Menu

كل فلسطين تستل "سيف القدس" من غمده

راسم عبيدات

أليس هذا تغير مفصلي في الصراع مع المحتل، عندما تستل كل فلسطين "سيف القدس " من غمده..؟ أليس استلال هذا السيف، هو من وحد شعبنا على طول وعرض جغرافيا الوطن..؟ أليس هذا السيف من قال بأن شعب فلسطين حي ولن يموت، وبأن قضيته ليست فقط حية، بل عادت لكي تتصدر المشهد الكلي عربياً وإسلامياً وإقليمياً ودولياً..؟ أليس هذا السيف من قال وأوجز بأن غزة لن ترفع الرايات البيضاء ولن تستلم..؟ أليس هذا السيف من ضرب في العمق الصهيوني وخلق معادلات ردع وتوازن رعب..؟ أليس هذا السيف من قال بأن شعبنا في الداخل الفلسطيني، رغم ثلاثة وسبعين عاماً من الاحتلال والحرب علي وعيه لم يجرِ تذويبه ودمجه في المجتمع الصهيوني، ولم يتأسرل ولم يتهود...؟ أليس هذا السيف من طور خطة دفاعية فلسطينية شاملة، تقول بأن الكل يدافع عن الكل، والجزء يدافع عن الكل، والكل يدافع عن الجزء...؟ أليس هذا السيف من أعاد وصل ما قطعه أوسلو الكارثي بين جغرافيا وحدود الوطن.. أوسلو الذي قسم الشعب والأرض، و"سيف القدس يزيل كل خطوطه الوهمية؟ أليس "سيف القدس" من وحد المصير والمسار بين القدس وغزة.. وقال بأن زمن ترك القدس والأقصى لوحدهما قد ولى..؟

"سيف القدس"؛ لم يُعد الكرامة والعزة لشعبنا العربي الفلسطيني فقط، بل لكل الشعوب العربية والإسلامية التي تئن تحت وطأة نظام عربي متهالك وبائس فاقد لإرادته وسيادته وقراراته؛ نظام عربي لم يقف فقط على الحياد مثل مؤسسة الصليب الأحمر، بل جزء منه انحاز إلى دولة العدوان.

"سيف القدس"؛ قال بشكل جلي بأن كلفة الصمود والمقاومة أقل بكثير من كلفة الخنوع والاستسلام، وقال كذلك بأن الطريق الأقصر للتحرير والحرية، ليس عبر بوابات التطبيع والخيانة؛ فالتطبيع لم يجلب للمطبعين لا الأمن ولا الأمان، فكيف لدولة تعجز عن حماية نفسها وأمنها، أن تمنح الأمن لغيرها..؟

تجارب من سبقوا المطبعين من حلف "ابرهام"، ووقعوا الاتفاقيات مع المحتل؛ من "كامب ديفيد" إلى "وادي عربة" إلى أوسلو الانتقالي؛ يعرفون جيداً بأن تلك الاتفاقيات لم تحدث أي تغيير ايجابي في حياة شعوبهم وأوضاعهم الاقتصادية، بل أنتجت المزيد من الفقر والجوع والبطالة والتضخم والارتهان لمؤسسات النهب الدولي من صندوق نقد وبنك دوليين، وكذلك بقيت تلك الدول مستهدفة من قبل المحتل؛ فالنسبة للأردن لم يتخلَ المحتل عن فكرة الوطن البديل، ولم يعطِ الأردن الكمية الكافية من المياه التي اتفق عليها، بل استمر في العبث بجبهتها الداخلية، وأراد الأردن أن يكون ممراً لبضائعه ومنتوجاته إلى أسواق الخليج، وأن يصبح سوقاً للغاز المنهوب من حقول فلسطين ومصر؛ المحتل هو من دعم وأرسل منظومة صواريخ لحماية سد النهضة الأثيوبي الذي يمس بأمن مصر المائي ويعطش شعبها.

"سيف القدس"؛ يحول دولة الاحتلال إلى دولة طاردة وليست جاذبة؛ فالإسرائيلي الذي يريد القدوم الى ما صورته له الدعاية الصهيونية، بأن دولة الاحتلال دولة اللبن والعسل، وبأنها دولة الأمن والأمان؛ سيكتشف بأن هذا مجرد وهم وكذب وخداع وتضليل، ومن بعد صمت المدافع والصواريخ والقصف البربري للمدنيين في القطاع؛ سيحزم عدد ليس بالقيل حقائبه ويعود من حيث أتى، فهو لا يحتمل العيش في دوامة صراع مستمر.

"سيف القدس"؛ قال بشكل واضح بأن دولة الاحتلال لن تكون؛ مكون طبيعي من جغرافيا المنطقة، وغير ممكن دمجها في هذه الجغرافيا؛ فأمريكا من خلال الحرب العدوانية التي قامت بها "إسرائيل" نيابة عنها في عدوان تموز /2006، على المقاومة اللبنانية وحزب الله؛ فشلت في خلق ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، بحيث تكون إسرائيل مكون أساسي فيه. من بعد "سيف القدس" ستشتد المطالبات بما يسمى بيهودية الدولة، ولكن لا قانون ما يسمى بأساس القومية الصهيوني ولا مخططات الطرد والتهجير ستنجح في اقتلاع شعبنا، فهذا الشعب الذي انتفض على طول وعرض جغرافيا الوطن قال بشكل واضخ واحد لا نكبات بعد اليوم ولا هزائم بعد اليوم.

"سيف القدس" هو من منع التطهير العرقي في الشيخ جراح، وسيمنعها في بقية أحياء القدس، بالتشارك مع النضال الشعبي الجماهيري المتواصل والمستمر، والذي قال فيه جيل ما بعد أوسلو كلمتهم، حيث شكلوا الكتلة البشرية الأكبر في الفعاليات والمناشطات والاعتصامات والمسيرات التي بقيت مستمرة لنصرة أهل الشيخ جراح ومنع طردهم وتهجيرهم، وثبت بالواقع أن هذا الجيل الذي راهن المحتل عليه، بأنه من الممكن أسرلة وعيه و"كيه" و "صهره" و"تطويعه"، وبالتالي إضعاف تماسكه الوطني والثقة بنضالات وتضحيات شعبه والإيمان بحقوقه؛ جاء ليقول كلمته الصادمة للمحتل؛ نحن لن ننسى ولن نخرج من معادلة الصراع، بل نحن من سنقود هذا الصراع من اجل حرية شعبنا واستقلاله وتوحده على كل مساحات الوطن.

" سيف القدس"؛ كان متغيره الأكبر هو هبة شعبنا في الداخل الفلسطيني- 48 - تلك الهبة التي أربكت المحتل وقلبت كل حساباته وموازينه، عن وهم التذويب والعيش المشترك والتخلي عن الحقوق؛ فحجم القهر والتنكيل الذي يرتكبه المحتل بحق شعبنا هناك ومشاريع الطرد والتهجير والعنصرة من خلال "شرعنة" و"دسترت" و "قوننة" ذلك مثل قانون ما يسمى بالقومية الصهيونية ومشروع "برافر" لتهويد النقب ورعاية الجريمة والعنف في المجتمع الفلسطيني ومحاولة التذويب، كلها دفعت نحو الانفجار الشامل، ولكي يقول أبناء شعبنا بأننا لسنا جزء من دولتكم المحتلة، بل نحن جزء من وطن محتل لنا هويتنا الفلسطينية وقوميتنا العربية، وكل هوياتكم المستدخلة علينا ستفشل.

نعم المجتمع الصهيوني منقسم سياسياً وأيديولوجياً، وستتعمق أزماته السياسية والمجتمعية من بعد معركة "سيف القدس" وسيفقد مناعته ووحدته، وسيفكر قادته من الآن فصاعداً جلياً وعميقاً بأن فائض كل قوتهم العسكرية المتطورة تكنولوجياً ومروحة تحالفاتهم الواسعة عربياً ودولياً ومظلة الحماية التي توفرها لهم أمريكا ودول الغرب الاستعماري، لن تنجح في اقتلاع شعب مصر على المقاومة والتخلص من الاحتلال.