Menu

من النكبة إلى التطبيع: قراءة في مسار حافل بمقاومة الشعب الفلسطيني للمشروع الصهيوني

الدكتور علي بوطوالة

نشر في العدد 26 من مجلة الهدف الرقمية

الكاتب العام لحزب الطليعة الديمقراطي والناطق الرسمي للجبهة العربية التقدمية/ المغرب

تقديـــم

بمناسبة الذكرى الثالثة والسبعين لنكبة 1948 التي تميزت هذه السنة بهبة القدس التي تحولت إلى انتفاضة جديدة للشعب الفلسطيني للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، وانتقلت إلى مواجهة عسكرية؛ تمكنت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية من ضرب قلب الكيان الصهيوني الغاصب، بما يعني ذلك من تطور نوعي في قدرة المقاومة على التصدي لعربدة الكيان المحتل وكسر غروره وإحباط معنويات مستوطنيه.

تبرز هنا الحاجة لقراءة فاحصة لمسار تجاوز سبعة عقود من صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة للاحتلال الصهيوني البغيض، رغم التضحيات الجسيمة والمعاناة التي لا حدود لها.

المشروع الصهيوني كمنتوج للمد الرأسمالي الاستعماري

كل المعطيات التاريخية تؤكد أن نشأة الحركة الصهيونية؛ ارتبطت بصعود الرأسمالية الاحتكارية وتحولها إلى إمبريالية، في إطار سعيها لإيجاد حلول لأزماتها الدورية، بما صاحب ذلك من بروز القوميات الاستعمارية الأوروبية. ففي بداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر؛ كشفت مراسلات اليهودي موسى منتيفور مع القنصل البريطاني في دمشق سعي شخصيات يهودية لبلورة مشروع تأسيس دولة لليهود في فلسطين، وكان المدعو بنيامين دزرائيلي (Benjamin Disraeli) أول من وضع مخطط لإحياء ما أسماه: "الأمة اليهودية" سنة 1852. بعد ذلك بعقد من الزمن؛ نادى موزيس هيس سنة 1862 بتأسيس دولة لليهود في فلسطين. منذ ذلك التاريخ بدأ تنظيم اليهود الأوروبيين في جماعات وإقناعهم بالهجرة لفلسطين. والجدير بالذكر أن الرأسمالية الانجليزية الاستعمارية قد دفعت البورجوازية اليهودية دفعًا لاختيار استراتيجية؛ ظاهرها تأسيس دولة لها في فلسطين، وباطنها توظيف اليهود في مشروعها الاستعماري (بريطانيا) وتفكيك الإمبراطورية العثمانية بتفجير تناقضاتها العرقية والمذهبية، خاصة بعد اكتشاف البترول في العراق وشبه الجزيرة العربية.

عامل جديد ظهر في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ تجلى في نزعة اللاسامية؛ سيدفع اليهود المتحفظين على الهجرة إلى التفكير جديًا في مغادرة أوروبا الشرقية خاصة، ورغم أن معظمهم فضل الهجرة لأمريكا الشمالية للفرص الكبيرة التي تتيحها (حوالي أربعة ملايين منهم قصدوا الولايات المتحدة الأمريكية)، فإن بضعة آلاف توجهوا للاستقرار في فلسطين. في السياق هذا؛ عقدت الحركة الصهيونية أول مؤتمر عالمي لها سنة 1897 في مدينة بال بزعامة هرتزل؛ قبل ذلك بست سنوات قدمت أربعمائة شخصية يهودية على رأسهم المليونير روكفلير عريضة للرئيس الأمريكي لمطالبته بمساعدة الجالية اليهودية على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، هذا المشروع ستتاح له أهم فرصة في بداية القرن العشرين، مع تصاعد المنافسة بين الإمبراطوريات الاستعمارية على الطاقة والمواد الأولية والأسواق والممرات المائية، لذلك أصبحت لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أهمية خاصة، مما رفع من حدة التوتر بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا. هذا التوتر سيؤدي كما هو معروف إلى الحرب العالمية الأولى وما تمخض عنها من نتائج أبرزها انهيار ثلاث إمبراطوريات (النمساوية والروسية والعثمانية) وقيام أول ثورة اشتراكية ودخول أوروبا في أزمة اقتصادية خانقة، وصعود الفاشية في إيطاليا ثم النازية في ألمانيا.

بمجرد انتهاء الحرب العالمية الأولى واستثمارًا لتصريح بلفور؛ اجتمع ممثلو المنظمات اليهودية في فبراير 1919 على هامش مؤتمر السلام، وقدموا طلبًا لذلك المؤتمر بمنح بريطانيا العظمى انتدابًا على فلسطين بإيحاء من الحكومة البريطانية، وهو ما تحقق بعد ثلاث سنوات في اجتماع "عصبة الأمم"؛ سنة 1922، حيث نص قرار هذه الأخيرة حرفيًا على "وضع البلد (فلسطين) في الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية التي ستسمح بإقامة وطن قومي لليهود، وتطوير مؤسسات حكمهم الذاتي، وتسهيل الهجرة اليهودية إليها "(المرجع: تاريخ الصهيونية _ويكيبديا).

قبل ذلك كان اتفاق سايس بيكو، قد قسم منطقة المشرق العربي بين فرنسا وبريطانيا، كما تأسست منظمة الهاغانا اليهودية المسلحة سنة 1920 بدعوى حماية المهاجرين اليهود. هكذا شرعت بريطانيا في إنشاء أسس وقواعد الدولة الصهيونية بسلطتها، وإداراتها المحلية، وأحزابها، وبرلمانها، وجيشها وشرطتها؛ طيلة ثلاثة عقود تسارعت فيها هجرة اليهود الأوروبيين إلى فلسطين، حيث قفز عددهم من38000 سنة 1918 إلى64000 سنة 1940 إلى أن وصل إلى 650000 مستوطن سنة 1947؛ سنة تقسيم فلسطين من طرف الأمم المتحدة.

طبعًا لم يقف الشعب الفلسطيني مكتوف الأيدي، بل قام بإضرابات ومظاهرات واحتجاجات متواصلة سنوات 1920 و1921 و1929 وكان أبرزها وأهمها ثورة 1936_1938، لكن الوعود التي قدمت له لطمأنته واسكاته؛ انكشف زيفها وخداعها بعد تقسيم بلاده وتقديم أكثر من نصفها لليهود الصهاينة ضدًا على التاريخ والجغرافيا والقوانين الدولية.

لقد تعمدنا التذكير بهذه المعطيات لنبين أن الكيان الصهيوني كيان عسكري استيطاني أسسته ودعمته الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية، ووفرت له الحماية ولا زالت للقيام بأدوار وظيفية محددة في مقدمتها تعطيل المشروع النهضوي العربي، ومنع قيام الوحدة العربية بأية صيغة، وتقسيم المنطقة العربية لجعلها من المحيط إلى الخليج عبارة عن دويلات وإمارات ضعيفة ومتخلفة وتابعة له ولأسياده في الغرب، واستنزاف ثرواتها واستباحة أسواقها، ولتحقيق كل ذلك يجب القضاء على كل قوى المقاومة بالمنطقة وفرض الاستسلام والخضوع على شعوبها.

الثورة الفلسطينية في سياق عربي معاكس

كانت ثورة 23 يوليو الناصرية أول رد فعل على الهزيمة المذلة للجيش المصري وباقي الجيوش العربية في حرب 1948، بعد إعلان إقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين، تبعها تأسيس حركة القوميين العرب بقيادة الحكيم جورج حبش ، هكذا وفي أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وتحقيق حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا الانتصارات المتوالية على الاستعمار؛ نشأت حركة التحرر الوطني العربية، وتصاعد تأثيرها، خاصة بعد الانتصار السياسي للزعيم جمال عبد الناصر على العدوان الثلاثي سنة 1956، ونجاح الثورة في العراق، وقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وتوّجت تلك المنجزات بالانتصار التاريخي للثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي، مما فتح آمال عريضة للقضاء على الصهيونية وتحرير فلسطين، في هذا الإطار؛ تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، وانطلقت حركة فتح فاتح يناير 1965.

لوقف هذا المد التحرري العربي؛ شرع المحور الإمبريالي الصهيوني الرجعي في التحضير للإيقاع بالثورة الناصرية في مواجهة غير متكافئة؛ استعدادًا وتسليحًا؛ فكانت نكسة 1967 التي ترتبت عنها نتائج كارثية؛ لم تكفِ أكثر من خمسة عقود حتى الآن لمحور آثارها.

بعد فشل الرهان على الأنظمة العربية؛ تجسد أمل الشعب الفلسطيني لاسترجاع حقوقه التاريخية والمشروعة في كفاح فصائل الثورة الفلسطينية التي برهنت بمعركة الكرامة وبالعمليات الخارجية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على قدرتها على الصمود والمواجهة، ورغم الضربة القاصمة التي تلقتها بإخراجها من الأردن بعد أيلول الأسود سنة 1970، فقد تمكّنت من انتزاع الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني؛ عربيًا ودوليًا سنة 1974.

من العوامل المعاكسة لتجذر الثورة الفلسطينية وتطورها، بالإضافة للضغوط المتعددة للأنظمة العربية ومحاولات احتوائها؛ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية واضطرار فصائلها للتموقع في تلك الحرب مع الحركة الوطنية اللبنانية، مما دفع أعداء الطرفين للتواطؤ مع الكيان الصهيوني الذي استغل فرصة تحييد مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد وتفكك جبهة الصمود والتصدي، لاجتياح لبنان ومحاولة القضاء على فصائل منظمة التحرير الفلسطينية خلال حصاره لبيروت؛ تجلت الضربة القاسية للثورة الفلسطينية من جديد في إخراجها من لبنان، لكن اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني بعد خمس سنوات من ذلك؛ أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية للشعوب العربية وكقضية تحرر وطني بعمقها الإنساني، ورسخ شرعية تمثيلية منظمة التحرير الفلسطينية.

مرة أخرى؛ ستكون التداعيات السلبية للأوضاع العربية والدولية عليها مؤثرة وضاغطة؛ فالحرب على العراق لإخراجه من الكويت في يناير 1991، وانهيار الاتحاد السوفياتي؛ أفقد المنظمة حلفاءها الثابتين، ودفع قيادتها المتنفذة إلى البحث عن الخروج من المنغلق الذي وجدت نفسها أمامه. في السياق هذا؛ خضعت لضغوط الرجعية العربية والمراكز الإمبريالية، وانساقت في مفاوضات سرية مع الكيان الصهيوني؛ توجت باتفاق أوسلو، في إطار ما سمي بمشروع الشرق الأوسط الجديد؛ تحت المظلة الأمريكية، وانطلقت الموجة الأولى لتطبيع الأنظمة العربية الرجعية مع الكيان الصهيوني؛ متعللة بأنها لا يمكن أن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.

لم تلبث التطورات أن كشفت أوهام البورجوازية الريعية العربية، بما فيها الفلسطينية بعدما؛ اصطدمت السلطة الفلسطينية بقيادة الشهيد ياسر عرفات بالطبيعة العدوانية والعنصرية للمجتمع الصهيوني التي تجسدت بالملوس في تغول اليمين الصهيوني ووصوله للسلطة بزعامة مجرم الحرب شارون الذي تملص من جميع العقود والالتزامات الموقعة. وانطلقت انتفاضة الشعب الفلسطيني في عام 2000 التي فرضت إلغاء وتجميد اتفاقات التطبيع التي وقعت مع العدو الصهيوني بعد اتفاق أوسلو الذي أصبح؛ مبررًا قويًا للأنظمة العربية لتتخلي عن التزاماتها القومية التي وقعت عليها في مؤتمرات القمة العربية.

التطبيع كتموقع مصلحي واستراتيجي للرجعية العربية

شكلت الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، وخاصة بعد بروز جناحها اليساري كابوسًا للرجعية العربية والبورجوازية الريعية، لما حملته من آمال ووعود للتحرر والوحدة والديموقراطية للشعوب العربية، واعتبرت صاعقًا لتفجير الأوضاع المتأزمة والمتخلفة في البلدان العربية بدون استثناء، لذلك حاولت الأنظمة العربية التدخل في توجهها والعمل على احتوائها، وجرها لمستنقع الحلول الاستسلامية باسم الواقعية السياسية والمصلحة ال قطر ية، للتخلص من محرك مزعج لمشاعر الجماهير وغضبها ونضالاتها، خاصة بالنسبة للأنظمة الخليجية صنيعة نفس الإمبراطورية الاستعمارية مثلها مثل الدولة الصهيونية. هكذا وبدوافع هواجسها الأمنية، وخلفياتها الطبقية، واختياراتها الاستراتيجية أو بالأحرى خدمتها للاستراتيجية الإمبريالية في المنطقة؛ سعت لنسج علاقات سرية منذ الستينيات من القرن الماضي مع الكيان الصهيوني؛ إرضاء لساداتها في واشنطن ولندن وباريس، بل إن بعضها كان يتعاون مع المخابرات الأمريكية والموساد وساعد الكيان الصهيوني على التجسس على مؤتمرات القمة العربية، وقدم له معلومات ساعدته على اغتيال القادة البارزين للثورة الفلسطينية، ولكن الانتقال من العلاقات السرية إلى عقد اتفاقات التطبيع مثّل اصطفافًا رسميًا لهذه الأنظمة مع العدو التاريخي للشعب الفلسطيني والأمة العربية. إن أخطر ما في هذا التطبيع الخياني هو التسليم للكيان الصهيوني، بما يدعيه من حق تاريخي في أرض فلسطين وبشرعنة وجوده الاستعماري وفك العزلة عنه.

المفارقة أنه بقدر ما تتنازل الأنظمة العربية وتستسلم للضغوط الأمريكية، بقدر ما يزداد العدو الصهيوني غطرسة وتوحشًا وعنصرية وعدوانية اتجاه الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية، ضاربًا عرض الحائط بالاتفاقات التي وقعها، وهذا طبيعي ما دام لا يقيم أي وزن للقرارات الدولية نفسها بسبب الحماية الدائمة التي توفرها له الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها.

إن أقصى ما يروج له المطبّعون هو حل الدولتين الذي لا يتطرق لإزالة الألغام الصهيونية مثل الطابع العسكري والعنصري للمجتمع الإسرائيلي، والمستوطنات في الضفة والقطاع، وحق ملايين اللاجئين في العودة إلى وطنهم، وقضية القدس التي تمثل بؤرة الصدام والمواجهة مع اليمين التلمودي العنصري، هكذا ورغم وصول مشروع "السلام العربي" إلى الأفق المسدود، بسبب سياسة اليمين الصهيوني الحامل لأيديلوجية دينية عنصرية متطرفة؛ قبلت الأنظمة العربية الرجعية بصفقة القرن لإدارة ترامب الفاشي والعنصري، رغم رفضها بإجماع مكونات الشعب الفلسطيني بما فيها السلطة الرسمية التي وجدت هذه الأنظمة في تنازلاتها خلال العقدين الأخيرين؛ حجةً ومبررًا لتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني.

خلاصــــــــات

بعد ما يقرب من ثلاثة عقود على اتفاق أوسلو الذي فتح باب التطبيع أمام الأنظمة العربية الرجعية؛ تأكد بمعطيات الواقع العنيد أنه لم يعد من المقبول الاستمرار في لعبة المناورة العبثية للتكتيكات المرحلية في إطار الاستراتيجية التي وضعتها الإدارة الأمريكية تحت مسميات مختلفة، ولكن بمضمون واحد وثابت هو حماية الكيان الصهيوني وتأمين مستقبله على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، خاصة وأن التحولات الجارية في الوضعين الدولي والإقليمي؛ تمنح فرصة تاريخية لإحياء وتطوير المشروع القومي التقدمي، وفي مقدمة أهدافه تحرير فلسطين بدءًا بالعمل الدؤوب لتغيير ميزان القوى وقواعد الاشتباك، بالاستفادة طبعا من دروس الماضي وإخفاقاته.

بالتأكيد، لا تشكل المعركة الحالية التي يخوضها الشعب الفلسطيني والتي انطلقت بهبة القدس، وتحولت لانتفاضة شعبية في الضفة وأراضي 48، ومواجهة عسكرية كبيرة وجهت فيها المقاومة ضربات غير مسبوقة لقلب الكيان الصهيوني؛ آخر المعارك لدحر الاحتلال، ولكنها تمثل نقلة نوعية كبيرة في الصراع مع المشروع الصهيوني، والذي تبين من جديد أن ردع الكيان الصهيوني يحتاج إلى مساندة عربية واسعة، ودور فاعل للقوى الحليفة في محور المقاومة، وضغط حقوقي وشعبي دولي متواصل. كل هذا يستلزم أولًا وقبل كل شيء وحدة راسخة للصف الوطني الفلسطيني على خط المقاومة، لأنه يمثل قانون الصراع مع الاستعمار في كل زمان ومكان، وجبهة عربية تقدم كل ما تستطيع من دعم مادي ومعنوي؛ سياسي وعسكري؛ ديبلوماسي وإعلامي.