافا/"تل أبيب"، وبين القدس/"القدس الكبرى". وإذا مثل تكالب الحملات العسكرية على القدس واستعمار فلسطين الحاضن للمشروع الصهيوني، فان اعلان ترامب حول القدس ما هو إلا حلقة جديدة في سلسة هذه الحملات الاستعمارية لاستملاك القدس/فلسطين للسيادة اليهودية وبعثها صهيونياً.

يذكرنا التاريخ ان اعلان ترامب حول القدس أتى في نفس الشهر لذكرى وصول القنصل الفرنسي على متن القطار التجريبي الأول لمشروع السكة الحديدية بين ميناء يافا وباب يافا (باب الخليل) في القدس عام ١٨٩١. سكة يافا ـ القدس لم تكن لا عثمانية ولا فلسطينية، بل كانت «سكة استعمارية أوروبية في فلسطين العثمانية»، وسابقة في التاريخ للخط الحديدي الحجازي العثماني ما بين دمشق والمدينة المنورة، وغير متصلة به في معظم تاريخها.[5] أنشأت السكة بتمويل فرنسي، أدارت عائداته المالية عائلة تشيولنسي اليهودية لصالح الشركة الفرنسية تحت الإشراف الإداري لمجموعة من المهندسين الفرنسيس، والذين كانوا أعضاء دائمين في المحفل الماسوني المؤسس الثاني في يافا في العام ١٨٧٠، وبقضبان وملاقط حديدية فرنسية وبلجيكية، وقاطرات بخارية من صناعة أمريكية، وقوة عمالة فلسطينية ومصرية وسودانية وجزائرية.[6] وما ان أمر ترامب ببدء التحضيرات لنقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس حتى رحب نتانياهو بالقرار معتبره "حدثاً تاريخياً"، تماماً كما تهافت القناصل الأجانب والمسؤولون العثمانيون في ٢٦ أيلول، ١٨٩٢ لتدشين تلك "اللحظة التاريخية" لافتتاح مشروع السكة الفرنسي ـ الأمريكي رسمياً وبدأ انطلاق القطارات بين ميناء يافا والقدس، فيما وقف وزير المواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في ٢٠ أيلول، ٢.١٨ مفاخراً بافتتاح خط القطار السريع، الذي اعتبره "لحظة مجيدة" في تاريخ "إسرائيل"، عنوانها «الحج "علياه" من "تل أبيب" إلى "أورشليم"»، أي من "عاصمة" الكيان الدنيوية الحداثية إلى "عاصمة" الكيان الدينية التوراتية، مستعيداً بهذا خطاب بن غوريون في ٧ آب، ١٩٤٩ في حفل استقبال القطار الأول إلى "القدس الغربية"، والذي  بزعمه كان بمثابة «الحج نحو القدس في عصرنا، بعد استئناف كينونتنا القومية في أرضنا».[7]

بالتوازي مع هذه الخطابات المنتشية، تتكاثر سرديات المؤرخين والشعراء والروائيين والفنانين العرب والفلسطينيين حول القدس، والتي عادة ما تتجلى في صور عاطفية ونمطية وبعيدة عن واقع المدينة اليومي وحمولة ساكنيها الوطنية والوجودية، فيما تنهمك القيادات العربية والإسلامية بتراشق التبجيل والتبرك بالجغرافيا المقدسة للمدينة، والتي توظف الموروثات "الإسرائيلية" والصليبية وتعترف بهما لاهوتياً، في حين تتنصل القيادة والسلطة الفلسطينية من قضية القدس بإرجائها إلى أجل غير مسمى. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا: كيف نستمسك بخيط العلاقة الذي يربط بين يافا و"تل أبيب" وبين القدس و"القدس الكبرى" في قراءة لا تسهم فقط في إضاءة السياسات الصهيونية المكانية تجاه القدس، بل وأيضاً في تفكيك الجغرافيا الصهيونية بهدف تقويض راهنها الاستعماري الإحلالي على أرض فلسطين؟ وفي خضم نكوص المجال السياسي وعقم خياراته، هل ينكشف في ما يُغاير السياسية مورد جغرافية ندية قادرة على الانزلاق واختراق الحدود من أجل انكشافها في السياسة ذاتها؟ وما هي الميادين والمجالات والمحددات التي ينطلق منها هذا المورد؟

عن أي قدس نتحدث؟

لا بد أن نؤكد بداية ان المعركة التي تدور اليوم في/على القدس ليست معركة بين شعبين وتاريخين وهويتين، كما يروج لها مثقفو نظرية نسبية الحقائق الأخلاقية ومرضى البراغماتية الأخلاقية الذين يدمغون الحقائق بما يلائم ذرائعهم السياسية وتشوهاتهم القيمية؛ بل القضية الأكثر بعداً في مدلولاتها الصراعية؛ فهي التجسيد العملي للنكبة الفلسطينية المستمرة، وساحة الاشتباك المركزية بين جغرافيا استعمارية صهيونية، تهدف إلى تحقيق مشروعها الإحلالي على القدس/فلسطين وسرديته التوراتية عن "المدينة والأرض الموعودة" من جهة،؛ وجغرافية ندية قائمة على مشروع فلسطيني عربي تحرري يسعى إلى استعادة الحقيقة والحقوق التاريخية في القدس لمواطن الأصالة الفلسطينية العربية من جهة أخرى.

ولكن عن أي قدس نتحدث هنا؟ هل عن القدس التي بناها الفلسطينيون القدامى في الألف الرابعة قبل الميلاد، أي قبل ظهور اليهودية بنحو ثلاثة قرون، وهي بذلك مدينة تاريخية ودينية وثقافية طاعنة في عمق حضاري تعاقب عليها الكنعانيون واليبوسيون العرب والفرس والفراعنة والرومان والعثمانيون وغيرهم من الحضارات الإنسانية المدججة بالتنوع الثقافي واللغوي والتاريخي؟ هل نتحدث عن القدس التاريخية، بغربها وشرقها، كأرض محتلة تسري عليها أحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على السلطة المحتلة طرد سكانها، أو استيطان أرضها، أو نزع ملكيتها، أو المساس بوضعها الحضاري والجغرافي والديمغرافي؟ هل نتحدث عن القدس في الشرعية الدولية، اعتباراً من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٨١، الذي ينص أن السيادة على القدس معلقة، واقترح أن تكون القدس ومشارفها كيان مستقل تحت نظام دولي خاص تديره الأمم المتحدة؟ ام هل نتحدث عن القدس في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٢٤٢، الذي ينص على الانسحاب من "القدس الشرقية" باعتبارها ضمن الأراضي التي احتلت في ١٩٦٧، وليس على الجزء الغربي من المدينة الذي احتله الكيان في ١٩٤٨، وأعلنه بصورة غير مشروعة عاصمة له منذ عام ١٩٥٠، ورسمياً في ٣٠ تموز ١٩٨٠؟ هل نتحدث عن القدس في المادة ٣١ (٥) من اتفاقية أوسلو، التي توضح أن القدس هي إحدى قضايا الوضع الدائم، وما يصاحبه من توضيح من دائرة شؤون المفاوضات بأن «مطالبة الفلسطينيين بأن تكون القدس عاصمة دولة فلسطين لا تعني بالضرورة وجوب أن تكون لفلسطين السيادة على كامل المدينة... وأنه لدى الجانب الفلسطيني في الماضي وربما في المستقبل الاستعداد لقبول حل لمستقبل المدينة لا يشمل السيادة الكاملة مثل التدويل، السيادة المشتركة، أو مدينة مقسمة يكون لكل دولة سيادة على القسم الخاص بها بحيث تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية»،[8] في تلاعب لغوي يرفع شعار "القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية" فيما يعاد تعريف فلسطين لتصبح أقل من ثلث الضفة الغربية، وتختزل السيادة على القدس إلى قضية مقدسات، وحرية دينية بعد نزع البعد السياسي الوطني عنها، ولربما على طريق تعريف "القدس الشرقية" بحي من أحيائها؟! هل نتحدث عن القدس التي دعا خبراء الأمن القومي الصهيوني بعد هبة باب الأسباط الى توسيع الوصاية الإسلامية على مسجدها الأقصى لتشمل دولاً إسلامية تساهم في الحفاظ على الأمن في منطقته، وما يشكله هذا كمدخل لعملية المفاوضات هدفها الوصول من خلال التطبيع، الذي بات يُمثل الأداة العملية في بناء التحالف العربي الصهيوني، لتصفية القضية الفلسطينية؟

لأسباب كثيرة يفترض بنا أن نحدد عن أي قدس نتحدث وأن نأخذ المكان على محمل الجد. هنا لا بد من التأكيد على ان الممارسات الصهيونية المشبعة بإرادة التوسع والسيطرة والهيمنة على شرقي القدس هي جزء من جغرافيا تخيلية صهيونية اتكأت على سردية توراتية واستشراقيه واستعمارية إحلالية عمدت مما قبل ١٩٤٨ إلى إعادة تشكيل الجغرافيا المدينية، وفرض أمر واقع عززته بالقوانين، وحولته لاحقاً إلى أيقونة سردية تزعم بأن القدس هي "العاصمة التاريخية" لـ "إسرائيل" و"العاصمة الروحية" لليهودية، وتدعم ملكية الكيان الصهيوني لتلك "الأرض الموعودة"؛ وبالتالي، ان تحليل هذه الجغرافيا التخيلية في شرقي القدس هو تحليل لسياقات مركبة، ولكن ضمن مشروع واحد يهدف إلى تهويد القدس/فلسطين التاريخية وتشويه حقيقتها زمانياً ومكانياً.

المنعطف المكاني والجغرافيا التخيلية:

ساهم المنعطف المكاني، Spatial Turn، الذي دشنه ميشل فوكو وهنري ليفيفر وتم ترسيخه لاحقًا بواسطة إدوارد سوجا، إلى اعتبار المكان كمكون أساسي في العلاقة بين المعرفة والسلطة، أي في نظم إنتاج المكان وصياغته وتمثيله سردياً، وتشكيله مادياً من خلال الممارسات الجيوسياسية، بما فيها الاحتلال العسكري، والآليات القانونية، والتخطيط العمراني، والهندسة الديموغرافية، والتي يتم توظيفها كجزء من عملية اختراع الذات القومية وبما يخدم مصالح السلطة المسيطرة. كان إدوارد سعيد قد أرسى القاعدة النظرية لهذا المنعطف عن طريق مفهوم الجغرافيا التخيلية، Imaginative Geography، والذي ابتدعه كمفهوم مبني على أهمية تأويل وفهم المكان في تفكيك الابتناء الاستعماري لفضاء الآخر المكاني.[9] والواقع ان الجغرافيا هي توصيف غير مكاني، وان اكتسبت ثبات معناها وكليته من خلال السرديات التخيلية للمكان، أي عبر تمثيله في اللغة والنصوص التي تنتج صور نمطية عنه، واستحداث القوانين والأدوات والممارسات المؤسساتية لتحقيقهم على واقع أرضه، ومن ثم بكل ما هو مستبعد من نظمهم التمثيلية. إذاً، الجغرافيا، كميدان للمعرفة/السلطة، هي وضع «استراتيجي مكتسب ومرسخ تقريباً في مجابهة ذات مدى تاريخي طويل بين خصوم معينين».[10] ولا أدق عن هذا إلا قول المعماري الإسرائيلي رام كارمي: «اننا لا نخطط التضاريس الطبيعية فحسب، بل التضاريس الذهنية في نفوس البشر، أيضاً».[11] 

والواقع أيضاً انه لا يمكن فصل المكان عن الزمان، إلا ان الرابط بين المكان والزمان ليس جوهري أو تتابعي أو ظاهري، بحيث يكون الماضي سلسلة متصلة من التقدم ومفتاح المكان المتخيل في الحاضر، أو كأن كل ما في التاريخ هو حقيقي ولا يطاله شك، لأنه وقع وانتهى؛ فالتاريخ ليس ما وقع ماضياً، بل ما هو واقع في ماض مستمر في الحاضر ومتجه إلى المستقبل، كما ان التاريخ ليس واحداً، إذ ما زال هناك المغيب والمسكوت عنه في بطون التاريخ. وان التاريخ الرسمي هو أكثر أنواع التاريخ سيادة، فذاك لأنه أصطنع لأغراض السلطة؛ انه خطابها حول ذاتها ومجالها المفضل الذي تطور فيه مشروعيتها، أو بوصف والتر بنيامين، وثيقة بربرية ولسان حال الآحاد الذي يصب في خدمة مصالحهم، غير آبه بذكريات وتجارب وسرديات وتضحيات وآلام العموم الكادحة.[12] التاريخ شبكة معقدة ومركبة من السرديات والعلاقات والعلائق المتداخلة بها، فـ «حيث لا يوجد سرد، لا يوجد تاريخ» بتوصيف بنديتو كوتشه. وبالتالي فان، مفهوم المنعطف المكاني والجغرافيا التخيلية لا يتجاوزان الزمان، بقدر ما هما «تزمين»، بتوصيف بول ريكور، وتأريخ لتاريخ آخر ولذاكرة مغيبة، عودة نقدية للتاريخ وقراءة تفنيديه بـ «انتظار المستقبل وتلقي الماضي وتجربة الحاضر، من دون الإلغاء في كلية يتطابق فيها العقل التاريخي مع واقعه».[13] إذاً ليس القصد في الجغرافيا التخيلية التخلص من التاريخانية، بل التداخل بين المكان والزمان والنص، ورفع درجة هذا التداخل للتأكيد على سردية المكان القابضة على تاريخ آخر، ولإنتاج جغرافية ثقافية ندية: تحفر في الثغرات وتفجر مواضع التخلخل فيهم، وتكشف المغيب والمخفي والمهمش، وفي تفكيك لمواقع التلفيق والتزوير والألاعيب الاستراتيجية ومخاتلات النص للمكان والزمان، وفي سعي لتقويض المركزي والأحادي والسلطوي وغيرها من المعطيات التوسعية التي تنطوي عليها السرديات الاستعمارية.

في التقاط ثالوث العلاقات بين المكان والزمان والنص في منظومة المعرفة/السلطة، يسعى إدوارد سعيد إلى تفكيك الخطاب الاستعماري القائم على منطق القوة والهيمنة، وآليات التمثيل التبايني والإقصائي على المستوى المادي، الذي يعني الأرض وتمزيقها، واقتطاعها، وإقصاء وتشويه تكويناتها، وطمس معالمها التي تعد شاهداً على هوية ثقافية غير مرغوبة، أو ينبغي تصفيتها وإنهاؤها، كما على المستوى السردي الذي تبنى بواسطته الذوات المستعمِرة والمستعمَرة في ثنائيات الغرب والشرق، الذات والآخر، المركز والهامش، واحتل المستعمِر فيها القطب الأول. في نظر سعيد إذاً، المشروع الاستعماري هو منظومة معرفية سلطوية تتجسد وتتحقق عن طريق المد والعنف الجغرافي، الذي يعمد إلى تأسيس نفسه في التاريخ وعلى الأرض والإنسان والهوية على السواء.

جغرافيا القدس التخيلية واحتلالها:

في عام النكبة، سيطر الكيان الصهيوني على الجزء الغربي من مدينة القدس، الذي كان يشكل نحو ٩٠٪من مساحتها آنذاك، فيما بقي شرقي المدينة تحت السيطرة الأردنية، وهو ما مساحته ٢،٣ كيلو متر مربع.[14] وما أن سقطت الأحياء الفلسطينية غربي القدس بيد العصابات الصهيونية حتى بدأت عمليات طرد كل سكانها الفلسطينيين، الذين يعيش العديد منهم الآن في شرقي القدس، كما عمليات السلب والنهب لمنازلهم وممتلكاتهم والاستيلاء عليها، واسكان المهاجرين اليهود الجدد فيها بهدف منع عودة أصحابها الأصليين. أغرقت غربي القدس في التاريخ والرموز التوراتية في سعي لتعرية أثر المكان القديم، واختلاق روح جديدة له، وإلباسه الحلة الصهيونية، وامتلاك محيطه المادي. تحولت أحياء البقعة الفوقا، والبقعة التحتا، والقطمون، والطالبية، والوعرية، والكولونية الألمانية، والكولونية اليونانية، وحي النمامرة، والشيخ بدر، والراتزبون، ومأمن الله، والمصرارة، والنبي داؤود من شواهد على عراقة الحياة الفلسطينية، وحداثة عمرانها الحضري، ومستواها المعيشي المترف إلى أحياء يهودية إسرائيلية بشوارع بأسماء عبرية، تكتظ الكنس على شوارعها، وعمم عليها بشاعة وفجاجة الزوائد المعمارية لحي "مئة شعاريم" (حي يهودي أقيم خارج الأسوار القدس في المصرارة في الفترة الواقعة بين ١٨٧٤ و١٨٨٢ لمجموعات من المتدينين المحافظين)، في استكتاب ينافي طابعها الشرقي المحلي. وتحول القطمون من حي فلسطيني إلى حي يهودي إسرائيلي خلع عنه اسمه العربي وتاريخه، وألبس اسماً عبرياً جديداً، "غونين"، وتحولت الكنيسة الكاثوليكية فيه إلى عيادة طبية وتهودت معالمه. وفي ١٩٥٠، أعلن بن غوريون القدس الغربية عاصمة الكيان، وبدأت حكومة الكيان بنقل مقارها ووزاراتها إلى القدس الغربية، منجزة العملية في ستينات القرن الماضي حيث تم تدمير قرية الشيخ بدر ليقام مكانها مكاتب وزارة الخارجية وفنادق ومباني الحكومة، الكنيست والبنك المركزي. وشهدت غربي القدس عملية تنشيط عمراني أدى إلى اتساع رقعة المدينة باتجاه فضائها الريفي الجنوبي والجنوب الغربي، حيث تم بناء أحياء جديدة ومستوطنات لاستيعاب المستوطنين اليهود ("كريات يوفيل"، و"كريات مناحم"، "عير غانم")، على أنقاض القرى الفلسطينية المصادرة إضافة إلى ضم قرى عين كارم وبيت صفافا ودير ياسين ولفتا والمالحة إلى مسطح المدينة.[15]

أدت نكسة حزيران ١٩٦٧ إلى إحداث أهم التغييرات الدراماتيكية في ترسيم القدس التاريخية. بعد سبعة عشر يوماً من احتلال شرقي القدس، عملت حكومة الكيان على تنفيذ قرار الكنيست بإلغاء بلدية القدس العربية بعد أن اتخذ قراراً بضم المدينة إلى "دولة إسرائيل" بحدود البلدية الأردنية، والتي ضمت البلدة القديمة، وقطاعاً عرضياً على طول الجانب الشرقي لسور المدينة، بالإضافة إلى أحياء باب الساهرة، ووادي الجوز، والشيخ جراح من الناحية الشمالية، ولاحقاً تم ضم سلوان، ورأس العمود، والصوانة، وأرض السمار والجزء الجنوبي من قرية شعفاط، كما باقتطاع مساحات واسعة من ٢٨ قرية تم ضم بأكملها أو جزء منها إلى حدود "بلدية" القدس، وكانت جزءاً من الأراضي المضمومة مقتطعة من حدود بيت لحم وبيت جالا. وهكذا تم توسيع حدود "البلدية" بعد احتلال كامل مدينة القدس إلى أكثر من ٧٢ كيلومتراً مربعاً لتصبح المساحة الإجمالية تقريباً ١٢٦ كيلومتراً مربعاً منذ النصف الثاني من عام النكسة.[16] ومنذ الساعات الأولى للاحتلال بدأت السياسة الصهيونية بتهويد القدس وفرض أمر واقع جديد. أقيم الطوق الأول من سلسلة المستوطنات ("رامات أشكول"، و"جفعات همغتار"، و"التلة الفرنسية"، و"الجامعة العبرية"، و"بسكات زئيف"، و"بسكات عومر"، و"النفي يعقوب"، و"راموت"، و"ريخس شعفاط"، و"تلبيوت الشرقية"، و"جيلو")، والتي تحيط القدس من أعالي الجبال والتلال وعلى أراضي خصبة فوق أو قرب الأحواض المائية الجوفية.[17] تتلوى هذه المستوطنات كأفعى حول المدن الفلسطينية والقرى والمخيمات، وتطوقهم بأحكام، وتفرض قيوداً  تمنعهم من التوسع والنمو والتطور، وتتوسع كخلايا سرطانية تضييق الخناق عليهم، وتحشرهم في مساحات ضيقة ومحدودة. وبتشجيع مالي وخدماتي واقتصادي، تم اسكان مئات ألوف المستوطنين بهدف إحداث خلخلة في الواقع الجغرافي والديمغرافي في القدس.

في البلدة القديمة، يوجد ١٩ بؤرة استيطانية، عدا عن البؤر المبنية على أسطح المنازل الفلسطينية. بعد حرب حزيران مباشرة، شرع الكيان إلى استحداث الحي اليهودي على أنقاض خمس حارات مقدسية، منهم حي المغاربة وحارة الشرف والسلسة والميدان، وقد تم تدميرهم بمعظم منازلهم ومتاجرهم وآثارهم وبنايتهم، ومن بينهم جامع البراق وجامع المغاربة ومدرسة الأفضلية والزاوية الفخرية ومقام الشيخ، وبعد طرد ثلاثة آلاف من سكانهم الفلسطينيين. وتم توسيع الحي من الناحية الجنوبية على حساب حارة الأرمن والنصارى، لتكون مساحته ما يزيد عن ١٢٠ دونماً، أي ستة أضعاف ما استأجره وتملكه اليهود في فترة الانتداب البريطاني، وزرع فيه حوالي ٢٥٠٠ مستوطن يهودي.[18] واستولى الكيان على حائط البراق، وهو الحائط الغربي للمسجد الأقصى، بحجة ارتباطه بهيكلهم المزعوم، وعلى رباط الكرد، المعروف بإسم حوش شهابي والواقع على يسار الداخل من باب الحديد للمسجد الأقصى وأقرب نقطة إلى قبة الصخرة، لبناء "حائط المبكى الصغير" لصلاة النساء و"الإصلاحيين اليهود"، والذين يرفضون الصلاة في حائط البراق بسبب خلافاتهم مع الطوائف اليهودية الأخرى؛ وصادر الكيان جزء من سوق الباشورة، الذي تم تهويده لـ "سوق الكاردو" بعد اغلاقه ببوابة حديدية عن الباشورة.[19] وقسمت البلدة القديمة إلى أربعة أحياء رئيسية على أسس دينية وإثنية بعكس تطورها العضوي المختلط عبر القرون؛ فالبلدة القديمة لم تكن على مر التاريخ مقسمة على هذا الشكل، حيث لم يكن هناك أماكن محددة للمسلمين أو المسيحيين أو الأرمن، وهذه التسميات لم يكن متعارف عليها بثقافة أهلها، وتهدف لتهديد كيانهم الملون وواقعهم في الاختلاط والتعايش بين الديانات والإثنيات المختلفة (صوفيين، فلاحين، لاجئين، خلايلة، مغاربة، أفارقة، سريان، أرمن، أكراد، يونان، أحباش، أقباط، لاتين، موارنة).

في المسجد الأقصى، تكثر اعتداءات واقتحامات جموع المستوطنين خلال الأعياد اليهودية والاجتياحات الشبه يومية لـ "المتدينين القوميين" بهدف الاستفزاز وليس العبادة، ناهيك عن مقتحمي الأقصى من المطبعين العرب.[20] وفي محاولة لإيجاد دليل على الهيكلين الأول والثاني، بدأت الحفريات الصهيونية حول المسجد الأقصى من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية، فوق الأرض وتحتها، ما أدى إلى تدمير ممنهج لطبقات أثرية من الفترات الأموية وحتى العثمانية، وتحويل الأنفاق إلى ملاجئ وأماكن للقيادة الصهيونية ومنشآت استيطانية تحتوي على كنس ومزارات، كما إلى إحداث تشققات وانهيارات في جدران وأرضيات ومباني المسجد الأقصى، ومباني القدس القديمة وآثارها وعقارات الوقف والأسواق، حيث انهارت أجزاء من الأرض قرب مدخل سوق باب الخان وسوق العطارين، الذي يواجه مخططًا لمسار سياحي يهدف إلى بناء متنزهات ومطاعم، فيما يعاني تجار سوق اللحامين من إغلاق لأكثر من نصف المحلات التجارية فيه لإقامة جدار الفصل العنصري.[21] وبعدما توضح من الحفريات وعلوم الآثار أن لا إثبات في الأرض لما تسطره التوراة عن حكايات "الآباء" ومواقع وممالك بني إسرائيل في فلسطين، جاء شلومو ساند ليؤكد في كتابه اختراع الشعب اليهودي أن القومية اليهودية المخترعة على مصطلح وعد الرب بـ "إسرائيل" على أرض فلسطين ما هو إلا ميثولوجيا جرى اختلاقها قبل مئة عام، وحولتها الصهيونية إلى مصطلح جيوسياسي لمساحة معينة من الأرض تعترف بها الأمم المتحدة، ولكن لا يعرف إلى الآن ما هي حدودها.[22]

بعد كل هذا أتت مرحلة ترسيم حدود "القدس الكبرى"، والتي تشمل إضافة أراض تبلغ مساحتها ما يعادل ١٠٪ من مساحة الضفة الغربية، وجري فيها البناء لشبكة من المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية ("غوش عتصيون"، و"إفرات"، و"معاليه أدوميم"، و"جبعات زئيف"، و"فار عتصيون"، و"روش تسوريم"، و"ألون شيفوت"، و"نفي دانيال"، و"أليعازر"، و"بيت عين"، و"إفرات"، و"بيتار"، و"عيرغانم")، والحواجز وبرج المراقبة وجدار الفصل والطرق الالتفافية بهدف التواصل الجغرافي بين المستوطنات في القدس، ومع المستوطنات في الضفة الغربية، ومع الداخل الفلسطيني المحتل في الـ ٤٨.[23] يمتد جدار الفصل العنصري حول القدس ويحاصرها من جميع جوانبها بمسار طوله نحو ٢٠٢كم. [24] يضم الجدار ١٢٠ ألف مستوطن لمدينة القدس، ويهدف لاستيطان ١٠٠ ألف سنوياً. يقوم الجدار بتجزئة الأحياء الفلسطينية في القدس، ومحاصرتها، وتحويلها إلى تجمعات سكانية معزولة ومنفصلة عن بعضها البعض، وعن الضفة الغربية، بعد اغلاق معظم الطرق الفرعية معها، كما بالتهام أكثر الأراضي خصوبة في الضفة الغربية. والأهم ان الجدار يعزل ١٥٠ ألف فلسطيني مقدسي عن المدينة، ويسعى استراتيجياً إلى تحجيم الفلسطينيين من ٣٠٪ إلى ١٢٪ من مجموع سكان المدينة، يقيمون على ١١٪ فقط من مساحة أرضها. [25] هذا يؤكد ان الكيان يستند في رؤيته للجدار على نظرية «السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض ضمن أقل عدد من السكان الفلسطينيين»، أي ان دافع التفوق الديمغرافي في القدس هي من أولويات بناء الجدار، الذي يعمل مساره على إخراج الأحياء الفلسطينية في الجهة الشرقية منه، في كفر عقب والزعيم ومخيم شعفاط وضاحية السلام والرام وضاحية البريد، ومستقبلاً العيساوية وصور باهر وشعفاط، إلى خارج "بلدية" القدس ونقلها إلى إطار بلدي وإداري إسرائيلي آخر، في «إزاحة سكانية لا جغرافية».[26]

تحولت الأحياء الفلسطينية إلى جيوب مبعثرة ومتناثرة داخل القدس، غيتوهات يتشرذم الحي فيها إلى حارات والحارة إلى انقسامات طائفية/ سياسية/اجتماعية، ومفصولة عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، في حين تنتشر الأحياء الفلسطينية العشوائية كالفطر عند أطراف القدس على أراض خاضعة رسمياً لنفوذ "البلدية"، ولكنها تفتقر لأي خدمات وأبسط مقومات التنظيم الحضري والطرق والبنى التحتية.[27] في كفر عقب والعيزرية وعناتا والسواحرة ومنطقة راس خميس، تنتشر آلاف الوحدات السكنية المبنية بصورة غير رسمية والغير مرخصة، والتي تعتمد تراكمية أساليب البناء تبعاً لافتقارها لاستراتيجية هيكلية في التخطيط والعمارة. تقف هذه الأحياء كحيز هجين ما بين العمارة الكولونيالية الصهيونية والعمارة الفلسطينية المحلية، إلا انها ليست حالة من الهجانة التي يستبشر بها هومي بابا كـ «فضاء ثالث»، ذاك الحيز الحدودي البيني والمبدع والفعال والذي يتحول إلى «جبهة الترجمة والتفاوض بين المستعمر والمستعر».[28] تقف هذه الأحياء في الواقع كدليل دامغ على شوفينية القوانين والممارسات الصهيونية في القدس، فعلى الرغم من ان ساكنيها «يدفعون ضريبة المباني والمسقفات ("الأرنونا")، إلا أنهم تحت رحمة قرار إداري إسرائيلي قد يحرمهم من حق الإقامة في القدس، ومن الهوية الزرقاء في أي لحظة».[29]

ولعل الحقيقة التي تعنينا هنا هي أن "القدس الكبرى" باتت «قفص حديدي»، كما يصطلح عليه ماكس فيبر، أو بتعبير أصح قفص من الإسمنت المسلح (الخرسانة) المطعم بحقائق العنف التأسيسي القائم على العسكرة الاستعمارية الإحلالية، التي هي ماهية الكيان الصهيوني هندسة وعمارة، تخطيطاً وتنفيذاً، ايدولوجياً وهيكلياً، أداتياً ووظيفياً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، في ظل مركزية الحكم وفي سياق العولمة. وكل هذا بهدف تحقيق وثبيت الجغرافيا الصهيونية التخيلية على أرض الواقع وبسياسات الأمر الواقع، ومن خلال إخضاع المكان والزمان الفلسطيني وامتلاكه وتهويده، ومحاصرة الإنسان الفلسطيني وأسره داخله، فرداً وجماعة، وتحوليهم إلى تابعين تحت رقابتها وسيطرتها.

"القدس الكبرى" وتكنولوجيا المراقبة والتطبيع:

يكشف فوكو من خلال نهجه الأركيولوجي والجينيالوجي ان منظومة السلطة/المعرفة تأسست على علاقات التحكم والإخضاع والهيمنة، التي فرضت صنوفاً من الإلزامات والممارسات والحقوق، وكرست قواعد قانونية وقضائية وإجرائية دقيقة، وابتكرت المؤسسات والخطابات والمعارف والعلوم وتكنولوجيا متعددة الأشكال، بهدف «إرواء شهوة العنف» والرغبة في تحقيق هيمنة شاملة ومطلقة على الجسد والسكان، الأفراد والجماعة.[30] تسعى العقلية السياسية لهذه المنظومة إلى توسيع مجال السلطة بشكل استراتيجي وحيوي، لذا يطلق عليها فوكو مصطلح «السلطة الحيوية biopolitique»، بحيث تتفرع في كل أنسجة المجتمع: تؤسس قواعدها الإجرائية الدقيقة، وتدشن ممارساتها الإدماجية الخاصة وحواجزها الإقصائية المميزة، وتطوق بها الجسم الاجتماعي بأكمله بواسطة آليات التذويت الانضباطية المركزة على الجسد، والآليات التنظيمية المهتمة بالسكان.[31] وإذ بلورت هذه العقلانية السياسية النظام الرأسمالي الاستعماري، فان آلياتها عممت عملياته وسيرورته الاقتصادية في كافة جوانب المجتمع من خلال تكنولوجيا «المراقبة والضبط» التي تشكلت على مستويين: (١) السياسة التشريحية، أو ما يطلق عليه فوكو مصطلح الـ Anatomo-politique، الذي يؤمن إدخال الجسد إلى الآلة الإنتاجية الرأسمالية بالتركيز على تهذيبه، وترويضه، وانتزاع قواه، والنمو المتوازي لطواعيته، ودمجه في أنظمة المراقبة الفعالة وقواعد الانضباط؛ و(٢) السياسة البيولوجية، أو ما يطلق عليه فوكو مصطلح الـ Bio-politique، التي تركز على السكان كقضية سياسية، أي «كمشكلة هي في الوقت ذاته علمية وسياسية، كمشكلة بيولوجية ومشكلة قوة»، وبالتالي  إلى ابتداع ضبط تقنيات واستراتيجيات وآليات وتكنولوجيا إدارة وتنظيم حياتهم. [32]

يخلص فوكو إلى نتيجة مفادها أن يميز النظم السلطوية الحداثية ليست فقط ممارسات وشرائع تغرق الجسد والجسم الاجتماعي في طقوس القتل والعنف الجسدي والخضوع السادي، بل أيضاً منظومة هيمنة وتكنولوجيا ميكروسكوبية تطورية غير متوقفة، تعتمد آليات المراقبة والانضباط، وتستثمر في الأجساد والسكان بهدف تنظيمهم وتوجيههم بما يضمن تحقيق التحكم فيهم والسيطرة عليهم وتطبيعهم، بحسب مصطلح فوكو المفضل. تعمل هذه العلاقات السلطوية على الأجساد عملاً مباشراً، على تفكيرهم ورغباتهم وتصرفاتهم، توظفهم وتأدبهم وتروضهم وتقومهم وتطالبهم بدلالات، ودائماً باتجاه تحييدهم، كأفراد وجماعات عن المشهد السياسي والاجتماعي، وانتاجهم وصناعتهم كرعايا بوعي نضالي مشوه، وذوات وقوى خاضعة وتبعية، مشلولة الإرادة والقدرة والفاعلية على تفكيك النظم السلطوية وآلياتها الترويضية والتدجينية. في كتابه المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، يكشف فوكو عن تطور المراقبة وتقنياتها وأساليبها بحيث أصبحت عنصرا ملازماً للإنتاج والسيطرة، من السجون والمدارس إلى بناء المشاريع المدينية الكبرى، التي تستحدث تقنيات العمارة وأشكال التخطيط والتصميم لزيادة المرئية والفحص المتواصل والدقيق للمكان والأجساد في أدق تفاصيل الحياة اليومية، حتى «ذرات الأحداث والأعمال، والسلوكيات والآراء ـ أي "كل ما يجري"... إلى الحبة الصغرى، وإلى الظاهرة العابرة جداً... اللامتناهي في الصغر».[33] يصبح كل شيء قابل للمراقبة المستمرة والمعاقبة بالقوة في خدمة السلطة، التي تركبهم الواحدة فوق الأخرى في رهان على قدرتها على السيطرة على تشكيل وإدارة المجتمعات، والاستمرار في الزمان والانتشار في المكان، ومن خلال الاستفادة من الابتكارات الحديثة والجديدة لتقنيات التحكم والهيمنة.

يأخذنا هذا الحديث عن التقنيات والابتكارات المرئية في المشاريع المدينية الكبرى إلى توضيح واحدة من أهم ركائز المنظومة السلطوية الصهيونية في "القدس الكبرى": المراقبة. تعمل المراقبة كركيزة أساسية في المنظومة الأمنية الصهيونية، والتي تشكل بدورها العقيدة السياسية العليا لوجود الكيان وتمكينه واستقراره، وتكنولوجيا محورية في استراتيجيته العسكرية في عمل أجهزة الشرطة والمخابرات والاستخبارات العسكرية وحرس الحدود، وداعمة لاقتصاده في صناعة «الأمن الوطني والمراقبة»، والتي تختص بإنتاج التقنية العالية لأجهزة وبرمجيات وتقنيات المعلومات والاتصالات.[34] وان الكيان ما زال يوظف شتى آليات المراقبة التقليدية، مثل تسجيل السكان والإحصاءات السكانية والطبوغرافية ومسح الأراضي، فانه، ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى، قد طور وأدخل حيز التنفيذ عدة مشاريع مراقبة، تتقاطع بشكل وظيفي، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من منظومته القمعية، وتحقيقاً للأمن والعقاب والسيطرة، ومضاعفة جهوده في معاقبة الأفراد بالاعتقالات التعسفية والأسر، والتعذيب، والتصفيات الجسدية خارج نطاق القانون. يستخدم الكيان مختلف أدوات المراقبة كالقرصنة، والتنصت على المكالمات، واختراق الرسائل النصية والبريد الإلكتروني، والطائرات بدون طيار، والبطاقات البيومترية، والروبوتات، والكاميرات التلفزيونية المغلقة المرتبطة بتحليل البيانات عبر الفيديو واللاسلكي، ومراقبة البث الإذاعي والتلفزيوني والصحف والمقالات الأكاديمية، فضلاً عن شبكة العملاء الميدانيين ومساهمة دائرة التنسيق الأمني التابعة للسلطة الفلسطينية. وظيفة هذه الأدوات مجتمعة هي خدمة مخطط الكيان الاستعماري في مكافحة أعمال المقاومة، وإخضاع المجتمع الفلسطيني والتحكم به واحتوائه. وتتولى وحدة الاستخبارات 8200 في القاعدة العسكرية في صحراء النقب مسؤولية المراقبة الشاملة في التجسس الإلكتروني وقيادة الحرب الإلكترونية، من رصد ومتابعة الاتصالات والمراسلات الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والبث الإذاعي والتلفزيوني، والصحف والمقالات الأكاديمية، إلى معالجتهم من خلال خوارزميات التعامل مع البيانات الضخمة Big Data، وتقديمها على شكل تقارير ومعلومات وتقديرات معلوماتية وعملياتية واستراتيجية في عملية صنع القرار وتوجيه سياسات الأجهزة الاستخباراتية، سواء وكالة الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية، الموساد، أو جهاز الأمن العام الداخلي، الشاباك، أو جهاز الاستخبارات العسكرية، أمان.[35]

تمثل البلدة القديمة صورة مصغرة ومكثفة لهذه السياسات في القدس. ففي العام ٢٠١٦، دخل مشروع "مابات القدس" حيز التنفيذ، وهو مشروع مراقبة مرئية بمركز مراقبة رئيسي في مستوطنة "جيلو" جنوب القدس، ويديره طاقم من شرطة ورجال أمن "البلدية". يربط مشروع "مابات القدس" بين مشروعين في البلدة القديمة: مشروع "مابات 2000"، والذي على إثره تم توزيع ٤٠٠ كاميرا مراقبة في دائرة مغلقة في البلدة القديمة، قادرة على رصد ٣٦٠ درجة في محيطها لتعقب وتتبع الحركة، ومتصلة بـ ٣٦ شاشة، يديرها ١٢ ضابطاً على اتصال مباشر بـ ٨٠٠ عنصر من الشرطة وحرس الحدود؛ ومشروع "مابات كيدم 2014"، والذي خصص له ما يقارب ٥٠ مليون "شيكل" لزيادة التركيز الأمني على القدس الشرقية وشراء وتركيب المزيد من كاميرات المراقبة.[36] وبعد تظاهر الفلسطينيين ضد تركيب أجهزة الكشف عن المعادن، وكاميرات المراقبة داخل باحات المسجد الأقصى، واجبار حكومة الكيان على إزالتها، تم ضخ ما يقارب ١٠٠ مليون "شيكل" لتعزيز أعمال الشرطة الأمنية والرقابية، وتحديث وتعزيز نظام المراقبة البصرية.[37] وشمل هذا التحديث، تثبيت برمجية متطورة يُمكنها أن تزود الشرطة بقدرات إضافية في مجال التعرف على الوجوه، والقدرة على رصد ما إذا كان الشخص يحمل سلاحاً، بما في ذلك الأسلحة المخفية، وتقديم ملفات شخصية كاملة عن الأفراد الذين يجوبون شوارع القدس القديمة، بما يشمل "المشتبه" بهم من الضفة الغربية، بالإضافة إلى تركيب شبكة من كاميرات المراقبة المتقدمة المغلقة (LPR)، التي يمكنها قراءة لوحات ترخيص المركبات الثابتة والمتحركة في شوارع البلدة القديمة. [38] تم تنفيذ المرحلة الأولى والثانية من مشروع "مابات القدس"، والذي ربط مركز المراقبة الرئيسي في "جيلو" بـ ١٣٠ كاميرا تابعة لوزارة الإسكان، و٢٠ كاميرا تابعة للجامعة العبرية، و٢٥٠ كاميرا تابعة لـ "البلدية"، و٧٥ كاميرا تابعة لدائرة المواصلات في القدس، و٢٠ كاميرا تابعة لشركة "خطوط إسرائيل"، وبانتظار نشر ٢٤٠ كاميرا على خطوط القطار الخفيف، و٢٠ كاميرا في سلوان، و١٠ كاميرات في مستوطنة "شمعون هتصديق" في الشيخ جراح.[39]

وان تمثل البلدة القديمة صورة مصغرة ومكثفة لآخر ما توصل له الكيان في علم وتكنولوجيا المراقبة في القدس، فان باب العامود بات يمثل بؤرة أمنية مكثفة، بعد أن تحول في السنوات الأخيرة إلى مركز حيوي واجتماعي وسياسي للمقدسيين لوجود ساحة أمامه شهدت على مدار العقد الأخير العديد من المظاهرات والفعاليات الشعبية. بعد هبة باب الأسباط، أدرك الكيان ضرورة تطويق نقاط التجمعات الشعبية في القدس، وإعادة هندستها، وبالذات في البلدة القديمة، وبدءاً بباب العامود. وعليه بات باب العامود اليوم أقرب إلى ثكنة عسكرية، نصبت غرفة مراقبة أمنية على جانب مدخله، وثلاثة أبراج مراقبة عسكرية في الساحة المقابلة للباب، وأضافت برج مراقبة رابع لاحقاً، وغرفة مراقبة موجودة على سطح الباب، ونظام كاميرات مراقبة متكامل يرصد أدق التحركات في المنطقة ومحيطها، بالإضافة إلى وجود الشرطة والجنود الدائم.[40]

لم يشهد التاريخ الحديث مشروعاً استعمارياً أكثر استبدادية ووحشية من المشروع الصهيوني على أرض فلسطين. ولم تعان مدينة من بين مدن العالم ما تعانيه مدينة القدس من السفك والعدوان؛ التهويد، والفصل العنصري السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والهندسة الديموغرافية والجيوسياسية والأمنية؛ مخططات المحو والتهجير، الطمس والإقصاء، التهميش والإهمال؛ وأدوات الضبط والتحكم، والمراقبة والقمع المباشر والاعتقالات اليومية؛ سحب الهويات وفرض الضرائب، هدم المنازل والحيلولة دون منح تراخيص بناء، مصادرة الأراضي والموارد الطبيعية، واستنزاف الطاقات البشرية الفلسطينية؛ أنماط عمرانية قائمة على التنكر وتشويه هوية ومعالم المكان، والتهويد المتأصل في المخيال الصهيوني الرسمي والمدني؛ وخرائط البتر والتدمير، التهجير وبناء الحدود والتخوم الداخلية.

يذكرنا خالد العنبتاوي أنه عندما ندقق في المرادفات لكلمة «حدود» بالعبرية، نجد «أن «خط التماس» أحدها، وهي ترجمة مجازية لكلمة «كاف هتيفِر»، بيد أن «تيفِر» بالعبرية تعني حرفياً «خياطة»؛ فالحدود في المنظور الصهيوني تحمل معنى القطع والقص، كما الوصل والنسج.[41] تتضح عملية القص والوصل هذه في ما يرويه هاني العيساوي، الخبير في شؤون القدس، عن خط الهدنة، الذي تم ترسيمه في ١٩٤٩ أو ما يعرف بـ "الخط الأخضر" الفاصل بين شطري المدينة الشرقي والغربي.[42] شكل هذا الخط ٤.٤٪ من مساحة القدس آنذاك، وأطلق على مساحته اسم منطقة الأمم المتحدة، حيث تواجدت قوات تابعة للأمم المتحدة لا زال مقرها قائماً حتى الآن، و"المنطقة الحرام"، نسبة للحواجز التي كانت تفصل وتحظر التنقل بين شطري المدينة، ما عدا بوابة مندلباوم، وهي المعبر الرسمي ونقطة المراقبة والتفتيش والجمارك التي كانت تمر منها قوافل المؤن الصهيونية إلى جبل سكوبوس، وسمح للفلسطينيين في المناطق المحتلة وبالتحديد المسيحيين بالعبور منها لزيارة الأماكن المقدسة في القدس وبيت لحم خلال فترة أعياد الميلاد ورأس السنة. [43] بعد نكسة الـ ١٩٦٧، قام الكيان مباشرة بإزالة حواجز "المنطقة الحرام" وبتدمير بوابة مندلباوم، وأقام في منطقتها متحف عسكري ومستوطنة "رامات راحيل" و"تلبيوت الشرقية"، كما حياً سكنياً وثلاثة فنادق، بهدف إيجاد تواصل جغرافي بين شطري القدس.[44] وهكذا هي "القدس الكبرى"، توصل غربي القدس بشرقها، ومستوطنات القدس بمستوطنات الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل في الـ ٤٨، وبروابط العولمة، في السياحة والاستثمارات، والتجارة الحرة لاقتصاد مستوطناتها إقليمياً وعالمياً، ولكن بعد قص المكان والزمان والانسان المقدسي عن الزمان والتاريخ والأرض الفلسطينية، وبعد ترسيم خطوط التماس الداخلية لمنع تكون جيوب سكانية متداخلة مع الفلسطينيين.

في دراستها «المقدسيون وانشطار الهوية: من وحي فرانز فانون»، تكشف اليز اغازريان ديالكتيك الاستعمار في نظام الغيتو، الذي يمثل الشكل الحديث للمساحة العرقية العنصرية وترسيم خطوط التماس والحدود والتخوم الداخلية في القدس، وتحقيق كل ما يمكن أن تنجزه السلطة في المراقبة والسيطرة، أمنياً وديموغرافياً. في بحثها عن العلاقة بين تخطيط الحيز المكاني وبين أداء الجسد، ممارساته وتصرفاته فيه، بالإضافة لتأثيراته على الوعي، والهوية والذاكرة، تتبع  اغازريان أجساد الشبان والنساء والعمال المقدسيين التي تمتد خارج الحدود المفروضة في نظام الفصل العنصري، وتتجول وتخترق وتتسلل وتتخفى وتستمتع بالمناطق المنفصلة المكرسة لليهود فقط، وللجانب "اليهودي" غربي المدينة، ولكنها سرعان ما تتعرض لتجليات الرقابة الجسدية والقمع العنصري، وتجد موقعها في سلم علاقات السلطة، وتصطدم بواقع علاقاتها الكولونيالية: «يأخذ المقدسي بالتجول في أسواق القدس الغربية البيضاء، وهناك يعيش نشوة افتراضية. يحسد مستعمره على المساحة الرحبة التي يتحلى بها والشوارع "النظيفة" المؤمنة والمقاهي الحرة. وينظر إلى الإسرائيلي نظرة النقيض. فالإسرائيلي الغربي يتحلى بالمكان والزمان والتعليم والرفاهية ويجول بثقة في الشوارع، بينما يضطر المقدسي لأن يتخفى... [حتى لا] يتعرض جسده لجهنم الرقابة والفحص العنصري... [ولا] يثير الأعصاب العنصرية، من خلال قيامه، من حيث لا يدري، على تلويث نظام الفصل من خلال "مواجهة فضيحة الفصل العنصري بفضيحة الاختلاط"».[45]

تشتد اليوم قبضة الكيان الصهيوني على شرقي القدس وأهلها بشتى آليات التخطيط والهندسة والعمارة، القوانين العسكرية والسياسية والاقتصادية، وآليات القمع والمراقبة والضبط والتحكم بهدف إخضاع المجتمع الفلسطيني، والتحكم فيه واحتوائه، وتشويه وعيه النضالي السياسي، ونزع فاعليته وقدرته على تقويض منظومة الكيان القمعية. يسعى الكيان في جل منظومته الأمنية إلى تشكيل وهم المراقبة المركزية الشاملة والدائمة، مفهوم البانوبتيكون في الرقابة الذاتية، الذي يكتسح أعماق الوعي، ويحكم قبضته على مستوى الجسد، والإشارات، والرغبات، والعادات، والعلاقات، والممارسات للإنسان الفلسطيني، فرداً وجماعة، ويزرع الاحساس بالحصار والخوف والعجز، وهكذا يتم انتاج أفراد يرتبطون بخضوعهم الخاص لسلطة الكيان، ومن ثم يكونون هم أنفسهم وكلاؤه الجاهلون. بعبارة أخرى، تصنع السلطة الرقابية أفراداً يخضعون أنفسهم طوعاً للمراقبة والتطبيع الذاتيين، وتحولهم إلى كيانات طيعة خاضعة لسلطة أعلى، وبالتالي إلى «تجريدهم من كل حرية، باستثناء حرية قبول خضوعهم»، بحسب توصيف لويس ألتوسير.[46] يرصد لنا الأسير وليد دقة، التحول من مرحلة الاحتلال المباشر، الذي يمثل "الحداثة الصلبة"، إلى المرحلة "السائلة" والاحتلال "الشمولي المابعد الحداثي"، الذي يموضع الشخصية الفلسطينية خارج النص، يتنكر لحقوقها ويطمس تاريخها ويشغلها في انقسامات تفصلها عن قيمها التحررية، ويتلاعب بوعيها ويفكك مكوناتها الجامعة بهدف ترويضها وانتاجها كأفراد عارية تماماً وسهلة الاحتلال: تتغير الحدود، وتتآكل المساحة الفاصلة بين العام والخاص، المنزل والشارع، لتصبح أكثر الأمور اعتيادية، مثل الذهاب إلى الأقارب أو الدراسة أو العمل أو المستشفى أو التسوق أو الصلاة، مشحونة وشاقة ومهينة. وفي ظل غياب المشروع الوطني التحرري، وسلطة تمارس سيادتها الديكتاتورية على الشعب مقابل كاريكاتوريتها مع الاحتلال، يعيش الشعب الفلسطيني داخل منظومة البوصلة الفردية، الـGPS  الخاص، كل يبحث عن يقينه ويواجه مصيره بقواه الفردية.[47]

"القدس الكبرى" سجينة نفسها:

صورة فعلاً مرعبة لكل ما يحاول رصد الهندسة الصهيونية لـ "القدس الكبرى". إلا ان من يدقق جيداً في الصورة سيجد أن سردية مغايرة تقبع في وجه كل هذا، قوامها المقاومة في صراع تاريخي مع المشروع والكيان الصهيوني وكفاح شاق وعادل يخوضه الفلسطينيون في مواجهة سياسة التهويد المنهجية المتمثلة بإبادة هوية القدس الفلسطينية العربية. وفي يوم ثلاثاء أطلقت عليه وسائل إعلام الكيان بـ «الثلاثاء الأسود» وأطلق عليه الإعلام الفلسطيني الشعبي عبر وسائل التواصل بـ «ثلاثاء الرد»، جاءت ثلاثة عمليات فدائية رداً على جريمة إعدام الشهيدة فدوى أبو طير على أبواب المسجد الأقصى في وضح نهار ٨ آذار، ٢٠١٦ بإطلاق الرصاص المباشر على جسدها بزعم محاولتها طعن جنود الاحتلال: عملية في القدس نفذها الشهيد فؤاد أبو رجب التميمي عبر الاشتباك الناري، وإصابة جنود وشرطة للاحتلال بشكل مباشر؛ وعملية قام بها الشهيد بشار صالحة بأسلوب الطعن المتنقل في يافا، ومن ثم اجتاح شوارع "تل أبيب" بسكينه. وكرد على تصاعد عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار من قبل الفلسطينيين، نظم معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني في ١٣ كانون الأول، ٢٠١٦ ندوة في تل أبيب عن "سؤال القدس" وكيف «تحول تحقق حلم "توحيد القدس" إلى كابوس ديموغرافي أمني» غير قادر على السيطرة التامة على القدس، خاصة بعد خروج ثلاثة من منفذي العمليات من جبل المكبر.[48]

وفي يوم الاثنين من ٢١ كانون الأول، ٢٠٢، وبينما كان المسؤولون الصهاينة في حالة انتشاء بعد اختراقاتهم المتتالية للأنظمة العربية الوجعية عبر بوابة التطبيع واتفاق "أبراهام"، الذي يعترف للكيان بسيادة شرعية وولاية دينية على الأقصى، ويعيد تعريف الأقصى باعتباره المسجد القبلي ذا القبة الرصاصية فقط، ويعتبر ساحاته مفتوحة لصلاة اليهود، ويضفي المشروعية على اعتقال المرابطين وإبعادهم، اجتاز الشهيد محمود عمر كميل، من جنين قباطية، حواجز التنسيق الأمني ومنظومة الأمن الصهيونية ليصل بسلاح الكارلو، اليدوي الصنع، إلى إحدى أكثر المربعات الخاضعة للرقابة في القدس؛ قلب المسجد الأقصى، منفذاً عملية باب حطة، التي أسفرت عن إصابة جندي إسرائيلي. شكلت عملية الشهيد صفعة قاسية للكيان ومنظومته الأمنية، وزعزعت من قناعة الكيان بإحكام قبضته على القدس ونجاحه في ضبط المشهد، ما أدى إلى توالد حالات الرعب داخل المجتمع الإسرائيلي. إذاً، لم يحقق مشروع "القدس الكبرى" فضاء عمراني ثابت، يفرض فيه الكيان هيمنته الشاملة والمطلقة، ولا اكتمال مشروع تهويد المدينة، ولا فرض السيادة الصهيونية الكاملة عليها. اليوم، "القدس الكبرى" هي أقرب ما تكون لرقعة مسجونة بالهوس الصهيوني في الأمن والديموغرافيا والفصل والعزل والتهويد والمراقبة. تقف "القدس الكبرى"، وبحسب يوسف جبارين، كنموذج صارخ لـ «مدينة كولونيالية»،[49] وكشاهدة على ديستوبيا السياسات الصهيونية، واستراتيجياتها الجيوسياسية العنصرية (الإثنوجيوغرافية)، والعنف التأسيسي في جغرافيتها التخيلية

«لطالما سأبنيك، فتبنين يا عذراء إسرائيل»، آية في سفر إرميا حول وعد الرب ببناء الهيكل الثالث، وهذا هو شعار الصهيونية عن فلسطين كأرض بلا شعب أو كعذراء لم يمسس جسدها أحد، وكأن اختراقها ووطئها صهيونياً هو جزء من هذا الوعد. وإذ تقف "تل أبيب" فاتحة صدرها للبحر زاهية ببياض جسدها الاستعماري بعد ان وارت عروس البحر يافا سواد الأرض، فان "القدس الكبرى" تقف على جبال القدس وتلالها راعدة بوهم فائض قوتها، تذرع وديانها مدججة بالحديد والنار، تهرول في شوارعها بائسة مذعورة، تحفر باطن الأرض وفوقها، وتصادر وتمحي، وتخطط وتصمم، وتجند الهندسة والعمارة، وتبني وتشيد علها تبعث الماضي في الحاضر وتسقط مفهوم حاضرها على الماضي، دائماً مرهقة، يضغط على أعصابها ويثقل كاهلها عبء القدس وأهلها وتاريخها الفلسطيني، وفي كل لحظة تعي في ذاتها أنها فقدت سيطرتها وقدرتها عن نزع لبوسها الاستعماري، لا أمان فيها ولا اطمئنان ولا راحة، تحدق من أبراجها وثكناتها وكاميراتها متوترة بمتلازمة القلق الوجودي والخطر المقبل، وبانتظار ساعة التهلكة. تقف القدس صامدة في وجه "القدس الكبرى"، والشاهدة الأبداً حية لفشل المشروع الصهيوني في فلسطين في التحول إلى حالة "ما بعد الاستعمار"، أي إعادة تشكيله وفق تخطيط صهيوني جديد يدعي التجديد الحضري النيوليبرالي ومجد العالمية والسياحة والعولمة. تشهد هبات القدس الشعبية، (من هبة العام ٢٠١٤ إثر استشهاد الطفل محمد أبو خضير، وانتفاضة القدس ٢٠١٥، والتي يسميها الكيان بانتفاضة السكاكين، وهبة باب الأسباط في ٢٠١٧، إلى هبة باب العامود وصمود الشيخ جراح)، وما تخللهم من عمليات فدائية بطولية، على فشل كل محاولات الأسرلة والتهويد، وبعث المدينة صهيونياً كـ "عاصمة أبدية" للكيان، كـ"يوتوبيا" جديدة ـ قديمة، بحاضر صهيوني نيوليبرالي وماضي توراتي يهودي، منعتق كلياً وكليانياً من جغرافيا العنف الصهيوني، وجغرافية الوجود والتواجد الفلسطيني وهويته الوطنية.

حيث يوجد احتلال، توجد مقاومة:

يرفض فوكو تعريف السلطة تعريفاً شمولياً لأنه بهذا سيفرغ الحرية من معناها، ويسد أي امكانية للمقاومة. ولهذا يؤكد على أنه «حيث توجد قوة، توجد مقاومة».[50] يفتح فوكو إمكانية المقاومة، ولكنها مقاومة لا تسبق السلطة التي تعارضها، ولا تصدر من موقع خارج عنها، وإنما المقاومة بوصفها داخلية بالنسبة للسلطة. بنظر فوكو، تستلزم المقاومة نشاطاً واعياً للتعرف على النظم وآليات التذويت، وتفكيك شيفرتها وتقويض علاقاتها، وجهداً مبذولًاً للتحول الذاتي، انطلاقاً من الجسد، الذي يتوفر على علاقات السلطة الميكرو ـ فاشية، بتوصيف جيل دولوز وفيليكس غوتاري، لإعادة أشكلة الذات نحو النقد والجمال والابداع، ما يسميه فوكو أخلاقيات ethics، التي يجمع فيها ما بين جسد الأفراد والجسم الاجتماعي، النقد والثقافة، الأفكار والوعي والسلوك وممارسات الحرية الخلاقة في صراعات محلية دائمة مع المنظومة السلطوية. نال فوكو من ناله من النقد، الذي اتخذ من تركيزه على الجسد، والممارسات المحلية، وسياسات الحياة اليومية ادعاء بأنه يحصر المقاومة في حيز ضيق ومن النوع الجمالي/الفردي، وأقل جماعية/ سياسية. وبنظري هذه قراءة خاطئة لفوكو الذي اعتمد النهجية الأركيولوجية والجينيالوجية لتفنيد أدق آليات السلطة وفهم آثارها المادية، الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، على الجسد، الذي هو موضوع وهدف للسلطة، تحركه بوصفه مجالاً للقوة، تلعبه، وتدربه، وتضبط حركاته، وتكيفه، وتطوعه في تداخل بين التشريحي بالبيولوجي، والتاريخي بالسياسي، فكيف إذاً للمقاومة أن تنبع من خارج الجسد؟

تأتي مجموعة «القدس» للفنان التشكيلي زيد عيسة، وهو ابن جنين، كمنجز فني يعتمد على الدمج ببرامج الجرافيك بين التصوير الفوتوغرافي للجسد والموتيفات الزخرفية والخطية، في تجربة تتقاطع مع فن الجسد، Body Art، من ناحية توظيف الجسد في العملية الإبداعية، وفي نفس الوقت مغايره له من ناحية عدم انتهاج المشهدية والأدائية.[51] ومن المفارقات التاريخية أن فترات تحريم تناول الجسد تشكيلياً كانت تؤدى إلى ازدهار فنون الزخرفة والخط، إلا أن هذه المجموعة تطل علينا بلوحات تحتفي بالجسد وفن الزخرفة والخط في آن واحد، وبأسلوب يوظف الموتيفات الزخرفية والخطية، والمعالم المعمارية للمسجد الأقصى في الرسم على الجسد. تتنوع طرائق الدمج بحيث يكون الجسد الحاوي للوحدات الزخرفية والخطية أحياناً هو الكتلة الرئيسية في فراغ اللوحة، وأحيانا أخرى يكون الجسد المزخرف هو واحد من المفردات الفنية المتناثرة فيها، وهذا يولد تأثيرات تهدف إلى تأصيل الهوية الفلسطينية، والتأكيد على جمالية موروثها المعماري والفني، وقوة حضور رموزها وايقوناتها الوطنية.

يتعامل زيد عيسة مع الجسد كبنية وفضاء معماري خاضع للجغرافيا التخيلية الصهيونية، التي مأسست منظومتها السلطوية على جسد أرض القدس/فلسطين، التي استلبتها ونهشتها وقطعتها وأعادت تشكيلها بما يدعم روايتها الإحلالية، وعلى أرض الجسد الفلسطيني، التي شتته عن بيئته الزمكانية في منافي الداخل الفلسطيني والشتات، وحاصرته في كانتونات غزة وأريحا وبيت لحم والخليل ورام الله وجنين ونابلس ـ كانتونات كلها مغلقة ومنفصلة عن بعضها البعض وعن باقي الأراضي الفلسطينية، وفي تخطيط لتقسيمها إلى مجموعة من الكانتونات الصغيرة تصل إلى أكثر من ١٠٠، يفصلها قرابة ٧٠٠ حاجز عسكري أو إغلاق إسمنتي، أو سدة ترابية، أو بوابة حديدة.[52] في بعض اللوحات، يظهر الجسد المزخرف ساكناً وحاملاً لهوية صاحبه المنهك والمقهور والمغلوب على أمره، يبرز التعب وضنك العيش على ملامحه، ويسوده اليأس والخوف والقلق والضياع في تلخيص تشكيلي لمعاناة الإنسان/المدينة/الأرض الفلسطينية، وتجسيد للصراع اليومي والوجودي مع الفضاء المصهين والزمن المهود. لا تحيل العلاقة بين الجسد (كجسد خاص)، وبين القدس (كجسد عام ومقدس) إلى التوحد، ولا تبلغ القرابة بينهما حد التماهي، بل يلتقيان في تداخل وتقاطع وتوتر يشحن الجسد بالدلالات والمعاني المقدسية والمقدسة من ناحية جمالية ومركزية حيز المكان في الوجدان والذاكرة الفلسطينية الجمعية، وأيضاً من ناحية توظيفهم لإحراج المتلقي، واستفزاز فضوله لخلق حوار بينه وبين اللوحة/الجسد/القدس بعيداً عن عدم الاكتراث، وفي سعي لإيقاظ ضميره الإنساني، وتحسيسه بوجود أجساد مضطهدة في الجغرافيا التخيلية الصهيونية، ومغيبة من الجغرافيا المقدسة للمدينة، ونحو إمكانية فعل تغيير واقعها المرير؛ فالقدسية تنبذ اللامبالاة الأخلاقية والعبثية السياسية.

وهنا بالذات يبدأ عيسة بتكثيف اللوحات التي تعتمد تكرار الموتيفات الزخرفية والمعالم المعمارية للمسجد الأقصى على الأجساد، وفي نفس الوقت يجردها من هوية أصحابها، ويركز على تنويع حركاتها الجسمانية، وتشاكل سياقها بين ضخامة الجسد مع سكون المشهد، حركية الجسد مع هشاشة المنظومة الأمنية، جدية الظروف مع سخرية الموقف، والذي يكشف من خلالهم إمكانات استثنائية تمكن الأجساد من التفرس  بصمت في ذاتها وفي محيطها  الذي يتهدد وجودها، أو التعبير عن سرديات وجودها المشحون بالريبة والتوجس، أو رفضها للأسر داخل الظروف الموضوعية والسجون الذاتية، أو سخريتها من ثقافة الأمر الواقع والانكسار والهزيمة، أو ترقبها لإشارات وعلامات الاحتدام، أو قدرتها على التمرد، أو رغبتها في الارتجال والاعتباط والعشوائية، أو المجازفة بالعبور والمغامرة بالعودة. بفعل الحركة، يتحول الجسد، الذي يتعامل معه الفنان كبنية وفضاء معماري، من هيكل ثابت إلى سلسلة من العلاقات والممارسات المكانية الخلّاقة والدائمة التشكل، والقادرة في ديناميكيتها الفاعلة وحركيتها المستمرة أن تعبر عن هوية أصحابها وبّما يمكن ان يسهم في رسم جغرافية جديدة على مستوى الوعي والهوية والذاكرة والتجربة الفردية والجمعية. أكثر ما يثير الانتباه في هذه المجموعة هو العلاقات المركبة بين الخاص والعام، السكون والحركية، الصمت والضجيج، الضخامة والهشاشة، الجمالي والسياسي في تشاكل يتفاعل فيهما الحدان بمنطق الفرق، لا التناقض، والاختلاف الذي يحيل إلى الصيرورة، والتي لا يمكن الوعي بها إلا في لحظة التماس جسدياً مع الجغرافيا التخيلية الصهيونية ومنظومتها السلطوية، ومن ثم إلى انبجاس كل ما هو مستبعد ومغيب من منظومتها الرمزية التمثيلية في تناص يصوغ تصورات وتّجسيدات تتهيكل عبرها الذات بشكل مختلف لمعماريتها السلطوية، ومن خلال ممارسات مفتوحة على الفعل المقاوم. وهذا بالذات ما تحرض عليه جوليا كريستيڤا: البحث عن ممارسات كفاحية تحرر وتفجر المكبوت السيميائي للجسد وكتابته في الرمزي، ما تسميه محايثة السيميائي في الرمزي، في نمط من التثوير البراديغمي وانتهاك المحارم داخل لغة وقانون وقواعد المنظومة السلطوية.[53]

تتقاطع كريستيڤا مع فوكو في فلسفة الجسد، وتطورها من ناحية تعالق أعراضه وآثاره الما قبل اللغوية/الأوديبية، أي مجاله اللارمزي السيميائي السابق على المعنى والدلالة وآليات التذويت الملقية عليه، والذي يشير إلى البياضات والعلامات والأحلام والغرائز والرغبات والأصوات والذكريات والاشارات واللاوعي والموسيقي والشعر والإيقاعات المخلخلة للعلاقة دال/مدلول، والمزعجة لبنية المعنى في النظام الرمزي، الذي يحيل إلى قواعد النحو والتركيب والصرف والمعنى والفكرة في عالم اللغة والمرتبط بالقانون، والبنية، وسلطة اللوغوس والفالوس وديكتاتورية رموزهم وآلياتهم المهندسة للجسد والذات تحت تأثير اشتغال أنماط السلطة الثقافية، والسياسية، والدينية، والتاريخية. ان انبجاس أو محايثة السيميائي في الرمزي هو ما يمكن الذات من التجسد كإمكان خارق، دائم الامتلاء بالغرائز والهواجس والنكبات والرغبات والأحلام واللقاءات، وكغيرية باهرة، وكحبل سري بين سبيل الحياة اليومية، بمعاركها ودموعها ودمائها، وبين إرادة الحياة الكريمة وإن بالموت سبيلاً، وفي سعي ثوري لإنتاج وإعادة إنتاج ذات أكثر تمرداً، وأكثر عصياناً للنظم السلطوية، وقادرة أن تتكيف مع التوليفات من كل نوع، ويعاد عملها من قبل الفرد والجماعة والتشكيلة الاجتماعية كعمل سياسي أو فني أو كتأمل قادر على تقويض مجالهم الرمزي وبناهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، وعلى تفجير مركزية وهياكل تمثيلاتهم وهيمنتهم وفحولتهم، التي تفرض على الآخر التموضع في موقع التابع والهامش والمغيب، وبالتالي على تمكين الذات من أن تخلق هويتها وتكتب تاريخها بجسدها.

لا مجال هنا للإسهاب في فلسفة الجسد عند فوكو وكريستيڤا إلا للتأكيد على أهميتها فلسطينياً مع كيان يتعامل حتى مع جسد الشهداء كخطر أمني ويقوم باحتجاز رفاتهم وهدم منازلهم واعتقال ذويهم، وكركيزة في منظومته السلطوية لإدارة شؤون الحياة والموت الفلسطيني، كماً وكيفاً، جسدياً ووظيفياً. يفتح هذا الحديث عن الجسد والمقاومة مدخلاً لتحليل سلسة العمليات الفدائية الفردية والغير منظمة في القدس، والتي نعتز بها كبطولات، كممارسات حرية خلاقة في صراعات محلية تسعى لكسر إدارة الكيان لشؤون الحياة والموت الفلسطيني. ينظر دولياً، وللأسف فلسطينياً عبر التنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية، والذي ساهم في منع العديد من العمليات الفدائية، وملاحقة المقاومين، ومصادرة السلاح بحجج فرض الأمن، وسيادة القانون، وبنود السلام، إلي هذه العمليات على انها "تطرفاً" وإرهابا" و"راديكالية" و"ثقافة موت"، في تناسي أن الخطاب المعتمد لهذه التعريفات هو ما اختلقته ودولته الثقافة السياسية الصهيونية، ولذلك فإن أهم ما تفعله الثقافة السياسية الفلسطينية هو الإصرار على خلق مبادئها وصورها الخاصة عن الكفاح والبطولة والتضحية والفداء والشهادة، فليست المقاومة أمرًا سهلًاً أو مريحاً أو بلا أثمان، إذ لا ثورة بلا دم ولا تحرير بلا شهداء.

في العام ٢٠٢٠، شهدت مدينة القدس ٤٣٠ عملية فدائية، بحسب تقرير الشاباك، تنوعت ما بين عمليات الدهس والطعن، وإطلاق النار، والاشتباك المسلح مع الجنود، وتفجير العبوات الناسفة المصنعة محلياً، والاقتحام المسلح للمستوطنات، واستهداف الحافلات والمنشآت، كما في خط القطار السريع في شعفاط القريبة. شكلت هذه العمليات معضلة أمنية لمنظومة الكيان الأمنية، إذ أثبتت ضعف أجهزته الاستخباراتية، التقنية والبشرية، على رصد هذه العمليات أو كشفها بشكل مسبق، أو حتى توقع حدوثها؛ كما في عملية الشهيدين أبناء الجبارين، التي أثبتت قدرة المقاومين الاستراتيجية والذكية على اختراق منظومة الكيان الأمنية، وفجرت هبة باب الأسباط. وعلى عكس عمليات المقاومة المنظمة، التي كانت تُحبط نتيجة الاختراق والتنسيق الأمني، فان هذه العمليات الفردية كانت في الغالب في فكر منفذها فقط، ووليدة اللحظة أو الحدث، وبالتالي، عجزت المنظومة الأمنية عن منع وقوعها؛ كما في عملية عمر العبد حين جاهر برغبته في الثأر للمسجد الأقصى عبر منشور على الفيسبوك، وتمكن بعد ساعتين من النشر من اقتحام مستوطنة "حلاميش"، ونفذ فيها عملية طعن، وانسحب بعدها بسلام، على الرغم من وجود مئات المختصين في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطيني.

لنتخيل المشهد: أجساد في كل أرض فلسطين تضيق بها المساحات المزدحمة، والأقفاص الضيقة التي حددها لهم الكيان؛ تعيش في غور عزلة مأهولة بالرغبات والنزعات والأفكار والأخبار المتناقضة، وبالذكريات والعلاقات والحركات واللقاءات المعقدة والمحرمة؛ تجترح منسرباً من سياسات القمع والعزل والفصل والمحو والتغييب والتهميش والإقصاء، وآليات المراقبة والضبط والتحكم والاخضاع؛ تخط في صمت، وخفية عن النظر مسارات الترحال، وممرات التنقل، وخطوط الهروب؛ تتحدى خطوط التماس والحدود والتخوم الداخلية، التي تفترس أرض فلسطين، وتنهش مدنها، وتكرس عزلة شعبها، ومعهم كل الاتفاقيات والمفاوضات؛ تطور مهارات الاختراق والتسلل والتخفي؛ تتمدد وتنفلت من بين الحواجز ونقاط التفتيش والمعابر والجدار والأبواب والمستوطنات والطرق الالتفافية، ومن تحت عين الجنود وأبراج المراقبة وكاميرات المراقبة؛ تنبثق على أرض القدس بلا سابق انذار، في دقة عمليات منفردة، وتقريباً عفوية، وغير متجانسة ومتمايزة نوعياً في الشكل، والإيقاع، والسرعة. فكيف لا تكون إلا ظاهرياً منفصلة، ولكنها في أرض الواقع متجاورة ومترابطة ومتداخلة جذمورياً، بحسب تعبير دولوز وغوتاري.

والجذمور هو نبتة تتكاثر عبر شبكة سيقان وامتدادات جذيرية أفقية في باطن الأرض، تنتشر في ترحال دائم باتجاه المساحات المتاحة ونحو مسافات جديدة عبر الحواشي والشقوق والثغرات. تتوفر فقط على امتدادات تتشعب وتتواصل داخل نسيجها القابل دوماً للتواصل والتقاطع على مستوى كل أبعادها، وبالتالي ليس لها محور واحد، بل تعدديات مستوية تتضمن أبعاد وتركيبات وتحديدات وأحجام متنامية نسبة لتعدد الترابطات القائمة، والتي بمقتضاها تتبدل طبيعتها عند ارتباطها بتعدديات أخرى. التعدديات تكون دائمة قابلة للوصل والتكيف مع ترابطاتها الجديدة، وحتى حين تتكسر أو تتمزق أو تنقطع أو تتصدع في محل معين، إلا انها لا بد أن تستمر متتبعة الامتدادات التي لا تنتهي وتتشكل معها من جديد. لا يمكننا تحديد مستوى تماسك التعدديات إلا بواسطة الحدث، خطوط الهروب والترحال والاختراق، التي تجعلها تنبثق على سطح الأرض الخارجي، تماماً كنبتة الصبار التي تعاود الظهور على أراضي القرى الفلسطينية التي تم تهجيرها أو إبادتها لتكون الشاهدة في الزمان والمكان على زمكان آخر.[54] والجذمور هو مفهوم فلسفي محوري عند دولوز وغوتاري في رفض منطق الثنائيات الذي يغذي الواحدية والهرمية، مقابل التعددية التي تغدي الاختلاف، الذي لا أهمية فيه للتصنيفات والتراتب الهيراركي، بل للروابط والعلاقات والتشابكات والتركيبات، وللممكنات اللانهائية للانتشارات، وخط خطوط الهروب والانفلات، واقتدار ممارسات وأفعال وتحرير طاقات في كل الاتجاهات. انطلاقًا من هذا المفهوم الفلسفي، يرسم دولوز وغوتاري صورة المقاومة كممارسات جذمورية، متعددة ومختلفة، متقاطعة ومتشابكة أحياناً، ومتعارضة وغير متشابهة أحياناً أخر، متحركة ومتغيرة كل الوقت وليست ثابتة، تجمع ولا تجزئ إلى طبقات متفرقة، وتنتج فعاليتها في تشعباتها وترابطاتها وتركيباتها الخلاقة، كل تشعب ينتج ويتلاقى مع تشعبات جديدة لينتج ظواهر جديدة وانفتاحات مختلفة.

المقاومة عند دولوز وغوتاري، كما عند فوكو وكرستيڤا، تنبع من السياسات الصغرى، الجسد والسياسات المحلية واليومية، ولكنه الجسد الذي يمارس النقد والابداع، والفردية التي تخترق الطبقات والمكونات المجتمعية والدينية والسياسية وكل مناطق الجسم الاجتماعي، والمحلية التي تنفذ إلى الجيو ـ سياسية/اجتماعية /اقتصادية؛ فالحرية، لنخلط بين فوكو ودولوز وغوتاري، توجد فقط حين تُمارس جذمورياً. نحن هنا بصدد مقاومة تفرض حضورها حين لا تنتج نموذج السلطة التي تكافح ضده، كما في خطاب أوسلو للسلطة الفلسطينية الذي يستطبن في ذاته ديناميات الجغرافيا التخيلية الصهيونية ومنظومتها السلطوية، الذي يدعي مواجهتها في حين يعتمد عليها عضوياً في بناء خطابه، وبالتالي لا يمكنه أن يقاوم الصهيونية وسلطتها ومنظومتها ونظامها، بل وللأسف يضمن لها الاستمرارية في حبس الأجساد الفلسطينية داخل طوطم منظومتها السلطوية. نحن هنا في صدد مقاومة تنتج أجساد تتمرد مكانياً، وتثور، وترفض، وتفكك، وتقوض الجغرافيا التخيلية الصهيونية ومنظومتها السلطوية، وتكشف هشاشتها ونقاط الضعف فيها، ومع كل خط هروب، ومع كل عملية فدائية، ترسم بدمها من جديد حدود القدس التاريخية وفلسطين التاريخية، وتعيد انتاجهم في المخيلة الفلسطينية الجماعية في عود أبدي للذاكرة الفلسطينية الجمعية وسرديتها الثقافية التحررية؛ فلا غرب القدس "يهودياً"، ولا "قدس كبرى" مرتبطة "إسرائيليا" بالداخل الفلسطيني، ومعزولة زمكانياً عن الضفة الغربية المعزولة عن قطاع غزة، ولا "قدس غربية" ولا  "قدس شرقية"، بل فلسطين من نهرها إلى بحرها، وحتى آخر شبر فيها.

الثقافة: ميدان صراع وأداة مقاومة:

تشتد هجمة الكيان الصهيوني على الثقافة الفلسطينية ضمن عملية استراتيجية للاستيلاء على فلسطين، على تاريخها وتراثها وهويتها ومعتقداتها وقيمها ومفاهيمها ومعارفها وروايتها، كما تفريغ الانسان الفلسطيني من هذه المكونات، وإخضاع وعيه وإرادته ونمط تفكيره وسلوكه وحقائقه وحواضنه. في القدس، تتعدد وتتنوع الاستراتيجيات والهدف واحد: اجتثاث الفلسطيني من مقومات البقاء والصمود والحضور والتأثير، واستلابه للهيمنة الثقافية الصهيونية. وتحت عنوان الـ "مشروع فني"، نفذت "بلدية" القدس في ٢٠٠٧ مع «صندوق أورشليم القدس»، إحدى أكبر مؤسسات التمويل الإسرائيلية في القدس، تعليق لافتات لمقتطفات من قصائد شعراء إسرائيليين مترجمة إلى العربية في شوارع شرقي القدس الأساسية، كشارع صلاح الدين والسلطان سليمان، ومقتطفات من قصائد كلها بالعبرية وزعتها على محطات الباص، والمقاهي، وأعمدة الكهرباء في غربي القدس. وفي وقت لاحق، أضاف المشروع مقتطفات من بعض القصائد لشعراء فلسطينيين، منهم سميح القاسم وطه محمد علي وميشيل حداد، ممزوجة مع قصائد لشعراء إسرائيليين، وعلقتها في شوارع شرقي القدس فقط، في اسقاط لاعتبارها من "الشعر العربي الإسرائيلي". وتحت مسوغ «تذليل العوائق الثقافية» والفن كـ «وسيلة للتعايش الإسرائيلي ـ الفلسطيني» في القدس،[55] يحيل هذا الـمشروع في الواقع إلى توظيف الفن في استراتيجية ومشروع "القدس الكبرى"؛ فكما يهدف مشروع "القدس الكبرى" إلى ضم أكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية مع أقل عدد من الفلسطينيين، يضم الـ "مشروع فني" الشعر الفلسطيني إلى كتاب الشعر الإسرائيلي ضمن مشروع تطبيع ثقافي يهدف إلى تطويع الرواية الفلسطينية للرواية الصهيونية وأيديولوجيتها عن الصراع. يتكثف هذا التوظيف في بجاحة المعرض الإسرائيلي في صالة 1:1 في "تل أبيب" لأعمال فنية مصورة عبر الڤيديو لعدة فنانين عرب وفلسطينيين، منهم وائل شوقي وأكرم زعتري ووليد رعد، دون نسبها إليهم ودون موافقتهم. وتحت عنوان "فن عربي مسروق"، أكد بيان القائمين على المعرض على أنهم «مدركين تمامًا لهذا التصرف كـنوع من أداء فني بحد ذاته، يطرح أسئلة عميقة عن علاقة الفني بالسياسي... وكرد على المناخات السياسية والقوانين وحملات المقاطعة، التي لا تسمح بهامش واسع للحركة في هذا الشأن... وان الفن بحاجة إلى طريقة لكسر هذه الحواجز».[56] هذه السرقة العلنية للأعمال الفنية داخل الكيان ليست ظاهرة معزولة، بقدر ما هي جزء من سياق ثقافي قائم على مبدأ سرقة الحق والحقوق لمصلحة مشروع احلالي ديدنه إلغاء الفلسطيني الآخر وتطبيعه.

يحضر مشروع «ع السطوح» للفنان المقدسي محمد جولاني الذي يوظف الفن التشكيلي في ترميم أسطح ٢٥ منزل في البلدة القديمة وتجميلهم.[57] بضربات فرشاة أنيقة، وألوان متناغمة، يحول الجولاني فضاءات الأسطح إلى جداريات فنية، تتخللها جداريات أغصان الزيتون. يخرج المشروع من ضيق صالات العرض وشوارع البلدة القديمة، التي يحاصر فيها سكانها وتتكاثر فيها البؤر الاستيطانية وجور قوانين الضرائب والترميم والبناء، في تجربة استثنائية من القفز من الشارع إلى سماء القدس. يخط الجولاني أغصان الزيتون وأوراقها في مسارات وامتدادات أفقية شبكية عشوائية تعكس رفض "بلدية" القدس أن ترخص له عملية الترميم والتجميل، فخاض الجولاني حربه السرية الخاصة في مراوغة "البلدية" بأخذ الأذن من أصحاب بيوت لم تكن متجاورة.

يحول الجولاني بعثرة المواقع إلى أبرز ملامح الجداريات: حركة جذمورية من الاتصالات والترابطات والانفصالات والانقطاعات الغير متوقعة، لا بداية ولا نهاية لها. في لغة فنية تبحث على الدوام عن الحركة والمراوغة بين المساحات والحدود، وتخط خطوط الخروج والانفلات والاختراق والهروب، كما خطوط الدخول والتقوقع والتواري، وإعادة تأليف الحركة من جديد، تتشعب غصون الزيتون كأعضاء بلا جسد، بلا جذع عامودي ولا جذر ضارب في الأعماق، وكأن بالجولاني يتحدى بهذا تطبيع الطبيعة، التي لم تسلم من الهمجية الصهيونية في اقتلاع أشجار الزيتون، وكأن به يحول حتى الجذر الشجري إلى جذير من خلال تجسده في المادة، وإعادة تشكيله من خلال فعل الحركة المتصورة، فيتحول الفن في يد الجولاني إلى وسيط بديل في مسائلة الممارسات المكانية الاستعمارية الصهيونية، وممارسة نقدية لها عبر الانفتاح على أولويات مغايرة في معالجة المكان.

يشكل مشروع «ع السطوح» أرضية لممارسات مغايرة تحمل قيماً نقدية، ومادة سردية وشاعرية بامتياز. يوظف الجولاني السؤال الجمالي في ممارسات أشبه ما تكون بالنضال الاجتماعي السياسي، وفي ميل ملحوظ إلى فهم القدس كبناء مادي وهيكل معرفي وثقافي وإنساني، قادر على أن يوظف التعبير الفني الفلسطيني، وأثره كمولد لشبكة من الأفكار والقيم والعلاقات والممارسات المكانية الخلاقة، وسلسلة من المتغيرات والمتحركات دائمة التشكل في مسارات متداخلة لحكاية واحدة متصلة، يصح أن نتعامل معها كجغرافيا ثقافية ندية، وكعنصر محدد في إثراء وإنتاج تمثيل ذاتي وموضوعي لمواطن الأصالة العربية الفلسطينية في القدس واستعادتها على مستوى الوعي، والهوية، والذاكرة، والاستخدام البشري للمكان، والتجربة الفردية والجمعية. مع الجولاني، يتحول الفن إلى ثقافة صادحة، لا تقتصر على الأسلوب والموضوع والمواد والتقنية، بل ما يألف في جماليات الفن علاقات جدلية وحوار مفتوح في سجال سردي وتمارسي لا يخشى فيه الفنان اشهار سيف ديموقليس فوق رأس الكيان واستراتيجيته في شطب الذاكرة وتزوير الحقائق والتاريخ.

نحو جغرافية ثقافية مقاومة:

بعد استظهاره منظومة السلطة/المعرفة في الجغرافيا التخيلية وتفكيك الابتناء الاستعماري لفضاء الآخر المكاني، ينصب جهد إدوارد سعيد على تبيان الثقافة كـ «أداة للمقاومة» وما تتيحه من إمكانات لمقاومة السلطة وتحديها، ونزع سلاحها، وحل أفكارها ومفاهيمها وتصانيفها وتراكيبها المبنية على العنف: فـ «عندما يتعلق الأمر بالهوية السياسية عندما تكون عرضة للتهديد، فان الثقافة تمثل أداة للمقاومة في مواجهة محاولات الطمس والإزالة والإقصاء. إن المقاومة شكل من أشكال الذاكرة في مقابل النسيان».[58] يتتبع سعيد إحالات فرانز فانون لثقافة ثورية مستقلة وحرة، تزكيها الصراعات اليومية للناس، وتتخذ شكلها الجوهري حول نضالاتهم، وتساهم في تقدم مقاومتهم، وتعزز المعارضة والنقد في مظاهر نضالهم. في كتابه معذبو الأرض، يذكرنا فانون أن الثقافة الثورية «ليست مجرد فولكلور، أو شعبوية مجردة تعتقد أن بإمكانها اكتشاف الطبيعة الحقيقية للناس. هي لا تتكون من رواسب جامدة ناتجة عن تصرفات غير مبررة، أي الإجراءات التي تكون أقل ارتباطاً بالواقع الحالي للشعب... إن الثقافة... تتخذ شكلها الجوهري حول نضالات الشعوب».[59]

كان فانون يؤمن كما غسان كنفاني أن الوطن ليس «هو الماضي فقط...]انما[ هو المستقبل»،[60] وأن السردية الوطنية التحررية لا تنبغي أن تكون بعيدة عن واقع الناس اليومي، وعن التصدي لقضاياهم وحمولتهم الوجودية، ولا لصالح خطاب آخروي خلاصي؛ فالتحرير والتحرر لا يأتي كهبة، ولكن تنتزعه الجماهير انتزاعاً. ما يؤكد عليه فانون هو ضرورة إطلاق العنان لثقافة ثورية نظيرة للعنف الثوري في مقاومة الهيمنة والتغلغل الاستعماري. هذا ما نراه اليوم في هبات أبواب وأحياء القدس والعمليات الفدائية فيها، وهذا بالذات ما يتطلب منا دعم توليده وتكثيفه بإنتاج جغرافية ثقافية مقاومة تعكس صمود الناس، وتبني مقومات الحفاظ على وجودهم وتواجدهم، وتواجه الاستلاب من خلال المساءلة النقدية والقدرة على التحليل، وتعمق وتصوب الوعي الذاتي والجماهيري في ممارسات كفاحية لا تقتصر على مجال بعينه، وتتطلب اكتشاف الذات في حرية الابتكار والخلق، وتعثر على وسائل إعادة تنظيمهم، في خضم أسوأ الكوارث، من خلال متعة المغامرة، والالتزام الحر المقاوم للغباء، والفقر الفكري والروحي، وعقلية القطيع، وكل ما يمكن أن تنجزه السلطة في المراقبة والسيطرة، وتتحول فيها ومن خلالها الأجساد إلى نصوص حية تتثاقف فيما بينها، وتعيد انتاج الروابط والقيم الوطنية الجامعة؛ وتحاول البحث عن البديل في عصف ذهني، وذكاء، وتكتيك استراتيجي للانتقال من الوعي الوطني إلى الوعي السياسي والاجتماعي والطبقي في سبيل خلق «أرواح جديدة»، بتوصيف إيمي سيزير.

والسؤال الذي يستوقفنا هنا هو كيف تنتج هذه الجغرافية تحقيق تأثيراتها في السياسة الفلسطينية وتنشيطها باتجاه القدس التاريخية، واستجابتها لتحدي ومطالب الحاضر في حسم المعركة على القدس، جغرافياً وتاريخياً وديموغرافياً؟ أعود مرة أخيرة إلى جوليا كريستيڤا التي تجد في الأدب والفن إمكانات تفكيكية وممارسات اختلافية وخلاقة تفتح منفذاً لإنبجاس أو محايثة السيميائي في الرمزي، وعلى الانزلاق واختراق الحدود من أجل انكشافها في السياسة، وبما يثري تجربة السياسة ويسحبها بعيداً عن الخطابة والبلاغات المفرغة المضمون نحو ممارسات توسع آفاقها، وحيويتها، وديناميكيتها. هذا التصور لا يستعيد القطيعة الأنطولوجية التقليدية في ثنائية الثقافة والسياسة، حيث تنحصر الثقافة في المحسوس، وملكية المخيلة، والعاطفة والميول والرؤية الفردية والرغبات والانفعالات، وتحقيق المتعة الجمالية في الشكل والمضمون والغاية والوسيلة، وفي تضاد مع السياسة كبراديغم عقلي وأداة ووسيلة لتحقيق الأهداف الجماعية؛ بل تتجاوزها في مواجهة «تنظر للجمال بوصفه إعادة لفتح الأفق، وتوسيعاً لمجالات الرؤية، وهذه الإمكانات الأخرى للأفق والتاريخ هي في صلبها جمالية»، بتوصيف خالد عودة الله.[61] يتعلق الأمر إذاً بمقاربة تقدم رؤية مغايرة للثقافة والسياسة، وما يقوم بينهما من علاقات مركبة ومربكة، متناغمة تارة ومتنافرة طوراً، والتي تشهد على التوتر وبسط دورة تولدها المعاودة من الثقافة كسياسة إلى السياسة بما هي ثقافة: الإثراء المتبادل بين الثقافة والسياسة في قراءة تؤسس لأوليات مغايرة تمكن الثقافة من حقها في استشكال الأسئلة الاجتماعية السياسية والقضايا التاريخية، كما استكشاف البعد الأخلاقي والجمالي للثقافة على مستويات الفكر والموقف والفعل السياسي، والديموقراطية التي تكفل الاختلاف والتعددية والديناميكية والصيرورة وحرية التعبير والحق في الحرية بإطلاق، وحتى لا تكون السياسة مجرد «احتجاج يستغني بلعن الظلام عن إضاءة الشموع».[62]

 

 

 

[1]  Rotbard, Sharon. White City, Black City: Architecture and War in Tel Aviv and Jaffa. (Cambridge: MIT press, 2015).

[2] إدوارد سعيد. الثقافة والامبريالية. ترجمة: كمال أبو ديب. (بيروت: دار الآداب، ٢٠١٤)، صـ ٧٨.

[3] خليل التفكجي. «القدس الكبرى كما تراها إسرائيل». مجلة الدراسات الفلسطينية، ١١٣ (شتاء، ٢٠١٨)، صـ ١٩٨.

[4] خالد عنبتاوي. «يافا ضحية جمالها»، مجلة فسحة (٢٠٢١)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.arab48.com/فسحة/ورق/آخر/2021/01/08/يافا-ضحية-جمالها

[5] خالد عودة الله. «يافا - القدس: تاريخ موجز لسكة الاستعمار»، صفحة باب الواد (٢٠١٨)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.babelwad.com/ar/فلسطين/يافا-القدس-تاريخٌ-موجزٌ-لسكّة-الاستعمار

[6] المصدر السابق.

[7] المصدر السابق.

[8] «وضع القدس في القانون الدولي». دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.nad.ps/ar/publication-resources/factsheets/وضع-القدس-في-القانون-الدولي

[9] Said, Edward. The World, the Text, and the Critic. (Cambridge: Harvard University Press, 1983), p. 137-8

[10] أوبير دريفوس وبول رابينوف. ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية. ترجمة جورج أبي صالح ومطاع صفدي. (بيروت: مركز الإنماء القومي، ١٩٩٠)، صـ ٢٠١.

[11] سنان عبد القادر. «العمارة والحيز الثالث وما بينهما». بناة ـ العمارة والبناء (٢٠١٠)، في الرابط الإلكتروني التالي:

http://www.bonah.org/العمارة-والحيّز-الثالث-وما-بينهما/

[12] الاقتباس الكامل هو: «لا توجد وثيقة حضارية ليست في نفس الوقت وثيقة بربرية. ومثل هذه الوثيقة لا تخلو من البربرية، البربرية تصبغ أيضاً الطريقة التي تم بها نقلها من مالك إلى آخر». أنظر:

Benjamin, Walter. “Theses on the philosophy of history”, in Illuminations, ed. Harry Zohn (New York: Schocken Books, 1969), p. 256.

[13] بول ريكور. الزمان والسرد، الزمان المروي. الجزء الثالث. ترجمة: سعيد الغانمي. (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، ٢٠٠٦)، صـ ٣١٣.

[14] «الجدار العنصري حول القدس واقعه ودوافعه». مركز رؤية للتنمية السياسية. (٢٠١٨)، في الرابط الالكتروني التالي:

https://vision-pd.org/archives/302516

[15] ريم العيسى. «تشويه ومصادرة الفضاء العمراني في القدس». نشرة حبر (٢٠١٨)، في الرابط الالكتروني التالي:

https://www.7iber.com/politics-economics/distortion-and-confiscation-of-urban-space-in-jerusalem/

[16] «الجدار العنصري حول القدس واقعه ودوافعه». مركز رؤية للتنمية السياسية، مصدر سبق ذكره.

[17] خليل التفكجي. «القدس الكبرى كما تراها إسرائيل»، مصدر سبق ذكره.

[18] أحمد سعید دحلان. «البلدة القديمة للقدس: دراسة في الملامح الجغرافية والديموغرافية تحت الاحتلال الإسرائيلي». ورقة بحث مقدمة لمؤتمر القدس العالمي الثامن: «التهويد السكاني في القدس: التداعيات والمواجهة»، (٢٠١٤)، في الرابط الالكتروني التالي:

https://www.researchgate.net/publication/303446517_albldt_alqdymt_llqds_drast_fy_almlamh_aljghrafyt_waldymwghrafyt_tht_alahtlal_alasrayyly

[19] المصدر السابق.

[20]  في بيان صحفي في ٢٦ تشرين الثاني ٢٠٢٠، حذرت مؤسسة القدس الدولية من أنباء تناقلتها صحيفة "يسرائيل هيوم" عن اتفاق رباعي أبرمه ممثلون عن السلطة الفلسطينية والأردن والإمارات و البحرين ، يقضي بتوفير الحماية للمطبعين العرب الذين يرغبون بـ "زيارة" الأقصى وأن يتم دخولهم عبر البوابات السبعة التي يدخل منها المسلمون للحرم، والتي تشرف عليهم دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف في الأردن، وليس من باب المغاربة الذي يستخدم لدخول السياح واليهود. من جهتها، نفت السلطة الفلسطينية على لسان قاضي قضاة فلسطين ومستشار الرئيس للشؤون الدينية، محمود الهباش، ما جاء في الصحيفة الإسرائيلية «جملة وتفصيلاً».

[21] أحمد سعید دحلان. «البلدة القديمة للقدس: دراسة في الملامح الجغرافية والديموغرافية تحت الاحتلال الإسرائيلي». مصدر سبق ذكره.

[22] شلومو ساند. اختراع الشعب اليهودي. ترجمة: سعيد عياش. (عمان، منشورات المكتبة الأهلية، ٢٠١٠).

[23] خليل التفكجي. «القدس الكبرى كما تراها إسرائيل»، مصدر سبق ذكره.

[24] تبلور مشروع جدار الفصل العنصري عبر رئيس حكومة الكيان الأسبق إسحاق رابين، الذي فاز في الانتخابات على أساسه عام ١٩٩٢، مستنداً إلى شعار "نحن هنا وهم هناك". وقد وتبنت حكومة رابين المشروع في ٢٥ كانون الثاني، ١٩٩٥، وأقر بناء الجدار عام ٢٠٠٢ في عهد حكومة أرييل شارون في نيسان ٢٠٠٢، وبدأت العمل على بنائه في السادس عشر من نفس الشهر. أنظر: رشا حسني. «جدار الفصل العنصري في القدس: آثاره وانعكاساته». صامد، (بلا تاريخ)، صـ ٨٨.

[25] خليل التفكجي. «القدس الكبرى كما تراها إسرائيل»، مصدر سبق ذكره.

[26] المصدر السابق.

[27] «الجدار العنصري حول القدس واقعه ودوافعه». مركز رؤية للتنمية السياسية، مصدر سبق ذكره.

[28]Bhabha, Homi K. The Location of Culture. (London: Routledge, 2004), p. 38.

[29] خليل التفكجي. «القدس الكبرى كما تراها إسرائيل»، مصدر سبق ذكره.

[30]  Foucault, Michel. The History of Sexuality: Volume I: An Introduction. Translated by Robert Hurley. (New York: Vintage Books, 1990), p. 74

[31] المصدر السابق.

[32] . Foucault, Michel. Society Must Be Defended: Lectures at the College de France. (Paris: Picador Press, 2003)

[33] ميشيل فوكو. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. (بيروت: منشورات مركز الإنماء القومي، ١٩٩٠)، صـ ٢٢٠.

[34] يشير الباحثان فضل النقيب ومفيد قسوم إلى الدور البارز لاتفاقية أوسلو في القفزة النوعية التكنولوجية لدى الكيان، حيث اعترفت أكثر من ٢٠ دولة بالكيان خلال عام بعد توقيع أوسلو، ما أدى لفتح الشركات الإسرائيلية على أسواق هذه الدول، كالصين والهند التي أصبحتا من كبار مستوردي السلاح والتقنية من الكيان، كما بقيام الشركات الكبرى بافتتاح فروعٍ لها في "إسرائيل". ما أدى إلى ارتفاع قيمة الاستثمارات الأجنبية من ٤٠٠ مليون دولار قبل أوسلو إلى ٣،٧ مليار دولار في عام ١٩٩٧. كما طرحت الشركات الإسرائيلية نفسها في الأسواق، عقب أحداث سبتمبر ٢٠٠١، على أنها تمتلك التجربة الأهم في مكافحة الإرهاب بما أسهم في إقبال كثير من الدول والمؤسسات العامة والخاصة على التعاقد مع تلك الشركات، ما أدى إلى نقلة نوعية في تطوير هذا القطاع، وهو ما جعل الصحف الأمريكية تطلق على الكيان «"عاصمة" صناعة الأمن الوطني والمراقبة في العالم». وفي عام ٢٠٠٦، قامت شركة إسرائيلية ببناء جدار مجهز بمعدات إلكترونية على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، شبيه بجدار الفصل العنصري العنصري في القدس والضفة الغربية. وفي عام ٢٠٠٨، قامت شركات إسرائيلية بعملية المراقبة والسيطرة الأمنية في الألعاب الأوليمبية في الصين. أنظر: الاقتصاد السياسي لصناعة التقنية العالية في إسرائيل (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٠٥).

[35] ياسين صبيح. «القدس: منظومة الرقابة الاستعمارية ونقاطها الميتة». مصدر سبق ذكره.

[36] المصدر السابق.

[37] المصدر السابق.

[38] المصدر السابق.

[39] المصدر السابق.

[40] المصدر السابق.

[41] خالد العنبتاوي. «يافا ضحية جمالها». مصدر سبق ذكره.

[42] داوود عبد الرؤوف. «إنفوجراف.. القدس.. قصة انشطارها لشرقية وغربية». موقع العين الإخبارية (٢٠١٨)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://al-ain.com/article/west-east-jerusalem

[43] شكلت بوابة مندلباوم مصدر إلهام للشعراء والأدباء الفلسطينيين لما حملته من معاني درامية واقعية تحاكي المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني، فأضحت رمزاً للحصار والتشتت والتشظي والانكسار والذاكرة والعزلة المزدوجة في وجه الرغبة في التواصل عبر الحدود المفروضة عليهم. منها دخل سعيد وزوجته صفية إلى حيفا في رواية غسان كنفاني عائد إلى حيفا، وفيها تم اللقاء بين علي وخالته العجوز في روايته الأفق وراء البوابة. واستلهم إميل حبيبي اسمها لعنوان روايته بوابة مندلبوم، حيث يصف عزلة بطلة الرواية وهي أم عجوز من الناصرة تقرر زيارة غربي القدس، فتبقى أسيرة فيها وبعيدة عن أولادها داخل "الخط الأخضر".

[44] داوود عبد الرؤوف. «إنفوجراف.. القدس.. قصة انشطارها لشرقية وغربية». مصدر سبق ذكره.

[45] اليز اغازريا.  «المقدسيون وانشطار الهوية: من وحي فرانز فانون». مجلة الدراسات الفلسطينية، ٨٢ (ربيع، ٢٠١٠)، صـ ٨١.

[46] Althusser, Louis. On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State Apparatus. Translated by G. M. Goshgarin. (London: Verso, 2014), p. 269.

[47]  وليد دقة. «حرِّر نفسك بنفسك».  صحيفة الحدث (٢٠٢٠)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.alhadath.ps/article/118850/حر%D9%90ّر-نفسك-بنفسك-بقلم-الأسير-وليد-دقة-

[48] فريق التحرير. «حول الانسحاب من أحياء "القدس الشرقية"». صفحة باب الواد (٢٠١٦)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.babelwad.com/ar/jerusalem-withdraws

[49] Jabareen, Yosef. “The Politics of State Planning in Achieving Geopolitical Ends: The Case of the Recent Masterplan for Jerusalem”. IDPR, 32:1 (2010): 27-43.

[50]Foucault, Michel. The History of Sexuality: Volume I: An Introduction, 95.

[51]  درس زيد عيسة الفنون الجميلة في جامعة النجاح في نابلس وتخرج منها عام ٢٠٠٨. باشر تجربته التشكيلية بالرسم بالألوان الزيتية والتصوير الفوتوغرافي، وطورها من خلال دمجها بفن الجرافيك، حيث يعمل حالياً كمصمم للعلامات التجارية. شارك في عدة معارض في رام الله وأبو ظبي. أقام في ايطاليا مشاركاً في البرامج الفنية والمهرجان الدولي لـ Teatro di Nascosto في ٢٠١٨ و٢٠١٩.

[52] جهاد بركات. « 15بؤرة استيطانية جديدة خلال 2019 وخطة للاحتلال الإسرائيلي لتقسيم الأراضي الفلسطينية». العربي الجديد (٢٠٢٠)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.alaraby.co.uk/15-بؤرة-استيطانية-خلال-2019-وخطة-لتقسيم-الأراضي-الفلسطينية

[53] جوليا كريستيڤا. «نساء بصيغة المفرد: حوار مع إليان بوكي». ترجمة فؤاد أعراب. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث (٢٠١٨)، في الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.mominoun.com/pdf1/2018-07/nissa2.pdf

[54] المصدر السابق.

[55] نجوان درويش، «إسرائيل تهيمن (شعرياً) على القدس». جريدة الأخبار (٢٠٠٧)، في الرابط الالكتروني التالي:

https://al-akhbar.com/Culture_People/183703

[56] سعيد محمد. «غاليري إسرائيلية «تحتل» الفن العربي». جريدة الأخبار (٢٠١٨)، في الرابط الالكتروني التالي:

https://al-akhbar.com/Literature_Arts/254372

[57] درس الجولاني الفنون الجميلة في جامعة القدس وتخرج منها عام ٢٠٠٩. تابع دراساته العليا في الفن المعاص في أكاديمية بيالسل، وأصبح بعدها محاضراً في جامعة القدس، ومعلماً للفنون في بعض المدارس، كما مدرباً في ورش مختلفة نظمتها مؤسسات ثقافية في فلسطين. أقام فترة في باريس في عام ٢٠١٥ مشاركاً في أحد البرامج الفنية، وكذلك في الصين عام ٢٠١٨، ومثل فلسطين في بينالي الفنانين الشباب في ألبانيا في ٢٠١٧. في العام ٢٠١٦، جاء في المركز الثاني في جائزة إسماعيل شموط. بعد صراع مع مرض السرطان استمر لسنوات، توفي الجولاتي في القدس في ٣ تشرين الأول، ٢٠٢٠.

[58] إدوارد سعيد. الثقافة والمقاومة. إدوارد سعيد. الثقافة والمقاومة. حوار ديفيد بارساميان. ترجمة علاء الدين أبو زينة. (بيروت: دار الآداب، ٢٠٠٣)، صـ ١٤٣.

[59]  New York: Penguin, 1976), pp. 188-9.) Franz Fanon. The Wretched of the Earth.

[60] غسان كنفاني. عائد إلى حيفا. (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ٢٠٠٤)، صـ ٧١.

[61] طارق خميس. «قصص خالد عودة الله ونقد خطاب الأمر الواقع في الأدب الفلسطيني». صحيفة العرب (٢٠١٤)، في الرابط الالكتروني التالي:

https://alarab.co.uk/قصص-خالد-عودة-الله-ونقد-خطاب-الأمر-الواقع-في-الأدب-الفلسطيني#off-canvas

[62] سامي غابري. تفكيك الميتافيزيقا وبناء الإتيقيا في فلسفة جاك دريدا. (عمان: داو الخليج، ٢.١٧)، صـ ١٧١.