الآن وقد توقفت حرب تدمير غزة من طرف العدوان، بعد التدخل الحازم والحاسم من قبل المقاومة الفلسطينية وأدائها العالي في الدفاع عن غزة والتخفيف عن أهلنا في القدس ، والدخول بقوة على خط الاشتباك والمواجهة في الحرم القدسي وحي الشيخ جرّاح.
لقد أظهرت المقاومة الفلسطينية قدراً عالياً من الاحتراف والمهنية والانضباط والتنظيم والتطور واستخلاص دروس المواجهات السابقة والاستفادة من الثورة التقنية وثورة المعلومات، وهو أمر لم يعد حكراً على عدونا الذي يسبقنا بعقود في هذا المضمار. إن نجاح الفلسطينيين في الصمود والثبات ورد الضربة بضربة في هذه الجولة، رغم الثمن الذي دفعوه من أرواح أطفالهم ونسائهم وشبابهم وممتلكاتهم، يُعدّ نصراً إذا ما قيست الأمور وفقاً للموارد والإمكانات وموازين القوى. إن البطولة والبسالة التي أظهرها الفلسطينيون في المواجهة التي انتهى جانبها المسلح على الأقل في المدى المنظور، أمر يشبه المعجزة، وهو ما يشير إلى أن المقاومة لم تكن تضيّع الوقت في الاستعداد والجهوزية ومراكمة القوة، وهو ما بدا واضحاً من مستوى الأداء والقدرة على توظيف واستثمار كل ما في اليد لصنع قوّة ردع قادرة على فرض قواعد اشتباك جديدة غير ما كان عليه الحال قبل هذه الجولة.
إن الانتفاضة الجارية في فلسطين والتي في سياقها؛ جاءت المواجهة العسكرية، وشكّلت وتشكّل تطوراً نوعياً جديداً على صعيد القضية الفلسطينية والمواجهة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الصهيوني العنصري لفلسطين، وسيكون لها تداعياتها وانعكاساتها على المواجهة التاريخية المحتدمة بين الطرفين، وهي نوعيّاً تحمل سمات وملامح خاصة تختلف عما سبقها من انتفاضات لجهة اتساعها وشموليتها وحالة الإقدام والجرأة والجسارة التي ميّزت وتميّز شبابها والخبرة التي راكمها الشعب الفلسطيني، وخاصة فئة الشباب التي يقع على كاهلها عبء الفعل الانتفاضي... إن دخول الشباب الفلسطيني في المناطق المحتلة عام ٤٨ بقوة في السياق الانتفاضي، وحالة التعاطف الدولي لدى شعوب العالم خلال وقت قياسي نتيجة الدور الفاعل التي لعبته جموع اللاجئين الفلسطينيين والجاليات العربية في الدول الأوروبية والأمريكيتين؛ تلك الجموع التي ملأت الشوارع صخباً وغضباً؛ شكّل أهم سمة من سماتها وهو الأمر الذي سيكون له تداعياته الحاسمة في المواجهة، حيث شكّل هذا التدخل المفاجأة الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل والاحتلال وكل الباحثين والنخب الإسرائيلية؛ إذ أن أكثر الناس تشاؤماً لدى هذه النخب لم يكن يتوقع أن يحصل ما حصل؛ الأمر الذي مثّل صدمة لدولة الكيان؛ تحتاج لوقت حتى تعود لرشدها جراءها، وهو أمر سيشغل الإسرائيليين سلطة حاكمة ومؤسسات حكومية ومراكز أبحاث ونخباً سياسية وثقافية سنوات قادمة، لأن الفشل الذي لحق بالمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية سيطرح إشارة استفهام كبيرة على مستقبل إسرائيل، وسيُلقي بسؤال الوجود بقوة في وجه (إسرائيل) ووجوه الإسرائيليين فُرادى وجماعات صباح مساء.. فهل تستخلص قيادة الشعب الفلسطيني الرسمية والفصائلية العبر والدروس، ويعود لها وعيها، وتبدأ بصياغة استراتيجية مواجهة شاملة للاحتلال تعتمد الانتفاضة الشعبية؛ شكلاً رئيسياً للنضال باعتبارها أوسع اشكال المقاومة الشعبية التي يمكن أن تشمل كل فلسطين التاريخية؛ تتفيأ بظلال المقاومة وتحتمي بها، هذه الانتفاضة التي يمكن أن تكون سبيلاً وطريقاً لإنهاء الاحتلال وانتزاع حقوقنا الوطنية في فلسطين كاملة غير منقوصة .

