Menu

دماء شعبنا ليس للاستثمار السياسي

غسان أبو نجم

يعجز القلم عن وصف حالة الاشتباك السياسي التي تقوده المقاومة الفلسطينية ضد أعتى نظام استعماري عنصري احلالي في التاريخ؛ عدو يمتلك ترسانة مسلحة وقدرات عسكرية تدميرية متقدمة لم يستطع رغم كل هذه الامكانات أن يصمد أمام إرادة شعبنا وجبروت مقاومته، وأخذ يبحث من خلال حلفائه عن هدنة؛ تخرجه من مستنقع الهزيمة الذي وقع به. فرغم حالة التدمير الممنهج للبنية التحتية لقطاع غزة وهدم الأبنية فوق رؤوس أبناء شعبنا من نساء وأطفال، لم يستطع كسر إرادة هذا الشعب في مقاومته وحشد كل الطاقات العسكرية والجماهيرية لمحاصرته وهزيمته؛ عسكريًا وسياسيًا. لقد أفادت الهبة الشعبية المقدسية وحالة الاسناد الصاروخي للمقاومة في غزة والاحتضان الشعبي لهذه الحالة والالتفاف الشعبي العرب حول المقاومة والتعاطف العالمي مع عدالة قضية هذا الشعب الذي اختار الموت كي يحقق الحياة؛ أفادت بالعديد من الدروس أهمها؛ أنه ثبت بالمطلق بأن كلفة المقاومة؛ أقل من كلفة الهزيمة والاستسلام، رغم الخسائر التي تكبدها أهلنا، وخاصة في القطاع، وأن خيار المقاومة ضد المحتل هي الطريق الوحيد لتحقيق الحرية والاستقلال بعد ثبوت فشل الحل السياسي التفاوضي مع هذا الاحتلال الذي كانت نتيجته خسران جزء كبير من أرض فلسطين والاحلال غير الشرعي لهذا الكيان على أنقاض فلسطين؛ أرضًا وشعبًا وقضية. استطاعت المقاومة إسقاط أوسلو وكل ملحقاته وسلطته وزمره ومخططاته في تفتيت الشعب الفلسطيني بين شعب في الضفة وشعب في القطاع وشعب في الداخل وشعب في الشتات، ووحدت شعبنا في كل فلسطين التاريخية، ووحدت كلمته وجهوده في مقاومة الاحتلال في القدس واللد ونابلس ورام الله وغزة، وكان نجاح الإضراب العام في كل أنحاء فلسطين الرد العملي الذي أعلن موت اتفاقية العار الأوسلوية.

كما أفادت المقاومة؛ أن العودة للجماهير كرافعة وحاضنة للمقاومة هو الخيار الأمثل للانتصار، وليس تحالفات أوسلو والدوران في فلك سلطته؛ تحت مبررات واهية؛ أضحت مكشوفة لشعبنا وقواه الحية التي تقدمت على كافة البرامج والقيادات وأرغمتها على اللحاق بها، بعد حالة اليأس والإحباط التي أحاطت بشعبنا وفقدانه الأمل بكل فصائل العمل الوطني.

لقد كان لحالة الالتفاف الشعبي العربي في كل أقطار هذه الأمة والاسناد العملي لمحور المقاومة العربية لمقاومتنا الدور الكبير في إعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الحقيقي كقضية مركزية لكل العرب وأن عمقنا العربي هو الضمانة الرئيسية لاستمرار ورفع جذوة المقاومة وتعميق حالة التعاطف العربي مع قضية شعبنا. واستطاعت المقاومة أن تضع حدًا لحالة التطبيع المجاني مع الاحتلال والهرولة غير المسبوقة للنظام الرسمي العربي اتجاه ادخال هذا الورم السرطاني الخبيث إلى جسد الأمة العربية؛ عبر الاتفاقات العسكرية والأمنية والاقتصادية والترويج للتطبيع الثقافي ونشر ثقافة الاستسلام وبث أوهام الولايات المتحدة الإبراهيمية وتصالح الأديان وبناء السلام للأجيال القادمة وغيرها؛ من ثقافة التطبيع والاستسلام. لقد عمقت إرادة شعبنا في المقاومة، رغم حجم التدمير الممنهج للبشر والحجر من حالة التعاطف والالتفاف الدولي حول قضيتنا وعدالة ومشروعية كفاحنا ضد آخر احتلال في التاريخ واستنفرت كل شعوب الأرض المنادية؛ بعدالة وأحقية شعبنا في مقاومة المحتل المغتصب وأضحت هذه الشعوب أداة ضغط فاعل على حكوماتها؛ برفع الدعم والغطاء عن المحتل الصهيوني وتأييد مطلب الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال.

إن أهم ما أنجزته المقاومة في كل أنحاء الوطن المحتل هو إعادة توازن الرعب مع المحتل الصهيوني الذي اضطر أفراده ومغتصبيه إلى النزول للملاجئ؛ بفعل ضربات المقاومة الصاروخية، بل تعدته لتحدد متى وكيف سيخرجون منها وأن أذرع المقاومة قادرة للوصول إلى عمق الكيان، بل وأجبرت المغتصبات الصهيونية وساكنيها إلى عدم التحرك منها في كافة أنحاء الضفة ومنعت خروج أو دخول الأفراد والبضائع منها وإليها؛ بفضل حالة الهلع والخوف من المقاومين الفلسطينيين وما رافق ذلك من عدم ثقة سكان الكيان بالقبة الحديدية وكذبتها الكبرى واكتشافهم حالة الوهم التي بثتها قيادتهم السياسية؛ بأن الكيان واحة آمنة للعيش والاستثمار وأنهم قاب قوسيين أو أدنى من بناء دولتهم الكبرى الموحدة وتفاجأ الجميع أن هذه المعركة وحدت الشعب الفلسطيني ضد المحتل وشتت أفراد الكيان الذين هرعوا للمطارات لمغادرته والعودة لبلدانهم الأصلية وتبدد حلمهم بإقامة دولة كبرى لهم على أنقاض شعبنا.

إن هذه التضحيات المؤلمة والانجازات التي تحققت؛ بفعل جبروت هذه الشعب والدماء الزكية التي عطرت طريق الحرية والاستقلال لهذا الشعب الذي تعرض وعبر 73 عامًا من النضال عليها أن تفضي إلى تحقيق حقه التاريخي بأرضه ووطنه وبناء دولته، وهذا الأمل والحق المشروع، ليس قابل للتفاوض أو الاستثمار السياسي، وأن كل محاولات البعض الالتفاف على هذه الانجازات والتضحيات؛ عبر الانجرار نحو هدنة مع الاحتلال بلا مقابل؛ ستدفع جماهير شعبنا الغاضبة إلى لفظه والتخلي عنه لأنها أدركت وباتت على يقين بأهدافها ولن تنطلي عليها التسويقات من القيادة السياسية لبعض الأطراف التي تراهن حتى الآن على رأس الشر العالمي وحلفائه في الضغط على الكيان الصهيوني للعودة إلى عبثية المفاوضات، وهذا الخيار إن تحقق؛ سيعيد عجلة القضية الفلسطينية إلى مربع لن تخرج منه أبدًا.