لم يكن مصطلح النكبة الذي خطه المفكر العربي قسطنطين زريق، إلا للدلالة على المصيبة والنازلة الكبيرة التي حلت بالشعب الفلسطيني، ويبدو أن المصطلح في حينه ولفترة ليست بعيدة -وبعكس ما قصده المفكر زريق في كتابه معنى النكبة- بات معادلًا للندب على أطلالها أو تجسيدًا لفكرة الاغتصاب الجسدي لفتاة بِكر؛ يجب التخلص منها؛ انطلاقًا من المفهوم الخاص "بالشرف" في الثقافة العربية، لكن كانت المحاولة الأكبر هي توظيفة من قبل الأنظمة العربية التي هي مساهم رئيس فيها، للتحايل على الأسباب الرئيسية خلف وقوعها، وعليه الهروب من المسؤولية التي جهاتها معلومة، وتحميلها للمنكوب، وقد يكون الأمر أبعد من ذلك؛ من خلال محاولة تمرير الجريمة الصهيونية، باعتبارها حدث طبيعي؛ ألم بشعب يستحقها!
النكبة: محاولة تعريف
بمختلف القراءات والمعايير؛ كانت "النكبة" عام 1948، وما خلقته وجسدته من وقائع تاريخية؛ كسرًا حادًا للوجود وللمسار؛ المادي والسياسي الفلسطيني، منذ بدايات الصراع مع المُستعمِر البريطاني، لا يوازيها في التاريخية، إلا ما حدث سنتي 1916 – 1917 (سايكس بيكو - وتصريح بلفور)؛ انطلاقًا من فكرة مركزية، ألا وهي الطبيعة التراكمية للأحداث، وأن الحصيلة التاريخية ليست إلا حصيلة تراكمية، وأن نتائج مرحلة ما؛ تُقرر في أحشاء المرحلة التي سبقتها، وعليه لم تقف حدود النكبة، عند حدود فلسطين "الانتدابية"، بل تخطت؛ حدودها الجغرافية إلى العام العربي، وما يؤكد امتدادها؛ عدم اختلاف الحصيلة الإجمالية للصراع العربي - الصهيوني قبل 1948 عن حصيلته الإجمالية بعد 1948، رغم أن النظام العربي المُحافظ هو الذي تولى مهام مرحلة ما قبل 1948، في حين تولى النظام الثوري والقومي؛ مهام مرحلة ما بعد 1948، وهذه المسألة ليست تجنيًا لا صريحًا ولا ضمنيًا على الزعيم العربي جمال عبد الناصر أو مساواة تعسفية بينه وبين الملك فاروق، لكن المهم هو وجود سبب مشترك؛ يتجاوز النظامين؛ شكّلَ الأساس الواحد للنتيجة أو الحصيلة الإجمالية الواحدة في الحالين؛ ما قبل وما بعد النكبة، ألا وهو التخلف الحضاري والأزمة الشاملة التي تضرب في أطناب النظام السياسي المصري.
في الخاص الفلسطيني؛ لم يكن الأمر أفضل حالًا؛ فمن وعد بلفور إلى اتفاق أوسلو على ما بينهما، قبل سنة 1948 وبعدها، وعلى المدى الفسيح الممتد، من الحاج أمين الحسيني الذي تُوج زمنه بنكبة 1948، إلى ياسر عرفات الذي ختم مسيرته باتفاق أوسلو؛ زمن كامل وحافل بكل شيء؛ من مرحلة فلسطين القضية والمسؤولية القومية في نصرتها؛ أولًا قبل 1948، وفي تحريرها بعد 1948 عبر حرب كلاسيكية، إلى مرحلة ساد فيها المنطق القائل بأن: يتولى أبناؤها مسؤولية أنفسهم، وقالوا بالحرب الشعبية ومارسوها، وكانت النتيجة دائمًا واحدة!
ليس الهدف مما سبق؛ الدخول في بحث نظري حول ما إذا كان قد جرى تناول ما حدث سنة 1948؛ انطلاقًا من أن ميزان القوى هو القانون الذي يقرر نتائج الصراع أم لا؟ ما أسعى إليه، وهو في متناول أيدينا؛ انطلاقًا من الواقع المحقق؛ أن القانون المذكور، حتى ولو جرى تناوله نظريًا، بدرجة أو أخرى في الأدب السياسي العربي حينذاك، لكنه لم يشكل أساسًا واعيًا للأداء العملي الذي أعقب نكبة 1948، وخصوصًا لناحية: (أ) الاقرار بمبدأ التفاوت الحضاري والعلمي وميزان (قانون) القوة بداهة، وأنه أساس الهزيمة، وكذلك إدراك نوع وحجم التفاوت وأسبابه وكيفية ردمه وتجاوزه.
الحدث المقدسي: يفرض الحدث الفلسطيني
انطلاقًا من قانون التراكم، ليس صدفة أن يتزامن الحدث المقدسي مع الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة، خاصة عندما اعتقد العدو الصهيوني أن القدس ؛ باتت لقمة سائغة يستطيع ابتلاعها؛ ظنًا منه بأن التطهير والتهويد والاحلال والقمع والاستلاب، منذ استكمال احتلالها عامي 1948-1967؛ سيكسر مقاومتها وقدرتها على الصمود والتحدي والمواجهة، وأن التهميش الذي عانته وتعانيه المدينة وأهلها من الفلسطيني؛ الرسمي والفصائلي؛ كان قد أوهن عزيمتها، وأن التسابق العربي على التطبيع مع عدوها قد أنهى قضيتها، وأقفل المعركة حولها؛ سيرًا على هدى ما قررته خطة/صفقة ترامب، دون أن يرى كل هؤلاء أو بمعنى أدق تجاهلوا أن المعركة التي دارت وتدور في القدس، بحسب الباحثة هنادي لوباني؛ ليست معركة بين شعبين وتاريخين وهويتين، بل أن المعركة والقضية الأكثر بعدًا في مدلولاتها الصراعية؛ فهي التجسيد العملي للنكبة الفلسطينية المستمرة، وساحة الاشتباك المركزية بين جغرافيا استعمارية صهيونية، تهدف إلى تحقيق مشروعها الاحلالي على القدس/فلسطين وسرديته التوراتية عن "المدينة والأرض الموعودة" من جهة، وجغرافية ندية قائمة على مشروع فلسطيني عربي تحرري؛ يسعى إلى استعادة الحقيقة والحقوق التاريخية في القدس لمواطن الأصالة الفلسطينية العربية من جهة أخرى. قد يكون راهن كثيرون على حجم التحديات والمخاطر التي تهددت وحدة وفعالية الشعب الفلسطيني، وما تعرض له ضميره الجمعي كما ذاكرته الوطنية؛ من تكسير وتهشيم وتهميش تحت ضغط تحفيز تناقض الأبعاد المتعددة للشخصية الواحدة وعناصر تماسك الضمير الجمعي والذاكرة الوطنية ووضعها جميعًا تحت خطر الانفصام، والتي كانت تعمل دينامياتها، جنبًا إلى جنب مع عمليات؛ الاستئصال والإلغاء والاقتلاع والاستلاب وتبديد الوجود وإلغاء الهوية وتفتيت وإلحاق وضرب للرواية التاريخية، على طريق إحلال الكارثة الوطنية؛ بتلك الممارسات القاسية على مدى زمني تجاوز عمر النكبة الحقيقي، والتي كانت لها ترجماتها المادية والنفسية، على الشعب الفلسطيني الموزع على سبع تجمعات رئيسية أو يزيد؛ تنفصل عن بعضها البعض بعوائق؛ صحيح أنها مُختلقة وقسرية، ولكنها موضوعية أيضًا، وكان لا يكفي لعلاجها ترداد شعار: "وحدة الأرض والشعب"، وكأن شيئًا لم يحدث بعد ثلاثة أرباع قرن من نكبة 1948، والشتات البعيد أو القريب؛ إن بالمعنى الزمني أو الجغرافي، بما هو عليه من حيز مادي، كان علينا مهمة إدراك ما يحتويه من مؤثرات ومؤثرات مضادة وساحة مفتوحة لغير لاعب يملك كل واحد منهم أدواته وقدرته على الفعل من ضمن إمكاناته ووعيه لهدفه وممارسته، خاصة في ظل تبدل الأولويات الرسمية الفلسطينية؛ من التحرير وإنهاء وجود العدو إلى التسوية والاعتراف بوجوده وسيادته، بما في ذلك على الجزء الأكبر من القدس التي أسموها: غربية! لهذا كله؛ لم يكن الحدث المقدسي إلا حدثًا فلسطينيًا بامتياز؛ فعندما نادت القدس؛ لبت غزة، وعندما لبت غزة؛ نهضت اللد، وعندما نهضت اللد؛ قامت رام الله، وعندما قامت رام الله؛ حضرت فلسطين بكامل جغرافيتها وتاريخها، وعندما حضرت فلسطين، امتلأت ميادين؛ عمقنا القومي والأممي.. إنه الحدث المقدسي الذي تحول إلى فلسطيني، وحمله على أكتافه؛ الجيل الفلسطيني الذي تعرض على مدى ثلاثين سنة متواصلة لأكبر عمليات كي وصهر وتزييف وتجريف للوعي، لُيسقط بذلك معادلات بُنيت وحدود رُسمّت وقواعد اشتباك حُددت ومسار من الأوهام والتسويات والمفاوضات؛ عملت طوال الوقت على اختزال فلسطين ما قبل 1948، ووضعها في دولة على أقل من فلسطين ما بعد 1967؛ "فما أكبر الفكرة وما أصغر الدولة!".
الحدث الفلسطيني: إعادة موضعة للتاريخ الصحيح
خلال مرحلة أوسلو؛ انشغل كثيرون بأسئلة مثل: ما هو السقف السياسي للمرحلة؟ والذي كان نتاجًا لسؤال آخر حول ماهية المرحلة؟ حيث توهم كثيرون؛ أننا بتنا في مرحلة بناء الدولة، وحثوا الخُطى على وضع مؤسساتها على وهم أرض؛ أفقدتنا الوطن الذي لا يمكن أن يكون دونها دوله، وهذه ليست مسألة رغائبية أو إرادوية، بل تنطلق في تقييمها وتقديرها وتقريرها للحدث السياسي مهما كان كبيرًا، إلى المرجعية الفكرية للسياسة العليا كما السياسة الجارية وليس العكس، وهنا بالضبط؛ تأتي مكانة الأيديولوجية الصهيونية بوصفها مرجعية السياسة العليا، ومكانة هذه المرجعية في تقرير السياسات الفرعية والجارية، والتي كان من ضمنها الذهاب نحو تحرير العرب من فلسطين بعد أن جرى تحرير فلسطين من منظمتها، بالاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود، وهنا كان جوهر الاستهداف من خلال عملية التسوية والمفاوضات والتطبيع، باعتبارها جزء من الاستراتيجية الصهيونية – الأمريكية؛ من كامب ديفيد وما بينهما وصولًا لاتفاقات "إبراهام"؛ فهل بعد كل ما جرى ويجري، وما جسده الحدث الفلسطيني؛ ببعده القومي والأممي، من مجال لطرح سؤال: ما هو السقف السياسي للمرحلة؟
أعتقد جازمًا، أن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: كيف ننجز المهمة التاريخية التي أُعيد موضعتها في موقعها الصحيح؟ وهو أن هذا "الصراع" أو بالأدق التناقض الرئيسي مع العدو، ورغم كل محاولات تمويهه وتجميله وحرفه عن مساره الطبيعي وتغييبه أحيانًا، كان في كل مرة؛ يعيد الإفصاح عن نفسه بأنه صراع/تناقض وجودي - تناحري، لا يمكن أن يُموَه أو يُجمَلّ أو يُحرَف عن مساره أو يُغيّب، وإن جرى ذلك؛ فالتاريخ كفيل بالتصحيح، ولكن السؤال أيضًا: ماذا عن الفاعلين في التاريخ؟
بعيدًا عن القراءة المستعجلة أو العاطفية للحدث الفلسطيني في هذه اللحظة التاريخية المحددة؛ أجد أننا كفلسطينيين أمام مهمة ملحة، وهي كيف نحمي أنفسنا من عدم الرجوع إلى ذات خطأ الأسئلة التي وقعنا به، والذي لن يكون خارج امتلاك رؤية صواب لطبيعة وجوهر وآفاق الصراع/التناقض القائم؟
بهذا المعنى؛ نحن أمام مهمة تأسيسية؛ تحتاج ودون أدنى تأخير إلى إطلاق أقصى فعالية فكرية ممكنة لاستيعاب ما حدث وتقديم تفسير موضوعي له، لا تقاس صحته بكمية الكلمات التي تقال وبلاغتها، بل بمدى قدرتها على تشكيل بناء فكري متماسك يؤسس لرؤية واضحة أو مشروعًا للتحرير وبنى تنظيمية فاعلة وخطط وبرامج عمل ناجزة، حيث في إطار ما تقدم يتقرر مصير الهزائم والانتصارات التي قد تبقى على حالها أو تتبدل إلى نقيضها؛ تبعًا لعنصر إضافي يفسر لنا لماذا تطول الهزائم، ولماذا تتحقق الانتصارات، وهذا العنصر الإضافي هو العامل الذاتي الذي له طاقة تقريرية؛ سلبًا وإيجابًا، وفي صلب هذا العامل الذاتي مفهوم الإرادة الذي ثبت بالملموس في الحدث الفلسطيني القائم وما سبقه، أنه المُرتكز الذي يجب أن نعوّل عليه كثيرًا، والذي كان العدو يعمل باستمرار على احتلالها، وقيمة تحديد التأكيد على مسألة الإرادة كونها مسألة واعية، وأن احتلالها لا يكون إلا من بوابة احتلال العقل والسيطرة عليه بـ فكرة "حتمية الهزيمة"، وهذه الفكرة أسقطتها حالة المواجهة والاشتباك التي دارت على مساحة فلسطين التاريخية، وعليه؛ نحن أمام مهمة إضافية، وهي كيف لنا أن نحافظ على إرادتنا الواعية متقدة على طريق كتابة التاريخ العربي الفلسطيني الصحيح؟
لقد درج القول أن المنتصرين وحدهم من يكتبون التاريخ، وهذا صحيح من حيث المبدأ، ولكن لا يجب أن ننسى أن للمهزومين إمكانية صناعته من جديد، ونحن لسنا بمهزومين حقيقة؛ فالصراع/التناقض الذي يدور حول الوجود، لا يمكن إلا أن يحسم ضمن قانون القوة، ورغم ميزان القوة المختل تاريخيًا، إلا أن شعبنا؛ استطاع أن يبني قوة دفاعية وهجومية مقدرة وتظهر فعّالية عالية، لكننا لا زلنا بحاجة لربط عناصر هذه القوة، وبمعزل عن أية ادعاءات لفظية معاكسة؛ بممارسة سياسة دفاعية هدفها حفظ وجود الذات، أي البقاء وسط حرب معلنة من قبل العدو على الوجود نفسه، وهذه ترقى لأن تكون مهمة تاريخية، بكل ما تعنيه الكلمة.
بكلمات محددة؛ هذه الأرض لا تتسع إلا لشعب وهوية واحدة، وهم أصحابها الأصلانيين الذين مُورس بحقهم الاقتلاع والتطهير العرقي والاحلال والتمييز العنصري على مدى زمني يتجاوز عمر النكبة الحقيقي؛ الثلاثة والسبعين، والتي قد نضع أسس تجاوزها بالبدء؛ من وضع حالة المواجهة والاشتباك القائمة، وفاتورة التضحيات التي دفعها شعبنا في "معركة سيف القدس"، كاستحقاق على مذبح حريته واستقلاله، في إطار حسابات سياسية استراتيجية، لا تنفصل عن مشروعها الوطني القائم على أولوية التحرير.

