Menu

سيف القدس: أحد عشر يومًا هزت العالم

غسان أبو نجم

لقد سطرت معركة سيف القدس وبأحرف من ذهب ملحمة جديدة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، بحيث سيؤرخ لهذا الصراع ما قبل سيف القدس وما بعدها. صحيح أن معركة سيف القدس صفحة من تاريخ الصراع السابق واللاحق للشعب الفلسطيني مع أعتى احتلال، وهي واقعة من ضمن حرب طويلة الأمد مع هذا الاحتلال؛ أفادت بدروس وعبر وأسقطت برامج وأدوات وتحالفات وأعادت رسم خارطة الصراع من جديد، فما بعد سيف القدس ليس كما قبله من حيث: البرامج والأدوات والتحالفات.

لقد أسقطت سيف القدس كافة البرامج والمشاريع والاتفاقات التي تم رسمها كخطط لإنهاء الصراع العربي الصهيوني، بدءًا من حل الدولتين ومرورًا بالحل الوسط الإقليمي وخطط الضم والإلحاق والحكم الذاتي واتفاقات أوسلو وانتهاءً بصفقة القرن ومشروع الدولة الواحدة وكافة الحلول المطروحة، وأعادت إلى الواجهة مشروع تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني وأن إمكانية تحقيق هذا الهدف أصبح واقعًا ممكننًا؛ إن نحن نظرنا إليه بواقعية سياسية والشواهد على ذلك عديدة، فلقد ثبت بالملموس أن إمكانية إلحاق الهزيمة بالعدو أصبح أمرًا قائمًا بفعل الإعداد العالي للمقاومة؛ تسليحا وإعدادًا وبرنامجًا وبفعل الاحتضان الشعبي لهذه المقاومة والاسناد العربي لها والتأييد العالمي لحق ومشروعية النضال الفلسطيني ضد الاحتلال (طالع مقالتي في مجلة بوابة الهدف بعنوان دماء شعبنا ليس للاستثمار السياسي)،  مما يفيد أن حلقة الصراع بدأت تدور في محيطها الطبيعي وكشفت مدى ضعف وهزالة العدو الصهيوني، رغم كل إمكاناته المتقدمة والمتفوقة؛ إن توفرت إرادة القتال واستندت هذه الإرادة إلى فعل نضالي والمقومات العملية للنصر. ولتحقيق هذه الغاية فرضت سيف القدس معادلة جديدة لأدوات حسم الصراع؛ بديلًا للمفاوضات العبثية وإقامة سلطة للحكم الذاتي؛ تخدم وتثبت الاحتلال والتنسيق الأمني معه للحفاظ على أمنه وأثبتت بالوقائع، بأن لا أمن للاحتلال في كيانه المصطنع ولا لوجوده على أرض فلسطين وأن الخيار الوحيد أمامه الرحيل المبكر عن أرض فلسطين وأن معركة سيف القدس هي بداية النهاية لهذا المحتل ونقلت الفكرة بالتحرير من ضرب المتفيزيقيا السياسية إلى واقعية سياسية وأن تحرير فلسطين؛ أصبح واقعًا ما بعد سيف القدس.

على أساس هذا الواقع الجديد الذي فرضته معركة سيف القدس؛ أصبح من الضروري إعادة رسم التحالفات الفلسطينية والإقليمية والعالمية من جديد، لأن تحالفات ما قبل سيف القدس ليس كما بعدها. فعلى الصعيد الفلسطيني؛ أصبح من الضروري فك الشراكة مع سلطة أوسلو وسحب كل التعاملات معها؛ بوصفها طرف شريك للاحتلال، وليس في معسكر الثورة، وإعادة الحياة إلى حركة فتح ودمج كافة كوادرها ومناضليها إلى صفوف المقاومة وحصار الزمرة المتحالفة مع الاحتلال وتفعيل دور م. ت. ف كإطار ثوري وليس واجهة ديكورية وتوسيعها لتشمل كافة التنظيمات والأطر والفعاليات العاملة والملتزمة بتحرير فلسطين، والكف عن احتضان تنظيمات وأطر لا وزن لها ولا فاعلية نضالية، وترك قوى وتنظيمات فاعلة مثل الجهاد وحماس وغيرها، والكف عن التعامل العاطفي أو المصلحي الفئوي مع قواعد الوحدة الوطنية. وعربيًا؛ فرضت سيف القدس قواعد جديدة للتحالف مع القوى والمحاور العربية التي دعمت وساندت المقاومة وتعزيز التحالف معها، دون النظر لحسابات المهزومين الذين يؤمنون أن الحل بيد رأس الشر العالمي والإعلان بلا ما يدع مجالًا للتدليس السياسي أن المقاومة الفلسطينية شريك حقيقي واستراتيجي مع محور المقاومة.

وعالميًا؛ الإعلان وبلا تردد عن برنامج ثوري وواقعي لإقامة تحالفات مع كافة القوى والدول الداعمة لقضيتنا وعدالة وشرعية نضالنا والمستعدة للدعم العملي والسياسي للمقاومة، والكف عن الحلم السياسي بإمكانية أن تقف الرأسمالية العالمية بكل أطيافها السياسية في صف شرعية النضال الفلسطيني؛ بحكم تحالفاتها وشراكتها العملية مع الاحتلال، وهذا ما شهدناه ما بعد سيف القدس.

إن المعركة الأخيرة هي جزء من حربنا مع الاحتلال وفرضت علينا رؤية الصراع مع العدو بمنظور جديد؛ قائم على رؤية ثورية مستندة إلى واقعية سياسية؛ تقود هذا الشعب إلى هدفه الاستراتيجي وتحقيق حلمه بإقامة دولته المستقلة والتي ستكون نتاجًا لكفاح وطني.