عضو السكرتارية المركزية للحزب الاشتراكي المصري/ مصر
يدور الحديث في الدوائر الرسمية السعودية والعربية حول مشروع نيوم؛ باعتباره مشروعًا اقتصاديًا للتنمية واقتحام التكنولوجيا الحديثة وبناء المستقبل، ولكن تقييم مثل ذلك المشروع لا بد، وأن يتم في السياق الذي يأتي فيه اقتصاديًا، وكذلك سياسيًا أيضًا؛ فأي مشروع اقتصادي بمثل هذا الحجم وطرحه باعتباره من محددات مستقبل السعودية والمنطقة؛ لا يمكن منطقيًا أن يخلو من الأبعاد السياسية، ومناقشة السياق السياسي الذي يأتي فيه هذا المشروع، لمستقبل الشرق الأوسط، لا بد وأن تعود بنا إلى نظريات الشرق الأوسط الكبير والجديد، وتطوير ترامب لهما من خلال خطته التفصيلية لمشروع صفقة القرن؛ المشروع بهذا المعنى يتضمن شقين، سياسي واقتصادي مترابطين، يتميز في شقه السياسي والعسكري باصطفاف المنطقة في مواجهة "العدو الإيراني"؛ من خلال حلف يتسع لإسرائيل "الصديق الجديد"، أما الشق الاقتصادي؛ فيتضمن رؤية لتنمية مستقبل المنطقة اقتصاديًا؛ من خلال مشروع يتم في ثلاث دول هي السعودية و مصر والأردن، والرابع المرفوع، ولكن المفهوم كما سنرى هو إسرائيل، مع "حل المشكلة الفلسطينية"؛ وفق رؤية أصحاب المشروع السعوديين وشركائهم العالميين والمحليين.
ومشروع نيوم الذي يأتي في إطار رؤية وخطة مستقبل المملكة حتى عام 2030، وكما طرحه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أكتوبر عام 2017 يختص بإنشاء منطقة اقتصادية خاصة شمال غرب السعودية على مساحة 460 كيلومتر مربع وبتكلفة نصف ترليون دولار، ويتم حسب ما هو معلن بين ثلاثة بلدان هي السعودية ومصر والأردن، كما تتخذ شكل شركة مساهمة مغلقة هي شركة نيوم التي تم إنشاؤها عام 2019، بمشاركة شركاء عالميين، ومن ضمنهم ثلاث شركات استشارية عالمية هي: شركة بوسطن، شركة ماكينزي وشركاه، وشركة أوليفر وايمان؛ ويهمنا توضيح أن المناطق الاقتصادية الخاصة هي أجزاء من الدولة لا تخضع للقوانين السائدة في الدولة؛ من ضرائب وجمارك وقيود على التصدير والاستيراد وضوابط الاستثمار العامة، ولكنها تخضع بشكل خاص لقانون إنشائها، وتتمتع بالكثير من الإعفاءات لتيسير دورها في التجارة العالمية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وتتضمن خطة المشروع المعلنة سعوديًا على المرور بعدة مراحل أولها التي تمت بالفعل بين أعوام 2017 و2020، وتضمنت إنشاء مطار دولي ضخم وتقدم في إنشاء البنية التحتية للمشروع من شبكة طرق، كما وتشمل عشرة آلاف وحدة سكنية للعاملين بالمشروع؛ ضمن الخطة الطموحة لزيادتها إلى مائة ألف وحدة لكي يضم العاملين به، وهناك مرحلة ثانية حتى عام 2025، وثالثة حتى 2030، ويتوقع أصحاب المشروع أن يعود على السعودية عام 2030 بدخل مقداره 100 مليار دولار.
ويمكننا بشكل عام أن نلخص محتوى المشروع في جانبين رئيسيين: جانب يتضمن الاستثمار العقاري والخدمي السياحي، سواء في إنشاء البنية التحتية بما فيها من إنشاء ميناء عالمي، وكذلك باعتزام إنشاء سبع نقاط جذب بحرية سياحية في نيوم ما بين مدن ومشاريع سياحية وهي تعمل على إنشاء 50 منتجع على البحر الأحمر وأربع مدن صغيرة في مشروع البحر الأحمر؛ إضافة إلى ذلك، سيتم تطوير المناطق بين نيوم ومشروع البحر الأحمر وخلق ثلاث وجهات سياحية أخرى بين جزر وشواطئ تشمل 15 وجهة بحرية ومئات المنتجعات، وتنعقد النية على إنشاء عدد كبير من الملاعب والمسارح وقاعات الفنون البصريّة والمطاعم والأسواق العالمية. وبدأت السعودية في الاتصال بشركات سياحية عالمية تدير الجولات السياحية البحرية في البحر المتوسط لإقناعها؛ بأن تمد نشاطها ليشمل سواحل البحر الأحمر والمراكز السياحية الجديدة. ومرافق المدينة ستعتمد على مصادر الطاقة المتجددة مع توافر الشمس الساطعة، وعلى تحلية مياه البحر للشرب، ويبدو هذا الجانب هو الأقرب نسبيا للتحقق.
والجانب الآخر للمشروع يتمثل في دعم مراكز الابتكار ومراكز الإبداع من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية لنيوم واقتحام التكنولوجيات الجديدة عن طريق الاهتمام بالأبحاث التقنيّة الحيويّة، وتقديم العلاج الجيني وعلم الجينيوم وأبحاث الخلايا الجذعية وتقنية النانو الحيوية والهندسة الحيوية، ولن يقتصر التصنيع في نيوم على تقنية النانو والطباعة الثلاثية الأبعاد والحساسات وإنترنت الأشياء والمركبات الكهربائية والإنسان الآلي والمواد المتجددة، بل سيشمل حلول التنقل الذكية بدءًا من القيادة الذاتية وحتى الطائرات ذاتية القيادة والأنظمة المرورية ذاتية التعلم.
إذن أين من كل هذا العلاقة بصفقة القرن والقضية الفلسطينية؟
هنا يبدأ الغموض المتعمد، والذي ينجلي حين نرى سياق المشروع بسوابقه وملحقاته، وكذلك في تصريحات أصحابه وبعض أصدقائه؛ نرى بداية أن المشروع يعتمد على إنشاء كوبري ضخم عبر خليج العقبة عند مدخله تدخل فيه جزيرتي تيران وصنافير المصريتين.
في 8 أبريل 2016 وقعت الحكومة المصرية وحكومة المملكة العربية السعودية اتفاقية تعيين الحدود البحرية لتضم الجزيرتين للسعودية، ورغم المعارضة الشعبية الواسعة لتلك الخطوة، ورغم صدور حكمين ببطلان توقيع الاتفاقية، وأيدتها في ذلك دائرة فحصن الطعون بالمحكمة الإدارية العليا بحكمها الصادر في 16 يناير 2017؛ أصر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الموافقة بعد حكم ثالث مشكوك في صلاحيته، ليتم التصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية في 17 أغسطس 2017، قبل شهرين من إطلاق مشروع نيوم، ولكن نقل ملكية الجزيرتين للسعودية له دلالات خطيرة: فعندما كانت الجزيرتان تابعتين لمصر كان مدخل خليج العقبة مياه إقليمية مصرية استخدمتها مصر في إغلاق الخليج أمام إسرائيل وحرمانها على مطل على البحر الأحمر بين أعوام 1948 و1956، إلا أن احتلال إسرائيل لسيناء أثناء العدوان الثلاثي عام 1956 ثم انسحابها منها في مارس 1957 تم بشروط، منها: بقاء قوات دولية في شرم الشيخ وفتح ممر خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية المنطلقة؛ من ميناء إيلات (قرية أم الرشراش المصرية المحتلة)، كما شملت أيضًا منع تعمير سيناء بالسكان حتى تظل خاصرة رخوة لمصر يسهل احتلالها بدون مقاومة من سكانها المدنيين في حال تعميرها.
لقد أدى نقل تبعية الجزيرتين للسعودية إلى تحول مدخل خليج العقبة إلى مياه دولية بين إسرائيل والسعودية ومصر، وهو ما لا يمكن أن يتم بدون موافقة إسرائيلية وضوء أخضر دولي أمريكي بالأساس، وملحقات مثل ذلك المشروع الكبير يظهرها تاريخ محاولات تاريخية لاستخدام هذا في تصفية القضية الفلسطينية؛ عام 2012 أثناء حكم الإخوان لمصر؛ تفتق ذهنهم عن مشروعين مترابطين وإن تم الحديث عنهما مستقلين؛ أحدهما مشروع إقليم قناة السويس مع الزعم بأنه لتنمية المنطقة التي تشمل جزيرة سيناء، ولا يخضع لأي قوانين مصرية بما فيها الدستور، ولكن يخضع للجنة خاصة من رئيس الجمهورية وخبراء يعينهم بنفسه، وفى نفس الوقت تم طرح مشروع حل المشكلة الفلسطينية؛ عن طريق تبادل أراضٍ بين مصر وإسرائيل؛ فتتخلى مصر عن 740 كيلومتر مربع من سيناء (ضعف مساحة غزة) على شاطئ البحر المتوسط، لتهجير سكان غزة مع إنشاء مطار وميناء دوليين لها، والتعمير السلمي وتوفير فرص العمل للفلسطينيين عن طريق استثمارات سعودية، كما يمكن أن يتسع المشروع مستقبلًا حتى يصبح المهجر المقترح للفلسطينيين، حتى في أرض 1948، وتحقيق يهودية دولة إسرائيل؛ بالطبع انفجرت المعارضة الشعبية لمثل هذا المشروع، ثم تمت الإطاحة به وبالإخوان عام 2013 كما هو معروف.
الآن يتضمن مشروع نيوم قيام جزء منه على عشرة آلاف كيلومتر مربع من سيناء تمثل الحصة المصرية العينية في المشروع، وقيام استثمارات سعودية به؛ تشمل تلك الاستثمارات إنشاء جامعات ومشروعات استثمارية وسياحية وإنشاء مليوني وحدة سكنية، علمًا بأن سكان سيناء حاليًا لا يعدون ثلث مليون؛ فما هو المصدر المتوقع للباقين؟! ألا يشير كل هذا إلى إعادة الحياة لمشروع تعمير سيناء بواسطة الفلسطينيين عن طريق استثمارات سعودية ودولية لنفس الأهداف القديمة؟! ما هذا إلا الإخراج الحديث للخطة القديمة التي أعلنها مناحم بيجن في أول زيارة له لمصر عام 1978، وشرحه شمعون بيريز بالتفصيل في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"؛ حول مستقبل المنطقة بالتعاون بين رؤوس الأموال الخليجية والقوة العاملة العربية والعبقرية اليهودية.
وفي الطبعة الحديثة للمشروع؛ تردد الحديث عن قيام الأمير محمد بن سلطان، بالمشاركة في الضغط على محمود عباس للقبول بمشروع أمريكي؛ يتضمن التنازل عن القدس وحق العودة وغيره، إلا أن محمود عباس أعلن أنه لن يختم حياته بخيانة، وطرح الموضوع على المجلس الوطني الفلسطيني الذي رفضه، وأوقع هذا السعودية في مأزق؛ دفع الملك سلمان إلى التصريح، بأن السعودية ترفض الضغط على الجانب الفلسطيني لقبول ما يرفضه، وأن السعودية تتمسك بخطتها للسلام لعام 2002 القائمة على الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها مقابل إنشاء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس؛ وصف بعض المعلقين هذا التصريح بأن سلمان سحب البساط من تحت ولىّ عهده!
نأتي للعلاقة بين مشروع نيوم ومستقبل قناة السويس ومنطقتها، حيث رأى البعض أن المشروع يمكن أن يهدد الملاحة في القناة عن طريق للنقل البديل عبر خليج العقبة، للتفريغ في إيلات، ثم نقل البضائع والبترول عبر سكك حديدية وخطوط أنابيب إلى ميناء عسقلان على البحر المتوسط، بما يضر بإيرادات مصر عن الملاحة عبر قناة السويس، إلا أننا نرى ليس فقط صعوبة ذلك عمليًا، ولكن أيضًا؛ نرى القيادات المصرية الرسمية ترحب بالتكامل بين مشروع نيوم ومشروع "تنمية" إقليم قناة السويس.
تمامًا على غرار مشروع نيوم كمنطقة اقتصادية خاصة؛ أصدرت مصر في أغسطس 2015 مرسومًا جمهوريًا بإنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، كمنطقة اقتصادية خاصة؛ منشأة وفقًا للقانون رقم 83 لسنة 2002 الخاص بإنشاء المناطق الاقتصادية، وتضم خمس محافظات تشمل جنوب وشمال سيناء ومحافظات القناة الثلاث السويس والإسماعيلية وبور سعيد، وتم إنشاء مناطق استثمارية فيها للصين والسعودية وروسيا وغيرهم.
ترى القيادة المصرية التكامل بين المشروعين على أكثر من محور؛ فالمشاريع المعمارية المرتبطة بإنشاء البنية التحتية والمدينة السكنية يمكنها الاعتماد على منطقة القناة في الحصول على الحديد والأسمنت وغيره من المستلزمات، كما تتكامل المشروعات السياحية السعودية مع تدعيم السياحة في شرم الشيخ والغردقة، ولكن الأعمق من هذا هو انتماء كلا المشروعين لنفس منطق "التنمية" التابعة لمنطق الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية، بالتركيز على مشاريع الاستثمار العقاري والخدمي السياحي، والبعد عما يدعم توجه الإنتاج المحلي لإشباع احتياجات المواطن العربي الأساسية؛ من منتجات زراعية وصناعية، وتشكيل قاعدة متكاملة صناعيًا تضم الصناعات الثقيلة والخفيفة والتركيز على امتلاك ناصية التكنولوجية المتقدمة.
ولكن، مشروع نيوم لا يجب تقييمه فقط من وجهة نظر أصحابه، بل في الواقع يتشكك العديد من الخبراء الغربيين في إمكانية وفاء المشروع بما يعد به، ويستند هؤلاء إلى تاريخ فشل المشروعات الخيالية، ضاربين الأمثلة بمشروع نقل جبلين جليديين من القطب الجنوبي كمصدر للمياه العذبة، ومشروع بناء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية؛ جنوب منطقة مشروع نيوم الحالي، وكذلك مشروع الملك عبدالله لإنشاء منطقة الخدمات المالية بمدينة الرياض، وهؤلاء الخبراء يرجعون سبب التشكك في تلك المشاريع؛ إلى عدم قدرتها على تنمية بناء نظام بيئي تكنولوجي عضوي منتج للاختراعات وتوفير المادة البشرية له في ظل التخلف الاجتماعي السعودي كمجتمع مغلق متخلف، كما يتحدثون عن المصاعب الاقتصادية التي تواجهها المملكة حاليًا نظرًا لانخفاض أسعار البترول، وما يبدو أنه اعتماد محمد بن سلمان على الإجراءات التقشفية لتمويل مشاريعه؛ مثل الوصول بأسعار الوقود المحلية للسعر العالمي، فيما يسمى برفع الدعم عن الوقود.
الخلاصة أن مشروع نيوم؛ يأتي ضمن التصور الحالي للأنظمة الرسمية العربية "للتنمية" المعتمدة على تنمية التجارة والسوق العقارية والاستثمار الدوليين، لمزيد من الاندماج مع السوق العالمية.
وبالطبع لا تنتمي إلى مشروعات التنمية الوطنية التي تقوم على إدارة الموارد المحلية؛ من أجل إشباع احتياجات المواطن العربي الأساسية الغذائية والصناعية التي تقوم على تطوير الصناعة المتكاملة الثقيلة والخفيفة، واقتحام مجالات التكنولوجيا المستقلة المتكاملة، وتستند إلى مساهمة الدولة والأخذ بمبدأ التخطيط، وبالطبع أيضًا يتسع هذا الموضوع للمشاركة مع إسرائيل الذي وإن لم يعلن صراحة ضمن المشروع؛ فإن الدلائل عليه أكبر من أن تحصى مهما حاول الغموض المتعمد التعمية عليها، ويتكامل ذلك مع رؤية سياسية لمستقبل المنطقة تصادق إسرائيل والغرب وتعادي إيران، ولكن هذا هو أفق الأنظمة التي انتقلت بالكامل للتبعية للغرب وإسرائيل وفقدت كل شرعية لها بين شعوبها، مما ينذر بنهايتها القريبة، والأمل كل الأمل في حركة شعوبنا العربية والشعب الفلسطيني وحقها في صنع مستقبلها.

