Menu

كيف يوظف العدو الصهيوني أزمة المياه في التطبيع مع دول الخليج العربية؟

رضي الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 25 من مجلة الهدف الإلكترونية

شهد نهاية شهر مارس/آذار 2021، حدثًا تطبيعيًا تاريخيًا بين العدو الصهيوني ومملكة البحرين ، ستكون له تبعاته المستقبلية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، وتقوم بموجبه شركة المياه الصهيونية (مكوروت) بتزويد مملكة البحرين بتكنولوجيا لتحلية مياه البحر، مقابل ملايين الدولارات.

وتعتبر هذه الصفقة الأولى من نوعها بين الشركة الصهيونية؛ صاحبة السمعة السيئة، وبين دولة عربية حديثة التطبيع مع العدو الصهيوني، لكن هذا الاتفاق ليس إلا بالون اختبار استخدمه الصهاينة لمعرفة مدى قدرتهم على اختراق دول مجلس التعاون الخليجي في أهم مادة تتعلق بحياة شعوب المنطقة؛ فمن المعروف أن الشركة الصهيونية، قد سبق وأن تم طردها من دول مثل الأرجنتين والبرازيل والبرتغال وهولندا؛ بسبب عنصريتها وسرقتها للمياه الفلسطينية في الأراضي المحتلة، بينما تشرع لها الأبواب في بعض دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد في توفير المياه بشكل رئيسي على تحلية مياه البحر وتنزلق بسرعة شديدة نحو تطبيع لا طائل منه، ومن المرجح أن توقع دول خليجية أخرى على اتفاقيات مشابهة مع الشركة الصهيونية بأضعاف المبالغ التي دفعتها حكومة البحرين؛ تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.

اتفاق الشركة الصهيونية "مكوروت" مع الحكومة البحرينية؛ يسلط الضوء على المخططات "الإسرائيلية" في السيطرة على الثروة المائية في الوطن العربي بما فيها تحلية مياه البحر، ما ينبئ بعقود فلكية في دول مجلس التعاون الخليجي؛ فضلًا عن إحكام السيطرة على مصادر المياه في بلدان أخرى، مثل: مصر والسودان وسوريا والأردن، وذلك من أجل فرض معطيات جديدة تجبر هذه الدول على الانصياع للتطبيع الذي تبحث عنه تل أبيب في العواصم العربية باستخدام دول المجاورة.

في أواسط تسعينيات القرن الماضي، وقبيل توجهه إلى شرم الشيخ لحضور مؤتمرًا دوليًا عن "الإرهاب"، دعت له أمريكا والكيان الصهيوني على خلفية العمليات الفدائية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ قام الرئيس التركي سليمان ديميريل بزيارة للكيان الصهيوني، ووقع على حزمة من الاتفاقيات بين الجانبين التركي والصهيوني. ومن ضمن عروض ديمريل على شمعون بيريز؛ سوّق الأول وعرض بيع الكيان 150 مليون متراً مكعباً من المياه وفرتها تركيا على حساب كل من سوريا والعراق، ولأن شيمون بيريز كان يكذب أكثر مما كان يتنفس، فقد عرج على الخلاف الذي كان قائماً بين تركيا وسوريا على موضوع المياه بالقول: "إن إسرائيل لا تريد أن تتدخل في الخلاف بين أنقرة ودمشق حول مياه الفرات".

لم يكن هذا الحدث المائي عابراً؛ فالعدو الصهيوني يعاني أصلاً من أزمة مائية؛ بسبب تدفق المهاجرين والمشاريع الضخمة، لكن بيريز كان يؤكد على أولويات الكيان الأمنية والعسكرية في تلك الفترة؛ متمثلة بإحكام الحصار على الفصائل الفلسطينية، انطلاقًا من قرارات مؤتمر شرم الشيخ وجر المزيد من الدول العربية إلى الحظيرة الصهيونية؛ رغم أن قضية المياه تشكل أهمية كبرى في سلّم استراتيجياته منذ خمسينيات القرن الماضي على الأقل.

تشير العديد من التقارير المتخصصة والشواهد الحاضرة إلى سعي العدو الصهيوني لعقد اتفاقيات مع الدول المحيطة بالدول العربية، مثل: تركيا وأثيوبيا وأوغندا وشرق السودان وأرتيريا والصومال وغيرها من دول إفريقيا المطلة أو المؤثرة في مياه نهري الفرات والنيل، وبالإضافة للعلاقات المتميزة مع تركيا، كان الكيان يسعى لإعداد وتجهيز أثيوبيا للقيام بدور مركزي إقليمي تدور في فلكه دول مجمع الانهار، وفق جورج المصري في كتابه "الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية".

ولإحكام الطوق، يحتاج العدو إلى توثيق علاقاته بالمحيط الإفريقي، وقد تمكن من ذلك مستغلًا الهوان والخلافات البينية المستشرية بلدان الوطن العربي، حيث تفيد المعلومات؛ بأن أثيوبيا نصبت منظومة صواريخ "إسرائيلية" حول سد النهضة لحمايته، وأن شركات صهيونية تعمل في السد منذ سنوات، ولا يخفي القادة الصهاينة عزمهم على الاستفادة من مياه النيل؛ من خلال السدود التي تدعم إنشائها ومن خلال الضغط على مصر لمد مياه النهر إلى فلسطين المحتلة؛ عبر سيناء.

ولتحقيق الهدف الصهيوني في تطويق مصر والسودان، طوّر الكيان علاقاته مع أثيوبيا واستثمر الإهمال العربي للقارة الإفريقية، حتى أن الرئيس الأثيوبي السابق ميليس زيناوي أعلن أن بلاده تقيم علاقات وثيقة مع إسرائيل وفق المصالح المشتركة، كما أكد رئيس الحكومة الأرتيرية اسياس افورقي على موقف مماثل للموقف الأثيوبي، في محاولة للتحكم في مياه نهر النيل الذي يعتبر أطول نهر في العالم، ويبلغ طوله نحو سبعة الاف كيلومتر، وتصل نسبة ما يصل من مياهه من أثيوبيا وحدها قرابة 85 بالمئة من المياه المستخدمة في مصر ويقدر إيراده عند أسوان من مصادره المختلفة نحو 84 مليار متراً مكعباً.

 والمفارقة أن أثيوبيا لم تكن تستفد من مياه النيل إلا بنسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز 600 مليون متر مكعب قياساً إلى 55 مليار متر مكعب تستفيد منها مصر وتشكل نحو 90 بالمئة من احتياجاتها المائية؛ زادت الآن وأصبحت بحاجة إلى مليارات أكثر من الحصة التي تستخدمها؛ فجاء سد النهضة الذي تتصرف في تشييده أثيوبيا دون اتفاقات جدية مع دولتي المصب السودان ومصر، ما يسبب لدولتي المصب خسائر كبيرة، فضلًا عن اشتعال الأزمة والخلافات التي لم يكن العدو الصهيوني؛ بعيدًا عن صبه الزيت على نارها لتتكشف تفاصيل جديدة كلما تعقّد الموقف التفاوضي بين الدول الثلاث حول اقتسام مياه النيل.

لقد تمكن العدو الصهيوني منذ عقود طويلة من ترسيخ أقدامه على ضفاف النيل في أثيوبيا، ووقع الطرفان على اتفاقيات وعقود لإقامة مشاريع على النيل الأزرق؛ تتمثل في 40 مشروعًا مائيًا لتنمية الأراضي الواقعة على الحدود الأثيوبية السودانية؛ منها إنشاء 26 سدًا على النيل الأزرق لري 400 ألف هكتار ولإنتاج الكهرباء، ولم يكن سد النهضة إلا تتويجاً لهذه العلاقات الوثيقة ونتاج للإهمال الرسمي العربي.

عين الصهاينة على مياه الخليج

أما على الصعيد الخليجي؛ فإن دولة العدو الصهيوني تسعى جاهدة لتحقيق اختراقات مهمة في دوله، ومنها موضوع العلاقات المائية التي جعلتها؛ مرتبطة بالعلاقات الديبلوماسية والتطبيع معها، حيث تؤكد الشواهد أن تفوق العدو الصهيوني في تقنية تحلية مياه البحر قد سنح له تكييف هذه الميزة لصالحه مع تجاوب دول في مجلس التعاون السريع وقبولها ضغوطات الإدارة الامريكية لتطبيع العلاقات بين الجانبين، والتي تم التهيئة لها منذ تسعينيات القرن الماضي على الأقل؛ ففي شهر مايو 2015 نشرت صحيفة "معاريف" الصهيونية تقريرًا، قالت فيه: "إن تل أبيب تبيع التكنولوجيا الحديثة لدول الخليج ومصر والأردن، مقابل تحقيق مصالح دبلوماسية وعلاقات قوية"، مشيرة إلى أن هذه الدول تعاني من شح المياه وتبحث عن بدائل التقطها الكيان ليفرض معادلاته على تلك الدول.

ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي صهيوني رفيع المستوى، تأكيده على: "إن التكنولوجيا الحديثة التي تتمتع بها "إسرائيل" في مجال تحلية المياه جعلها قوى إقليمية من جانب، وأن تُكَوّن علاقات وطيدة مع دول الخليج التي تعاني من نقص في المياه العذبة من جانب آخر". وأضاف: "إن إسرائيل أعطت دول الخليج التكنولوجيا الحديثة في تحلية المياه، مما جعل الدول توفر لها أموالًا كبيرة"، موضحًا أن تل أبيب: "قدمت هذه التكنولوجيا الحديثة، مقابل بناء علاقات مع دول الخليج". ولأن "الذيب ما يهرول عبث"، كما يقول المثل الشعبي؛ فإن العدو يريد الفوز بأكبر الصفقات المليارية وأكبرها في السعودية، كما أن عملية تحلية مياه البحر في دول مجلس التعاون الخليجي؛ تشكل نسبة كبيرة مقارنة بدول العالم، باحتضانها أكثر من 60% من مشاريع عمليات تحلية مياه البحر في العالم، وتعتمد هذه الدول على التحلية بنسبة تصل إلى 80% كمصدر أساسي لمياه الشرب والنسبة المتبقية من المياه الجوفية.

 لكن عمليات إنتاج المياه المحلاة مكلفة وتتراوح قيمتها من 70 سنتًا إلى دولار واحد لإنتاج متر مكعب واحد من المياه المحلاة، ويبلغ عدد محطات التحلية على شواطئ الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب؛ أكثر من 290 محطة تحلية لمياه البحر، منها 167 محطة تحلية في دول مجلس التعاون الخليجي؛ تتمتع بسعة تصميمية تبلغ 7,824.8 مليون متر مكعب في اليوم، وتعتمد هذه المنطقة اعتمادًا شديدًا على تحلية المياه للشرب؛ علمًا أن السعودية والإمارات و الكويت تعتبر أعلى ثلاث دول تنتج مياه محلاة في العالم.

إن هذا المستوى من الطلب على مياه التحلية؛ مرجح له أن يستمر في التزايد مع زيادة عدد السكان المضطردة؛ بسبب سياسة جلب العمالة الوافدة التي لم تتوقف رغم تخمة أسواق العمل بملايين من العمالة الأجنبية وخصوصًا من جنوب شرق أسيا، لذلك من المرجح أن يزداد الطلب على المياه في دول الخليج بنسبة 50% بحلول عام 2025، رغم أن السعة التخزينية لا تستوعب إلا بضعة أيام؛ خصوصًا مع الأزمات المتلاحقة التي لم تغادر المنطقة منذ قرابة نصف قرن.

 ومع هذه القدرة في تحلية المياه التي تعتبر الأكبر على مستوى العالم؛ يتربص العدو الصهيوني بالمنطقة، من أجل ليّ ذراعها ومسكها من مكان الوجع المتمثل في توفير تقنية المياه التي تحتاجها دول المجلس، واعتبار ذلك مدخلًا جوهريًا، يضاف إلى الأرضيات التي تم تحضيرها للتطبيع واختراق أسواق المنطقة، وخصوصا أسواق الدول الكبرى فيها.

إن عملية التحلية وإنتاج المياه؛ تستنزف حصصًا وافرة من الموازنات الخليجية، وتغذق على الشركات الأجنبية عشرات مليارات الدولارات؛ نظير عقود التشييد والصيانة، ويكفي أن السعودية بحاجة إلى استثمار أكثر من 80 مليار دولار في مشاريع جديدة لتحلية المياه في السنوات العشر المقبلة؛ فضلًا عن الإمارات و قطر الكويت وعمان والبحرين.

 إن هذا الحقل من الاستثمار يعتبر حقلًا استراتيجيًا دائم الصرف عليه، ولا نعتقد أن العدو الصهيوني؛ سيكون بعيدًا عن تفاصيله الجزئية، بل سيكون قريبًا جدًا ليمسك بمفاصل هذه الصناعة ليصبح مقررًا فيها، إذا تركت الأمور على ما هي عليه الآن، وهنا يكمن الخطر.