لم يكن أحد من العرب يدرك بعمق ما يتهدد فلسطين من مؤامرات استعمارية، وكان التعاطي العربي مع القضية الفلسطينية ساذجًا وضعيفًا إلى حد بعيد، إلى جانب كونه لا يقوم على تقدير علمي وموضوعي لفكرة إنشاء دولة يهودية غريبة على الجسر البري الفاصل بين المشرق العربي و مصر ومن ورائها المغرب العربي، ولا لخطورة الهجرة اليهودية وتداعياتها والهدف الحقيقي منها. وقد ظن بعض القادة العرب في وقت من الأوقات أن الحركة الصهيونية هي مشروع بلشفي؛ دون إدراك حقيقي لكون هذه الحركة إحدى أدوات السيطرة الامبريالية الغربية.
فعندما صدر وعد بلفور في خريف 1917؛ أثار الأمر مخاوف العرب بشدة، وقررت بريطانيا الخائفة من أن يؤثر تواطؤها مع الحركة الصهيونية على تحالفها مع العرب ضد العثمانيين في تلك الأيام الحاسمة من الحرب العالمية الأولى أن توفد ديفيد هوجارث رئيس المكتب العربي (وهو قسم من المخابرات البريطانية في القاهرة) إلى الشريف حسين في الحجاز لطمأنته.
وصل هوجارث إلى جدة في الأسبوع الأول من سنة 1918، وقابل الشريف حسين ناقلًا اليه رسالة من الحكومة البريطانية مفادها أن: "الاستيطان اليهودي في فلسطين لن يكون مسموحًا به الا بقدر ما يتفق ذلك مع حرية السكان العرب من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية"، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق حيث لا يضمن نص وعد بلفور سوى الحقوق المدنية والدينية للعرب. وقد صدّق الشريف حسين التلاعب والكذب الاستعماري وهدئت خواطره، وكان جوابه لهوغارث أنه: "ما دامت الغاية من وعد بلفور هي أن يهيئ لليهود ملجأ من الاضطهاد، فإنه سيبذل كل نفوذه ليساعد على تحقيق تلك الغاية". وأرسل لمندوبيه في سوريا ومصر يخبرهم أنه تلقى تأكيدات بريطانية بأن توطين اليهود في فلسطين لن يتعارض مع استقلال العرب. ومن الأمثلة الأخرى على "السذاجة" العربية في فهم القضية الفلسطينية؛ المفاوضات التي عقدها فيصل الأول ابن الشريف الحسين مع وايزمان؛ ممثلًا عن الحركة الصهيونية أثناء توقفه في لندن قبل أن يتوجه إلى باريس للمشاركة في مؤتمر الصلح بعد انتهاء الحرب. وكان من نتيجة مباحثاته التي جاءت بضغط كبير من وزارة الخارجية البريطانية التوصل لاتفاقية فيصل – وايزمان الذي نص البند الثالث منها أنه: "عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوقى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917". وقد كانت الشعوب أفطن وأقرب إلى فهم حقيقة الأمور من حكامها، ففي سنة 1919 انعقد المؤتمر السوري العام (يشمل سوريا الحالية إضافة الى لبنان و الأردن وفلسطين)، بمشاركة وفود من مختلف الأقاليم تضم مسلمين ومسيحيين وأصدر في جويلية 1919 مقررات تم الاتفاق على رفعها للجنة التحقيق الدولية المعروفة بلجنة كنغ-كراين وجاء في النقطة السابعة منها: "إننا نرفض مطالب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي في البلاد السورية، أي فلسطين وطنًا قوميًا للإسرائيليين ونرفض هجرتهم الى أي قسم من بلادنا، لأنه ليس لهم فيها أدنى حق ولأنهم خطر شديد جدًا على شعبنا من حيث الاقتصاديات والقومية والكيان السياسي. أما سكان البلاد الأصليون من إخواننا الموسويين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا".
كما أنه كان للشعب الفلسطيني وحده الفضل في وضع قضيته على رأس الأجندة الدولية وذلك بعد ثورته الكبرى سنة 1936، التي رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء الشعب الفلسطيني، فإن الحكومات العربية؛ ضغطت على القيادات الفلسطينية من أجل إيقاف الثورة والتفاوض، ولعب رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد والأمير عبد الله في الأردن والأمير سعود في الحجاز أدوارًا في هذا الاتجاه، وذلك بعد أن عجز الاستعمار البريطاني عن إيقاف لهيب الثورة وقمعها واضطرار لندن للجوء الى الحيلة والمراوغة، فأعلنت تشكيل لجنة تحقيق ملكية عرفت بلجنة "بيل"، والتي أوصت في نهاية عملها بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود إلى جانب منطقة تبقى تحت السيطرة البريطانية المباشرة، لكن الفلسطينيين رفضوا مقترحات التقسيم واستأنفوا انتفاضتهم حتى اضطرت لندن إلى التخلي (مؤقتا) عن قرار التقسيم، ثم انعقد مؤتمر لندن سنة 1939 والذي شاركت فيه وفود فلسطينية إلى جانب وفود من 5 أقطار عربية، وهي مصر والعراق وشرق الأردن و السعودية واليمن، وكانت كلها تحت النفوذ البريطاني؛ فلم تساهم بفاعلية في أي جهود لإنهاء الانتداب البريطاني وضمان إيقاف الهجرة اليهودية.
وفي سنة 1944، ومع بدء انتقال مركز القوة الإمبريالي من لندن إلى واشنطن، أصدر الكونغرس الأمريكي قرارًا بتشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين وأن يكون للصهاينة الحق في استعمار البلاد وانشاء دولة يهودية فيها. وبدأت الحكومات العربية دون فهم حقيقي لمآرب القوى الاستعمارية؛ تحاول ممارسة بعض الضغوط الدبلوماسية على واشنطن تحت ضغط لهيب المشاعر الشعبية الغاضبة، وكان من أمثلة تلك الاحتجاجات الحكومية العربية الضعيفة وقتها ما كلف به الملك عبد العزيز بن سعود وزير ماليته عبد الله السليمان؛ إبلاغه للوزير الأمريكي المكلف في جدة بأن: "الأخبار التي سمعناها أقلقتنا وسيكون لها أثر سيء على الجميع. ونحن نعتقد أن البت في موضوعات تتصل بفلسطين الآن غير مطلوبة وسوف تثير المشاعر وتحدث البلبلة". أما مصر والعراق فقد أبلغا وكيل وزارة الخارجية الأمريكية إدوارد ستتنيوس عن طريق سفرائهما عن قلقهما الشديد من قرار الكونغرس، وضرورة تأجيل موضوع فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية للمناقشة بعد انتهاء الحرب. وفي دمشق سلم وزير الخارجية السوري رسالة احتجاج من مجلس النواب السوري إلى القائم بالأعمال الأمريكي وفيها: "أن قرارات الكونغرس توجه ضربة مميتة الى الحقوق العربية وأن الدول العربية جميعها التي وضعت مواردها في خدمة الحلفاء لتحقيق النصر تشعر بالخيانة من أثر هذه القرارات".
وفي نفس تلك الفترة؛ بدأ عدد من الدول العربية مشاورات في مصر لإنشاء الجامعة العربية بتشجيع مبهم من بريطانيا ، وعقدت قمة أنشاص الطارئة في مصر سنة 1946 بمشاركة الملك فاروق عن مصر والملك عبد الله عن الأردن (والذي كانت له اتصالات سرية واسعة مع الوكالة اليهودية منذ فترة طويلة) والأمير سعود بن عبد العزيز؛ ممثلًا عن السعودية والأمير عبد الإله الهاشمي؛ ممثلًا عن العراق والأمير سيف الإسلام حميد الدين عن اليمن والرئيس بشارة الخوري عن لبنان والرئيس شكري القوتلي عن سوريا. وصدر عن مؤتمر القمة قرارات أهمها اعتبار قضية فلسطين قلب القضايا القومية وضرورة الوقوف أمام الصهيونية باعتبارها خطر لا يداهم فلسطين وحسب، وإنما جميع البلاد العربية والإسلامية والدعوة إلى وقف الهجرة اليهودية والدفاع عن فلسطين في حالة الاعتداء عليها. لكن الدعم العربي لفلسطين بعد قيام كيان العدو الصهيوني سنة 1948؛ جاء بعد فوات الأوان كما تبين أنه وهمي وتم خوض الحرب بأسلحة فاسدة وتحت إشراف بعض القيادات العسكرية البريطانية على غرار جون غلوب الذي اشتهر بغلوب باشا قائد الفيلق العربي الأردني؛ الأمر الذي أدى إلى هزيمة نكراء وتمكّن "إسرائيل" من احتلال الجزء الأكبر من فلسطين.
وبعد سقوط العرشين المصري والعراقي كنتيجة لثورات سنة 1952 و1958، وظهور الحركة القومية العربية بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر، والتي اعتبرها تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية؛ أخطر تهديد للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في ذلك الوقت ، تم التوجه لإنشاء كيان سياسي يمثل فلسطين وهو ما تم تبنيه في قرار لمؤتمر القمة العربية سنة 1964. لكن المنظمة الفلسطينية الوليدة ظلت إلى حد بعيد تحت نفوذ الحكومات العربية ورهينة لصراعاتها إلى أن أعاد الشعب الفلسطيني البريق والأمل لقضيته باندلاع ثورته المسلحة في ذلك الوقت.
وتشكل الحقبة الناصرية في أهم جوانبها أنها مرحلة الصراع العربي الصهيوني؛ باعتباره صراعًا تناحريًا بين الأمة العربية وكيان العدو؛ باعتبار الفهم العميق لقائد حركة التحرر العربية الزعيم جمال عبد الناصر لطبيعة الكيان الصهيوني ودوره في الصراع الكبير بين حركة التحرر العربية والعالمية والإمبريالية العالمية وأدواتها.
بعد حرب أكتوبر 1973 ودخول مصر مرحلة الانقلاب على الناصرية التي توجت بمعاهدة كامب ديفيد 1978، وما لحقها بعد ذلك من اجتياح بيروت وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى تونس وحرب الخليج الأولى ثم حرب الخليج الثانية ودخول العرب مرحلة التطبيع التي استمرت حتى 2011، ومرحلة الربيع ومرور العرب من مرحلة التطبيع إلى المرحلة الإسرائيلية هذه المرحلة التي وضعت سوريا نقطة نهايتها وأعلنت المقاومة بعملية سيف القدس شهادة وفاتها وتدشن من جديد مرحلة الصراع التناحري مع العدو الصهيوني حتى التحرير الشامل.

