منذ بداية الهجمة السياسية الصهيونية على مدينة القدس وعلى أهلها، وخاصة سكان حي الشيخ جراح وتهديدهم بالاستيلاء على بيوتهم، بدأنا نرى هنا في الدول الأوروبية المختلفة وبتفاوت بينها، بداية حراك تضامني متصاعد، متضامنًا مع أهل القدس ومع سكان حي الشيخ جراح بالدرجة الأولى، هذا الحراك بدأ بمبادرات كانت تقف خلفها الجاليات الفلسطينية، وهذا يعود لتلمسها لمخاطر ما يجري من تهجير ممنهج بحق فلسطينيين؛ يعيد ذكرى ما جرى في مراحل سابقة، وخاصة خلال نكبة 1948.
بعد ذلك ومع الهجمة على المسجد الأقصى المبارك وإعلان المستوطنين مدعومين من حكومة متطرفة عدوانية؛ توفر لهم كل وسائل الدعم والتغطية؛ بنيتهم دخول المسجد الأقصى وقيامهم بالإعلان عن مسيرة الأعلام كما سموها، والتي كان الهدف من ورائها فرض معادلة جديدة؛ تسمح لهم كما جرى مع الحرم الإبراهيمي الشريف بمدينة الخليل، أي الاستيلاء بالقوة على جزء من المسجد، وتحويله لمعبد، وهذا وفق استراتيجية تهويد هذه المدينة المقدسة.
هنا بدأنا نرى تصاعد بالحراك التضامني في أوروبا، وعندما بدأ العدوان العسكري التدميري من قبل آلة الحرب الهمجية تعمل عملها في قطاع غزة وتلحق الدمار والقتل المتعمد بحق سكانه المدنيين؛ عندها دخل الحراك التضامني في أوروبا مرحلة نوعية تمس كل الدول وكل العواصم والكثير من المدن الأوروبية، هذا التصاعد الكبير والواسع له أسبابه، والتي حسب قراءتي ومن خلال تجربتي الطويلة وعملي في الوسط الأوروبي؛ أراها على النحو التالي :
العامل الأول: وجود جيش من النشطاء في أوروبا والذين راكموا تجارب متنوعة في مؤسسات أو عبر مبادرات فردية، وهم من أصول أوروبية وعربية وفلسطينية ومن جنسيات أخرى، وهنا لا بد من أن نذكر قيام الآلاف من المتضامنين والنشطاء بزيارة فلسطين المحتلة منذ الانتفاضة الشعبية 87- 1992، مرورًا بالانتفاضة في عام 2000، وحتى الآونة الأخيرة. هؤلاء شاهدوا بأم أعينهم ماذا يعني الاحتلال وما معنى الاستيطان وما هي الحواجز بين المدن والقرى الفلسطينية بالمناطق المحتلة، هذه المشاهدات تركت عندهم غضبًا تجاه المحتل ووعيًا بضرورة التغيير، والكثير منهم أصبح بعد عودته فاعلًا في نقل رسالة القضية الفلسطينية ومتضامنًا بشكل فاعل في الحراك التضامني.
العامل الثاني: وهو تواجد مئات اللجان والجمعيات والمؤسسات التضامنية مع نضال الشعب الفلسطيني وهي متواجدة في مختلف الدول الأوروبية، وبشكل أوسع في دول غرب أوروبا، هذه المؤسسات راكمت خبرة غنية في عملها؛ الأمر الذي يجعلها قادرة على تعبئة الآلاف وعشرات الآلاف في عواصم ومدن أوروبا.
العامل الثالث: وهو وجود جاليات فلسطينية وعربية إسلامية مهمة في الكثير من الدول الأوروبية، هناك ما يقرب من 18 مليون مسلم وعربي في الدول الأوروبية، وهذا عدد مهم وهو جزء من النسيج الأوروبي، والكثير منهم منخرط بالنسيج المؤسساتي في أوروبا، وهذا يجعلهم هنا أو هناك؛ يلعبون دورًا في عملية التعبئة والحشد لصالح الشعب والقضية الفلسطينية.
العامل الرابع: طبيعة المشهد للحدث الذي يجري تحت أعيننا بفضل وسائل التواصل الحديثة؛ مشهد من الدمار والقتل الذي يمس المدنيين وفي مقدمتهم الأطفال، وهذه الصور نراها يوميًا وهي حافز لدفع الكثيرين للتحرك والقيام بشيء ما للإعراب عن التضامن مع الضحايا والتنديد بالمجرم القاتل وبآلة القتل التي يستخدمها.
العامل الخامس: وهو تآكل الخطاب الصهيوني في الساحة الأوروبية، والذي ما زال يعتمد على الخطاب التقليدي القديم، والذي بني على فكرة أن كل من ينتقد إسرائيل وسياساتها بحق الفلسطينيين هو لا سامي؛ لم يعد هذا الخطاب فعالًا، سيما أن جزء من المتضامنين والنشطاء هم من مكونات الجاليات اليهودية في أوروبا .
بناء على ما سبق، كيف نبني على هذا الزخم التضامني الشعبي معنا في أوروبا؟
اعتقادي أن المحور الأول مرتبط؛ بضرورة بناء مشروع وطني تحرري فلسطيني جديد، له مرتكزاته الداخلية شعبيا ومؤسساتيا، ويكون من مكوناته البعد الدولي، وفي إطار هذا البعد؛ هناك العامل الشعبي والمؤسساتي بالإضافة للعامل الرسمي. باعتقادي أن المطلوب من الشعوب ومن مكونات الرأي العام يختلف عما هو مطلوب من الدول في أوروبا في إطار سياساتها تجاه قضيتنا الوطنية، من الشعوب عندنا آفاق واسعة لترسيخ أكبر لعامل المقاطعة لإسرائيل ولبضاعتها ولعلاقاتها الثقافية والأكاديمية والنقابية في الساحة الأوروبية، ثم هناك عامل ضروري وهو مرتبط بضرورة التنسيق بين المؤسسات الفلسطينية الفاعلة في أوروبا، وهذا لنبني استراتيجية مشتركة لخلق لوبي فلسطيني أوروبي؛ يكون بخدمة الدفاع عن حقوقنا الوطنية ويمثلن روايتنا للمحيط الأوروبي.
أختتم هذه المقالة بالقول: لسنا وحدنا وحلفاءنا في أوروبا كُثر وحركة التضامن الأوروبية؛ تعود جذورها لمرحلة السبعينيات، وقد راكمت الكثير من التجارب، مما يجعلها أكثر فعالية في المرحلة القادمة.

