Menu

قناة البحرين والتطبيع العربي ودورهما في إنجاح المشروع الإسرائيلي

د. سامح إسماعيل

نُشر هذا المقال في العدد 25 من مجلة الهدف الإلكترونية

يبدو مشروع قناة البحرين الذي تهدف إسرائيل من خلاله، إلى التموضع على خارطة الجغرافيا السياسية لإقليم الشرق الأوسط، محاولة استراتيجية، لانتزاع اعتراف مُقنّع بوجودها، وتحقيق عدة فوائد؛ سياسية واقتصادية، عبر مسارات الهيمنة وتكريس التطبيع في المنطقة.

في العام 2017، استدعت إسرائيل مشروعها الذي أعلنته في العام 2013، ووضعته على طاولة المفاوضات، برعاية أمريكية، حيث حاولت إغواء الشركاء الإقليميين، بورقة نقص المياه؛ فعرضت على الأردن والسلطة الفلسطينية، إمدادهما بكميات هائلة من مياه القناة الجديدة، بعد تحليتها، وبمقتضى الاتفاق، توفر المرحلة الأولى من المشروع، نحو 80 مليون متر مكعب من المياه، سنوياً للأردن، وكذلك تزويد البحر الميت بمياه إضافية.

كما تمنح تل أبيب للسلطة الفلسطينية، نحو 32 مليون متر مكعب من المياه العذبة سنوياً، وذلك باستغلال فارق الارتفاع بين إيلات والبحر الميت، في بناء محطة هايدرو إلكترونية، بطاقة 32 ميغاواط، لتوليد الطاقة الكافية لتحلية المياه، واستخدامها في الشرب والزراعة، وشحن الخزانات الجوفية التي أوشكت مياهها على النفاذ.

القناة التي يؤكّد البعض أنّها سوف تمثل منافساً قوياً لقناة السويس، يتطلب تحويلها إلى واقع، عدة شروط موضوعية، فهي وإن كانت ستجني على إسرائيل فوائد اقتصادية وسياسية، إلا إنّها تظل مشروطة، بشكل نظري؛ بتحقيق تقدم حقيقي في المفاوضات، شأنها في ذلك شأن المشروعات الاستثمارية العملاقة، التي يستدعي تنفيذها وجود استقرار سياسي، وتأمين حقيقي لموقع المشروع.

وزير التعاون الإقليمي في حكومة نيتانياهو، أوفير أكونيس؛ طالب في أعقاب الأزمة الأخيرة، وتوقف الملاحة بقناة السويس، بإحياء مشروع قناة البحرين، وقام بمخاطبة الجهات المانحة، على رأسها البنك الدولي، وصندوق النقد، والاتحاد الأوروبي، بزعم احتمالية تكرار جنوح السفن مستقبلًا في قناة السويس، دون وجود بديل ينقذ الاقتصاد العالمي، ولفت الوزير الإسرائيلي إلى أنّ المشروع: "سوف يمهد لربط عدة دول وشركات عملاقة، حول العالم، وتوفير المياه العذبة، في منطقة شديدة الجفاف، وانقاذ البحر الميت، الذي يحتاج إلى عملية تأهيل ضخمة، في ظل الانخفاض الكبير الذي يتهدد وجوده".

المشروع الذي ترفضه منظمات حماية البيئة، وكذلك دافع الضرائب في الداخل الإسرائيلي، تحمل تبعاته، فشلت تل أبيب حتى اللحظة في توفير التمويل الكافي له، وتحاول، في ظل عدم اهتمام المؤسسات الدولية، بما فيها الاتحاد الأوروبي؛ ربطه بالمسار السياسي الأخير، باستغلال اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها مؤخراً، مع دول غنية بالمنطقة، لجذبها تجاه الاستثمار في المشروع، وبالتالي ربطه بمسارات التطبيع السياسي، كأداة من أدوات إحلال السلام في المنطقة، وفق مزاعم العدو الإسرائيلي.

لم تشأ إسرائيل إضاعة الوقت، ففي أعقاب اتفاقية "السلام" بين المنامة وتل أبيب؛ عرضت الأخيرة مخططات المشروع، على وزير التجارة البحريني، زيد الحياني، في محاولة لاستقطاب رأس المال الخليجي، وبالتالي التنصل من الأعباء المالية التي يتطلبها المشروع، في ظل ضغوط مارستها عمان، لدفع إسرائيل للالتزام بتعهداتها، وأفادت تقارير أنّ البحرين طلبت المزيد من التفاصيل، كما لوحت بضرورة موافقة مصر، وكذلك اقتسام رسوم المرور معها.

يظل التباين في الأهداف، حجر عثرة أمام إتمام المشروع؛ فالأردن يسعى إلى توفير احتياجاته المُلحة من المياه العذبة، من خلال تحليه مياه القناة الجديدة، وكذلك ضخ نحو 300 مليون متر مكعب من مياه البحر الأحمر في البحر الميت، في المرحلة الأولى من المشروع الذي سوف يجري تنفيذه على الأراضي الأردنية، وبالتالي إنقاذ البحر الميت من الاختفاء.

أهداف الأردن لخصها بوضوح، عدنان الزعبي، مساعد أمين عام وزارة المياه والري الأردنية في قوله: "إنّ تحلية مياه البحر الأحمر، وتحلية المياه المالحة في باطن الأرض، كفيلة بأن تكفي الأردن حاجته من المياه، إضافة إلى أنّ المشروع سيحافظ على البحر الميت"، وهي أهداف لا تختلف كثيرًا عن متطلبات السلطة الفلسطينية التي تسعى تجاه تحقيق وفرة من مياه الشرب، في ظل التغيرات المناخية التي جعلت موسم سقوط الأمطار قصيراً.

وبالتالي، فإنّ الحسابات الإسرائيلية، التي تتجاوز محدودية التركيز على تحلية المياه؛ تنطلق تجاه شق طريق جديد أمام القوافل البحرية، وربطها بمشروعات استثمارية ضخمة؛ تفرض جملة من الأدوار الجديدة، بل تفرض وجود الدولة العبرية ذاتها، كمركز ثقل في التجارة العالمية، وبوابة رئيسية لشرق المتوسط، وفي ظل البحوث التي تؤكد على المخزون الهائل من الغاز الطبيعي، في شرق البحر المتوسط، ومع بدء تشغيل حقل ليفثيان وإنتاجه الضخم، يمكن للقناة الجديدة أن تصبح شرياناً حيوياً لضخ الغاز إلى آسيا والشرق الأقصى.

ويمكن القول أنّ الأطراف الخليجية، التي تسعى تل أبيب تجاه دفعها نحو الانخراط في المشروع الذي أدركت عدم قدرتها على الوفاء به وحدها، لديها هي الأخرى حساباتها السياسية، وتوازناتها مع مصر، والتي تسعى هي الأخرى نحو تطوير مجرى قناة السويس، وتحويله إلى مركز تجاري دولي، على غرار المناطق الحرة، كما أنّ تل أبيب لم تقدم سياسيّاً ما يبرر هذا الانخراط، والذي سوف يتحول إلى تورّط سياسي؛ باهظ الثمن. أضف إلى ذلك نقص الخبرات لدى أطراف المشروع، في تنظيم وتسيير الملاحة في مثل هذه المجاري المائية الصناعية، بحيث تبدو منافسة قناة، عمرها تجاوز قرناً ونصف القرن، كقناة السويس، أمرًا شديد الصعوبة.

في نهاية الأمر، تريد إسرائيل دمج مشروعها الاستعماري، بخط تجاري؛ تربط فيه مسارات التطبيع بالاستثمارات المالية الضخمة، من ثم التموضع عبر انتزاع الاعتراف بوجودها، دون مقابل، وهي منهجية شبه مستحيلة، ذلك أنّ الأمر يتطلب أبعد من استخدام لغة القوة، أو التمدد السياسي الناعم؛ فالقدرة على حماية المجرى المائي، ومحطات التحلية، وأنابيب المياه المحلاة؛ يتطلب شروطاً لا تنطبق على إسرائيل، وأولها الوجود في محيط جغرافي هادئ ومستقر، وغير مستهدف.