تقف مصر، هذه الآونة، أمام لحظة تاريخية فاصلة، فلأول مرة، وعلي امتداد تاريخها الممتد الحافل لأكثر من خمسة آلاف عام؛ تواجه تحديات وجودية حاسمة على هذه الشاكلة، وتصطدم بتهديدات جوهرية غير مسبوقة، يمكن وصفها بـ "المصيرية"، تتعلق بالوجود والعدم؛ الموت والحياة؛ البقاء والتحلُّل، وهي تلك التهديدات المترتبة على سعي أثيوبيا إلى حجب سر حياة مصر والمصريين عنها، نهر النيل، ببناء "سد النهضة" الأثيوبي، وسدود أخرى قيد الإعداد، دون أى اهتمام بمصير دولة المائة مليون، فضلاً عن الثلاثين مليون مواطن سوداني أيضاً.
ويطرح هذا الوضع الكئيب، الذي بلغ فيه استهانة الطرف الأثيوبي بمصر، دولةً وشعباً، حد الإهانة التي لم يسبق أن تجرعها المصريون على امتداد تاريخهم المعاصر؛ أسئلةً عديدة حول الأسباب التي أدت بمصر إلى أن تتراجع من موقع الريادة والقيادة المُستحق الذي نالته وحافظت عليه لعقود طويلة، خلال القرن الماضي، وخاصة تحت قيادة الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، إلى هذا الوضع الذى لم تعتده، ولا يليق بإمكاناتها ومكانتها؛ وهي أسئلة باترة لا مناص من الإجابة عليها، بوضوح وصراحة، وقسوة على النفس والوعى، وهو أمر لا مفر منه إذا ما أردنا الخروج من هذه المعضلة التى تتهدد مهد الحضارة البشرية، وفجر ضميرها الإنسانى المشهود.
ويجب، بدايةً التأكيد على أن الدور والمكانة التى تنالها أى أمة، أو تتحصل عليها أية دولة، هو أمر ينهض على مقومات موضوعية في المقام الأول، ولا يُعدُ التصدي لحمل أعباء دور محوري في منطقة ما، حدثاً وليد الصدفة، أو شأناً مدفوعاً بالرغبة الذاتية، وإنما هو واقع، تُهيئه الشروط الموضوعية الثابتة من جهة، وتدعمه من جهة أخري الإمكانات والعوامل المادية، ويلزمه شروطاً تاريخية تؤكد اللياقة للدور والاستعداد والجدارة، وقد قدَّمت مصر على امتداد تاريخها التليد مسوغات هذا الدور، ودعمته في العصور الحديثة، بشروط ذاتية لا تتوافر في طرف آخر غيرها بالمنطقة، فهى من حيث السُكَّان الأكبر عدداً، ومن حيث الموقع تسكن إلى ما وصفه الدكتور"جمال حمدان"؛ بـ "عبقرية المكان"، الذي منحها موضعاً محورياً في منطقتها والعالم، وموقعاً استراتيجياً، دفع "نابليون" لاعتبار مصر: "أهم بلد في العالم"، فهي تقع في مركز المعمورة، وتضع قدماً في قارة أفريقيا والأخرى في قارة آسيا، وتمد ناظريها لكي تُلامس شواطئ أوروبا، وتتحكم فى أهم ممر مائي (قناة السويس)، يربط الشرق بالغرب، وتتكون من شعب واحد، منسجم ومتماسك، يعيش فوق أرض منبسطة، معتدلة المناخ، عامرة ومعمورة، تطل على بحرين هامين: "المتوسط" و"الأحمر".. إلخ. والأهم من هذا كله، هو إنسانها المتحضر والمُبدع الذي عاش فوق هذه الأرض الجدباء فزرعها، وخلق من خوائها حضارة زاهرة، ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب والدهشة، بمنجزاتها الخارقة حتى الآن.
وبعيداً عن الغوص في أعماق تاريخ مصر وحضارتها الإمبراطورية التاريخية، فقد حقق النفوذ الأدبي والسياسي، في عهد الرئيس "جمال عبد الناصر"، انتشاراً وتأثيراً واسع المدى، تجاوز حتى الحسابات المادية لقدرات مصر وإمكاناتها آنذاك، ومرد ذلك أن الدور الذى قامت به "مصر عبد الناصر"، فى مقاومة الاستعمار، والدعوة لفكرة العروبة، وتبني حركات التحرر العربية والأفريقية والعالم ثالثية، وطرح أفكار التأميم والتمصير والتعريب والاشتراكية والعدالة الاجتماعية والاستقلال وعدم الانحياز والسلم العالمي وغيرها؛ طرحاً عملياً مشفوعاً بمساندة ودعم عملى لآمال الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية واللاتينية في التحرر والاستقلال، كان محط اعتبار شعوب هذه القارات، وعرفان قادتها، وقد سمعت من قادة كوبيين، وفنزواليين، وأفريقيين كثر، ناهيك عن القادة المناضلين العرب، كالزعيم الجزائرى "أحمد بن بيله"، وقادة الثورة الفلسطينية، واليمنية وغيرهم من رجال السياسة والثورة في مختلف البلدان العربية، ما يُفيد أن مسار ثورة 23 يوليو، بانتصاراتها وانكساراتها، ودور وتوجُّهات مفجرها، "جمال عبد الناصر"، كان أمراً مُلهماً لهم في نضالهم، ودافعاً للصمود والتحدي؛ فضلاً عن المساعدات العينية المباشرة التي قدمتها لهم مصر وزعيمها.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد كان دور الإنسان المصري أيضاً لا يقل أهمية، ولا ينقص فيما قدمه لاسم مصر ومكانتها في عالمها العربي والأفريقي والعالم ثالثي، فكم من أستاذ كبير، ومُعَلِّم متفوق، ومُتخصص كفؤ، وفنان مبدع، ورياضى مبرز، ورجل دين ورع، ومفكر متميز، في أرجاء العالم العربي والقارة الأفريقية والمجال الآسيوى، تعلم في مصر، وتأدب في جامعها وجامعاتها، وارتشف من معين علمها وثقافتها وفنها وإبداعها؟ وكم من تلميذ عربي، تتلمذ علي يد مُدرس مصري؟ وكم من متخصص عربي تلقى معارفه على يد عالم مصري؟ وكم من مثقف عربي كبير تربي على كتابات "طه حسين"، ومسرحيات "توفيق الحكيم"، وأشعار "أحمد شوقي"، وروايات "نجيب محفوظ"؟.. الخ.
غير أن كل ما تقدم من إشارات وتراكمات، نالها التبديد، وطالها التدمير، مع تولى "أنور السادات" حكم مصر في أعقاب رحيل "جمال عبد الناصر"، حيث تحرك بقوة لكي يُهيل التراب علي تراث المرحلة السابقة ومسيرتها وتوجهاتها الحاكمة؛ فأعلن بدون مواربة ارتباطه بالسياسة الأمريكية المعادية لشعوبنا ومصالحها وقضاياها، مُدعياً أن: "99% من الأوراق في يد الولايات المتحدة الأمريكية"، وارتمى في أحضان الرجعيات النفطية، وتحالف مع القوى الرجعية الوهابية الإخوانية في مواجهة اليسار والناصريين، والاشتراكية والشيوعية، داخل مصر، وفي المنطقة والعالم بأسره (دوره في دعم "مجاهدي" أفغانستان)، وهدم كل المكتسبات الشعبية التي تحقَّقت في الحقبة الناصرية بانتهاج نظامه لسياسة "الانفتاح الاقتصادي"، و"التكييف الهيكلي" والخضوع لشروط وتوجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول "المانحة"! ثم كانت الطامة الكبري بالقفزة العدمية في فراغ الركوع للعدو التاريخي، الصهيوني، برحلة القدس الكارثية، وما ترتب عليها من توافقات ومعاهدات، وما نجم عنها من ويلات وانتكاسات، وبما وجّهته من طعنات غادرة إلى صدر فلسطين: الشعب والقضية، ولوحدة المصير العربي، مُتخلياً برعونة عن أهم دعائم مشروعية قيادة مصر للمنطقة، على نحو ما بيَّن "جمال حمدان" ببصيرته النافذة: "إذا كانت القيادة والزعامة مسئولية تُمارس وواجباً يُحقَّق، فلعل الاختيار النهائي لزعامة مصر يرفد من أن ترتقي إلى مسئوليتها عن استرداد فلسطين للعرب. وإذا صح أن نقول إن لا وحدة للعرب بغير زعامة مصر؛ فربما صح أن نقول إنه لا زعامة لمصر بين العرب بغير استردادها فلسطين للعرب، لأنه لا وحدة للعرب أصلاً من دون استرداد فسطين".
وإذا كان السهم المسموم الذي أطلقه "أنور السادات" قد أصاب في مقتل فلسطين والعروبة ومصالحهما الاستراتيجية، فقد أكمل "حسني مبارك" ونظامه، وريثه في الحكم والسلطة؛ الطامة الكبري بإهماله الفادح للقارة الأفريقية، بهمومها وتطلعاتها، وبأشواقها ومشكلاتها، خاصةً بعد أن أُنقذ من محاولة اغتياله في "أديس أبابا" عام 1995؛ فتمادى في إدارة الظهر للقارة الأم؛ أفريقيا، وفى التنصُّل من الدور المصري التحرري التنويري التاريخي لها، وفي احتضانها لقيادات وحركات النضال ضد الاستعمار، والتمييز العرقي، والفصل العنصري.
وكما كان انسحاب "السادات" من قضايا وهموم الأمة العربية؛ إيذانا بانفراط العقد العربي، وتبعثر مكوناته، كان انسحاب نظام "مبارك" من قارة أفريقيا إيذاناً بفتح أبوابها للعدو الصهيوني، ولأموال النفط الخليجي، ولعودة الاستعمار في صوره المُستحدثة؛ لأن دولها حينما تلفتت تبحث عن مُعين يدعمها في استكمال خطواتها للانعتاق من الفقر والتخلف، حيث كانت مصر هي الأخرى غارقة في وحول هزيمة 1967، ثم في دوامة الديون والفقر والأمية وتردي الأوضاع بعد حرب 1973، بعد أن أسفرت وعود الرخاء الاقتصادي والتقدم والازدهار - في ظل الانفتاح الاقتصادي العشوائي - عن ازدياد مُعدلات الفقر والتخلُّف، وتبديد آلاف من مصانع وهيئات القطاع العام، بكل ما كان يملك من أسس للاستقلال والتقدُّم الاقتصادي والصناعي، والسقوط في مستنقع الاستدانة والاستهلاك، وبعد أن كان شعارنا إنتاج كل ما نحتاجه "من الإبرة إلي الصاروخ"؛ صرنا نستورد كل ما نحتاجه "من الإبرة إلى الصاروخ"!
أما على المستوى السياسي والثقافي فحدث ولا حرج: إذ بعد مرور عقود على انتهاج النظم الحاكمة ، لسياسة الانفتاح الاقتصادي وتطبيقاتها "النيوليبرالية"، تدهور إنتاج مصر وإبداعها، وتراجع عطاؤها الأدبي والفني والإبداعي والعلمي المشهود، وتدهور مستوى التعليم فيها إلي درك غير مسبوق، وفشلت السلطة في أن تقدم لمحيطها العربي والأفريقي والآسيوى، نموذجاً يُحتذي في الإدارة الرشيدة، حتي لا نقول القيادة الديمقراطية للمجتمع، وانفكت عُرى العلاقة التى ربطت الشعب بالمشروع الوطنى القومى الكوني التقدمي التحرري، بالنظام الثوري، وتبددت طاقات المجتمع في مواجهة القمع الأمني، والاستبداد السياسي، والبحث المُضني عما يكفل ضرورات الحياة، وهو ما كان دافعاً لانتفاضات شعبية متتالية (18 و19 يناير 1977 (انتفاضة الخبز)؛ تمرد قوات الأمن المركزي فبراير1986؛ ثورة 25 يناير 2011، ...)، وبعد أن كان النظام يستمد قوته وقدرته على التأثير الخارجي من متانة علاقته بجماهير شعبه؛ أصبح الوطن بيئة مُجحفة بعشرات الملايين من مُنتجيه وكادحيه، وطاردة للمعارضين والموهوبين والطموحين، الذين ضاقت بهم البلاد؛ فراحوا يبحثون عن وطن بديل يحقق لهم ولو جانباً من آمالهم وتطلعاتهم!
وباختصار: لقد عكست النظم التى حكمت بعد رحيل "عبد الناصر"، عجز البرجوازية الريعية المتخلفة؛ التابعة؛ غير المنتجة؛ الاستبدادية الحاكمة، في عصور انحطاطها، وفشلت في أن تُقَدِّمُ لشعبها، قبل أن تُقَدِّمُ للشعوب العربية والشعوب الأفريقية والآسيوية؛ الطامحة للانعتاق من سياسات الإفقار والتخلُّف والأمية وبؤس الأحوال، ولولوج بوابات المستقبل، ما يُعينها على مواجهة ظروفها أو يمد يد العون لها؛ ففاقد الشيئ لا يُعطيه، بل إن قيادة الدولة التى كانت تقود كفاح الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية؛ تواضعت أدوارها، وأعلنت إفلاسها على رؤوس الأشهاد، على لسان وزير خارجيتها الذي صرح قائلاً: "إن مصر لا تطمح للعب دور ريادي في المنطقة"!!
وهكذا تم تسليم الوطن العربي والقارة السمراء؛ "تسليم مفتاح" لإسرائيل ومحميات النفط، ول تركيا ؛ فضلاً عن روسيا والصين، وكل طامح أو طامع! ومن هنا فلا غرابة أن يتراجع الدور المصري تدريجياً، وأن يسعى كل صاحب مصلحة ومطمع، من بني جلدتنا أو من الأغراب والأعداء، لملء الفراغ الكبير الشاغر؛ دون أن يتمكن من تعويض الدور المصري التاريخي الكبير.
هل يعنى هذا أن تهميش مصر، وتراجع دورها إن لم نقل تجاوزه، قد أصبح قدراً محتوماً؟
إطلاقاً؛ فلقد أثبتت التجربة الحيّة المُعاشة أن الأرض المصرية عامرة بطاقة أسطورية مُختزنة، وبقدرات هائلة مُعطَّلة، لن يستطيع كائن من كان أن يمنعها من التجسُّد مُجدداً، وتملك - رغم كل معاناتها - من المعطيات الكامنة ما سيدفعها للخروج من العتمة إلى ضوء النهار؛ فلا حياة لمصر في غيبة دورها الريادي، في مواجهة القوي الاستعمارية والإمبريالية والصهيونية، وفي الدفاع عن الحق في الحياة الحرة الكريمة، وعن العدل الاجتماعي والاشتراكية وعن مصالح جماهير شعوبها؛ لأنها ومرةً أخرى، كما توقَّع الدكتور"جمال حمدان": ستكون، إذا لم تفعل هذا؛ "مرشحة، ليس بين السيئ والأسوأ، بل بين الأسوأ والأكثر سوءاً، لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى وطن إلى مقبرة بحجم الدولة"!

