بعد مرور أكثر من 6 سنوات على الحرب المدمرة التي شنتها السعودية والإمارات، وغيرها من دول التحالف، وبدعم واضح من الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعطت إشارة البدء في هذه المعركة، عندما أعلن عادل الجبير، سفير المملكة لدى واشنطن سابقًا ووزير خارجيتها لاحقًا، انطلاق الحرب ضد اليمن من العاصمة الأمريكية، وفي دلالة واضحة أن أمريكا هي من دفع لهذه الحرب وخطط لها مع الرجعية العربية، ظنًا منهم أن اليمن سيكون صيدًا سهلًا، وسيتم الانتصار عليه خلال بضعة أسابيع، كما جاء في إعلان بداية المعركة، وأن دول التحالف سوف تتمكن من كسر إرادة الشعب اليمني والسيطرة عليه واخضاعه لإرادتهم ومخططاتهم، إلا أن رياح الحرب جاءت بما لا تشتهي سفن أمريكا والسعودية وتحالفهم الشيطاني، حيث استطاع اليمن الفقير بموارده وإمكانياته، الغني بعزيمته وإرادته، أن يلحق الهزيمة بمعسكر الأعداء، ويحقق الانتصارات المتتالية على طريق صنع الانتصار النهائي العظيم، حيث فشلت دول العدوان، وأحدث أسلحتها في النيل من صمود الشعب اليمني وإرادة التحدي والمواجهة لديه.
نعم لقد دمروا المدارس والمستشفيات والشوارع والبيوت والطرقات، وقصفوا حفلات الأعراس وبيوت العزاء، وقتلوا الأطفال والنساء في مخالفة واضحة للقوانين الدولية وحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف، ورغم كل ذلك فشلوا فشلًا ذريعًا أمام شعب لم يهزم في يوم من الأيام، وقد أخطأوا حساباتهم وتقديراتهم، وها هي بشائر النصر الكبير تلوح في الأفق بعد معارك الأيام الماضية، والتي عبرت فيها القوات اليمنية إلى الأراضي السعودية وسيطرت على أكثر من 150 كم مربع من المواقع الإستراتيجية، واستولوا على الدبابات والمدرعات، واستسلم لهم العديد من الجنود والضباط الذين وقعوا أسرى بأيديهم، إلى جانب وقوع المئات من القتلى والجرحى في صفوفهم، هذه المعركة التي جعلت اليمن اليوم أقرب من أي وقت مضى لتحقيق النصر الاستراتيجي الكبير، بعد أن نجح في معركة الصمود وامتصاص الضربات واستطاع أن ينقل المعركة إلى داخل الأراضي السعودية في جيزان وغيرها من المناطق.
لقد فشلت السعودية في قراءة تاريخ الشعب اليمني الذي انتصر دائما في مواجهة كافة الحروب والغزوات ضده، ولا شك أن هناك العديد من العوامل التي ساهمت في تحقيق هذه الانتصارات وهزيمة دول وتحالف العدوان، أهمها:
١. عدالة القضية اليمنية، حيث يقوم الشعب اليمني وجيشه ومقاومته بالدفاع عن أرضه وحقوقه ولم يعتدِ على أحد.
٢. قدرة وحكمة القيادة وإيمانها العميق بعدالة قضيتها وحتمية الانتصار ووضوح الرؤية لديها.
٣. انخراط القيادة في ساحات المواجهة إلى جانب الشعب واستعدادها لتقديم التضحيات، وتمسكها بحقوق شعبها وعدم تقديم أية تنازلات.
٤. تلاحم الشعب اليمني وتماسكه في جبهة واحدة خلف قيادته واستعداده العالي للدفاع عن الوطن واعتماده خيار المقاومة ودفع الثمن في سبيل حرية الوطن واستقلاله وسيادته.
٥. دعم الحلفاء من أطراف محور المقاومة لليمن وتقديم المساعدات، مما ساهم في تعزيز الصمود والمواجهة.
٦. اعتماد الخطط العسكرية الناجحة تكتيكيًا واستراتيجيًا وإحداث المفاجآت في الكثير من المعارك.
٧. قدرة الشعب اليمني، قيادته وجيشه ومقاومته، على تحويل المحنة إلى فرصة، حيث استطاعوا إلى جانب صمودهم أن يصنعوا الأسلحة (الصواريخ، والمسيرات، وغيرها) واعتمدوا على أنفسهم بالدرجة الأولى، دون إهمال دور الحلفاء بتزويدهم بالخبرات المطلوبة.
وإذا كانت النقاط السابقة هي عوامل الانتصار لليمن، فما هي عوامل الهزيمة للسعودية ومن معها في دول التحالف؟
١. أن هذه الحرب ظالمة وليس لها أي مبرر وتفتقد للحق والمنطق.
٢. كون هذه الدول معتدية على أراضي الغير، بينما اليمن يدافع عن أراضيه وهناك فارق كبير بين المعتدي والمعتدى عليه.
٣. حجم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالسعودية ومن تحالف معها من خلال سقوط المئات من القتلى والآلاف من الجرحى والأسرى في صفوفهم.
٤. عدم القدرة على التحكم في مسار المعركة وفشل خططهم كما اتضح من سير المعارك.
٥. إطالة أمد المعركة وعدم القدرة على تحمل الخسائر البشرية والاقتصادية (كانت التوقعات في البداية أن المعركة ستحسم خلال أسابيع) وها هي قد تجاوزت العام السادس بعدة أشهر.
٦. التصدع والتفكك الذي أصاب دول التحالف وانسحاب العديد منهم من المعركة، بعد ان أدركوا أنها خاسرة.
٧. الانهيار الكبير في صفوف الجيش السعودي والمرتزقة اللذين حاربوا معه بعد الخسارة الكبيرة التي لحقت بهم في الميدان.
بعد ذلك لا بد من التوقف أمام أهم الدروس لهذه المعركة، ومنها:
١. أن قوة الإرادة والحق تتغلب وتنتصر على إرادة القوة والباطل في الكثير من الحالات، وليس كافيًا أن تمتلك السلاح الحديث والتكنولوجيا حتى تنتصر. ألم تنتصر فيتنام على أمريكا والجزائر على فرنسا ولبنان على دولة الكيان، رغم الفرق الهائل في التسلح وموازين القوى التسليحية؟ ألم تنتصر المقاومة الفلسطينية على "إسرائيل" في المعركة الأخيرة؟ وها هي إرادة اليمنيين تنتصر على قوة وجبروت الطغاة والمتآمرين.
٢. أن طريق المقاومة هو الطريق السليم لانتزاع الحقوق والحفاظ عليها، وليس طريق التنازلات وهذا ما أثبتته تجارب كل الشعوب التي سعت لنيل حريتها واستقلالها.
٣. أن إرادة أمريكا والسعودية و(إسرائيل) ليست قدرًا وأن هزيمتهم ممكنة إذا توفرت الإرادة والقيادة المستعدة للمواجهة.
٤. أن أي تحالف يقوم على الظلم لا يمكن أن يستمر وسوف يتفكك وهذا ما نشاهده اليوم في اليمن.
نعم لقد حققت اليمن مجموعة من الانتصارات الكبيرة في هذه الحرب وهي على موعد لتحقيق الانتصار الأعظم قريبًا بهزيمة الأعداء وتكريس وحدة اليمن واستقلاله وسيادته، وذلك بفعل صمود الشعب وقدرة الجيش والمقاومة وحكمة وصلابة القيادة والتلاحم الكبير بين مكونات الشعب اليمني وبفعل التضحيات التي قدمها شعب اليمن.
واسمحوا لي أن أنتهز هذه الفرصة لتحية اليمن وشعبه العربي البطل، والذي وبالرغم كل ما يعانيه كان وما زال من أكثر الشعوب العربية تمسكًا بالقضية الفلسطينية واعتباره إياها قضيته، ولم يدع أي فرصة تمر دون أن يعبر عن ذلك بكل الأشكال المتاحة له.. وسنحتفل معًا قريبًا في أعياد النصر والتحرير.

