Menu

لقد فعلها الفلسطيني هذه المرة: فلسطين الباقية تلم شملها

موسى جرادات

لم تكن الحرب الأخيرة على غزة وانتفاضة الأهل في الضفة ومناطق ٤٨ حدثًا عابرًا؛ من أحداث الصراع الدامي منذ أكثر من قرن على تراب فلسطين. فقد جاءت الأحداث في سياق لم نألفه من قبل وبعيدًا عن الأمنيات المثقلة بالحيرة واللوعة وانتظار ما سوف يأتي؛ انتظار محمول بالكثير من الشك وفقدان اليقين، ووجدنا أنفسنا أمام جملة تحمل المعنى تماما تكسر سؤال ما العمل؟ وتقذفه بعيدًا عن مساره المعهود، فهي العمل بكل ما يمليه من معنى، وعلينا أن نقطف مما زرع صنّاع العمل ونعيد تصحيح مفرداتنا وجملنا المحنطة الفاقدة للمعنى لكثرة ما استهلكناها في صحراء التيه.

لقد رأينا الكثير من التحليلات والمواقف التي جاءت بعد نهاية الحرب تسال عن النصر وهو الغائب من قاموسها منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وليس فقط غائب، بل اعتاد أصحابها طوال هذا الوقت التكسب على إيقاع هزيمتنا جميعًا.

والهدف من سؤال النصر يحمل في طياته الكثير من الخدع والمكائد وربما كان امتدادًا لآلة الحرب التي سبقته، وعلى هذا المنوال حاكت النخب السياسية الرسمية متسلحة بكل ما أوتيت من وسائل الإعلام وجيوش؛ عرفنا وجوهها جيدًا وحفظناها غيبًا فهي تتقن العزف على وتر الهزيمة، ولأننا نعرفها ونعرف مبتغاها لم تفلح هذه المرة، ولم تصل إلى هدفها لأن إيقاع الحرب ومفرداتها واستجابة الشارع الفلسطيني في كل الساحات والاندفاعة التي أبداها فند كل تلك الادعاءات. فالشعور بالنصر على الأعداء هذه المرة كان قمرًا مكتملًا في سقف السماء؛ فلم تفلح ولن تفلح كل محاولاتهم لطمس النصر الذي جاء بسواعد المقاومين من كل الأيديولوجيات؛ ف فلسطين الباقية لمت شملها من جديد وكسرت صلف القوة وإله الحديد الجاثم على صدرها منذ عقود.

يكفي أن نرى قادة الأعداء من سياسيين وجند وإعلام ومراكز دراسات بوجوههم وكلماتهم في مؤتمراتهم الصحفية حتى ندرك أن الحدث لم يكن عابرًا هذه المرة، بل جاء في سياق نقطة تحول استراتيجية في وجهة الصراع؛ فالتخبط والكذب ولي عنق الحقيقة سمة لازمت خطابهم المأزوم ولم تفلح كل ادعاءاتهم أن تقفز عن حقيقة ما جرى لهم.

فالحرب التي ذهب إليها الفلسطيني هذه المرة في مبادرة منه في سياق الفعل لا رد الفعل فاجأت الجميع، فقد جاءت ظروفها الداخلية مكتملة لناحية الاستعداد ووجود الحاضنة الشعبية والرؤية السياسية الحاضنة للمقاومة، كل تلك العناوين مضافًا إليها تحلل نخبة الاشتباك التفاوضي المفقود وانعدام افقهم ما سهل المهمة وجعل المقاومة ومنطقها يسود دون منازع؛ فجماعة الاشتباك التفاوضي وإن حاولوا عبثًا أن يدخلوا بازار الكسب السياسي فإن سلتهم خاوية لسببين، أولهما أن وزنهم الداخلي وشرعيتهم أصبحت على المحك لعوامل كثيرة تدور جميعها في حالة الخراب والاحتراب التي أنجزوها في العقود الثلاثة الماضية، والثاني أن دورهم الوظيفي وصل نهاية الطريق؛ فالعدو لم يعد يرى فيهم وزنًا ولن تفلح كل محاولات الأمريكي والأوروبي والنظام الرسمي العربي في ضخ الدماء في عروقهم.

فالحرب التي جرت على تراب فلسطين رسمت ملامح القادم دونهم وبدونهم لا فرق، ومنها يخرج الخطاب السياسي الجديد وتوجه البوصلة خطاب يعرف أهله ويألفهم ويألفوه يفهمهم لأنه يعبر عن حقيقتهم وعقلهم الجمعي؛ فيرفدوه بكل التضحيات.

لقد فعلها الفلسطيني هذه المرة بالاعتماد على ذاته، فعلها في ظل انهيار الحواضر حوله فعلها وعاد من غياهب النسيان وأعاد للقضية ألقها وأعاد للإنسانية بعض حوائجها، لهذا رأينا استجابة الشعوب في كل بقاع الأرض تهتف تسانده وتآخيه، فعلها وأسقط وهمًا وشبحًا وصنمًا؛ أليس هذا نصرًا؟