في البداية:
إحدى الصور اللافتة من سيل صور المواجهات المتدفقة من فلسطين المحتلة، صورة شاب فلسطيني ملثم بكوفية يحمل في يده اليسرى كتابا عنوانه (مدخل إلى التخطيط والتنمية) وفي يده اليسرى يحمل حجرا متخذا وضعية الاستعداد للرجم، هذه الصورة على بساطتها وعفويتها تحمل دلالات عميقة تأخذ أكثر من منحى وأكثر من اتجاه، ولكنني أريد هنا بعيدا عن تحليل الصورة أن ألفت إلى المفارقة في المشهد، فللفلسطينيين قصة طويلة وغير سارة مع التنمية ومفرداتها وبناتها، بدءا من الأمن مقابل التنمية والسلام مقابل التنمية، انتهاء بالدور المشين الذي حاولت بعض منظمات التنمية ممارسته عبر تمزيق المحتوى السياسي للمجتمع الفلسطيني وتبديده. والسؤال الذي يطرحه الواقع: هل كانت التنمية وبالتالي الدولة ممكنة في غياب الحرية، وهل يمكن التخطيط لبناء وطن وهذا الوطن مازال تحت احتلال يرفض الاعتراف بالحقوق الاساسية لإنسانه؟
الفلسطيني البديهي أدرك أن التنمية كما يفهمها مشروطة بالحرية، فبدون حرية الشعب والوطن يصبح الحديث عن التنمية والاقتصاد والإنعاش المجتمعي مجرد كلام مسموم يستهدف الإخضاع والترويض وإعادة صياغة العقل الجمعي الفلسطيني على معايير اتفاقيات السلام وإرادة الاحتلال الذي يريد أن يبقى ويستمر وفي نفس الوقت يريد أن يواصل ضحاياه الابتسام له.
يقول أحد النشطاء على الشبكة الاجتماعية أن المنظمات غير الحكومية الدولية ستبكي دما على المال الذي أهدرته على جيل أوسلو، نعم هكذا أُريد لهذا الجيل أن يكون، أن يوصم بعار الاتفاقية المشينة وأن يكون خارج سياق تاريخه وبداهته، ولكن هيهات، هاهو هذا الجيل يخرج ليرجم عدوه وقبل ذلك يرجم التنمية المزعومة وإعادة تشكيل وجهه وصورته، نازعا أقنعته المزيفة التي أرادوا أن يحبسوه وراءها، يكشف وجهه للشمس، يقاوم ويستشهد ويكمل طريق أسلافه.
في البديهيات
من نافل القول بداية أن أي تحليل آني لن يفلح في رسم صورة صحيحة ومكتملة للانتفاضة الفلسطينية الحالية، أو الوصول إلى استنتاجات بمآلاتها. ولكن ثمة بديهيات لابد من التذكير بها، كمساهمة في إزالة التباسات قد تكون موجودة، أو تحليلات مستعجلة يباغتنا بها الإعلام كل لحظة.
البديهية الأولى أن الانتفاضة ليست نبتا شيطانيا في السياق الفلسطيني، فهي ليست مجرد ردة فعل، فالكفاح الفلسطيني مفتوح مع العدو، بدأ قبل الانتفاضة بكثير والأرجح انه سيستمر بعدها أيضا، وبالتالي لابد من التعامل مع الحدث كحلقة طبيعية، في سياق هذا الكفاح المستمر الذي يتصف بالتاريخية والوجودية معا، ونحن نعلم علم اليقين أن عوامل الانتفاضة هي ذاتها عوامل هذا الكفاح وفي الجوهر منها حرية الشعب الفلسطيني وكرامته وحقه في استعادة ما سلب منه. فالاحتلال الصهيوني مازال جاثما بكامل ثقله على الجسد الفلسطيني، ولم تفلح كل عمليات الترقيع والتجميل في تزيين وجهه البشع.
البديهية الثانية أن الانتفاضة ليست حلا للمعضلات الفلسطينية، بحد ذاتها، فلهذه المعضلات وأبرزها الانقسام أسباب معقدة ومركبة، والانتفاضة ليست هي الحل السحري لهذا المأزق في غياب الارادة السياسية المستندة إلى وعي عميق بالمسؤولية الوطنية وهذا ما نراه حتى الآن، رغم حالة الاجماع اللفظي على الأقل لجميع الأطراف وبالتحديد طرفي الانقسام على دعم الانتفاضة وحمايتها.
البديهية الثالثة أن الفلسطينيين الذين خبروا عدوهم جيدا على مدار مائة عام فعليا، يعرفون تماما حالة ميزان القوة ويدركون أيضا حدود قوتهم، ولكنهم إزاء هذا لا يتصرفون كمحاسبي شركات، بل كأناس وطنيين يعلون قيم الوطن والكرامة الوطنية فوق كل اعتبار، وبالتالي لا تقاس الأمور بمنطق الربح والخسارة الاقتصاديين كما يحلو لبعض المنظرين القول، بل بمنطق تركيم انتصارات الشعب وتعاظم قوته واستنزاف قدرات عدوه في كافة المجالات وصولا إلى إرغامه على الاقرار بالأمر الواقع، إلى ذلك ينبغي القول أن الخلاف على تسمية للحدث الجاري لامعنى له، ويمكن لأي كان أن يسميها ما يشاء، مادام صناعها الحقيقيين غير مشغولين بهذا الأمر، ففي خضم النضال الجاري يصبح هذا النقاش ترفا زائدا عن الحاجة، ولكن لا يخفى طبعا سعي أطراف عديدة للتقليل من زخم هذا الاشتباك، وتبخيسه عبر اعتباره هبة عابرة، أو اشتباك محدود، ومحاولة فاشلة لإضفاء معايير معينة على ما يمكن تسميته (انتفاضة) متجاهلين عن عمد، أن تاريخ الشعب الفلسطيني مفعم بمواجهات من هذا النوع سميت انتفاضات، ولسنا بحاجة لكثير خبرة لنقول أن انتفاضة الأقصى عام 2000 لا تركن لمعايير الانتفاضة الكبرى عام 1987، فكل حدث تاريخي له محدداته الخاصة في ظرفه وزمانه والعوامل المحيطة به.
من يريد وأدها:
ثمة أيضا من يريد تثبيط همة الانتفاضة بالقول أن الوقت غير مناسب، عربيا وإقليميا ودوليا، والفلسطيني البديهي الذي يرزح تحت الاحتلال سيرد ببساطة: أن متى كان الوقت مناسبا، فالانتفاضة الكبرى جاءت في ظل أقسى عملية عزل وتهميش وتصفية للقضية الفلسطينية بعد الخروج من بيروت، وانتفاضة الأقصى جاءت في ظروف إقليمية ودولية معروفة لم تكن مواتية أبدا، ولكن حسابات الشعوب المقهورة تختلف عن حسابات المحللين الباردة المحايدة.
ثمة مسعى آخر للتقليل من أهمية الانتفاضة وتحديدها بالقول إن الانفجار الشعبي الغاضب مرتبط بانسداد الأفق السياسي من جهة وباقتحامات المسجد الاقصى من جهة أخرى، لاشك أن الشعب الفلسطيني غسل يديه من التسوية ومآلاتها منذ وقت بعيد وهو اليوم يثور لا على انسداد الافق السياسي بل أكثر من ذلك على التسوية ذاتها بما تحمله من هدر للحقوق والكرامة، يصبح دفاع تيار التسوية بلا معنى وهم يفقدون أدواتهم المعتادة لتخدير الشعب وخداعه.
أما موضوع الأقصى، فعلى أهميته الكبرى إلا ان المسألة لا ترتبط به بقدر ما ترتبط بالتساوي بمسائل وطنية كبرى كالأسرى والاستيطان المتوحش النهاب والقمع والاذلال اليومي، هنا يعود الأقصى ليصبح رمزا للوطنية الفلسطينية أكثر مما هو رمز لمليار مسلم يتخلون عنه ولا يتذكرونه إلا في سياق السياحة الدينية تحت حراب الاحتلال. وبالتالي فلا يذهبن بأحد التوهان حد أن يعتقد أن حل الأمور في الأقصى سيلجم الفلسطينيين ويزيل ثورة غضبهم.
اعادة صياغة صورة الفلسطيني
نجحت الانتفاضة الحالية في تحطيم الأسوار المزيفة التي بناها الاحتلال واتفاقيات أوسلو في قلب الشعب الفلسطيني، فاليوم لا فرق بين أم الفحم المحتلة عام 1948 وبين الخليل، بين عكا ونابلس، بين سخنين وبيت ساحور، بين النقب و القدس ذاتها، فالشعب توحد من النهر الى البحر ومن المطلة إلى أم الرشراش، على عكس الادعاءات التي تزعم بمحدودية الفعل وانحصاره في نقاط ضيقة، ليصحو العدو على كارثته التي بقي يخدع نفسه بتجنبها طوال سبعين عاما فلا المحتلين منذ 1948 تأسرلوا وتخلوا عن فلسطينيتهم، ولا أهل الضفة والقدس وغزة خضعوا وذلوا، وحدة الشعب الميدانية العظيمة، وجهت أيضا صفعة قوية لأطراف الانقسام الفلسطيني، ووضعتهم على حافة الوجود نفسه ان صح التعبير، فما بعد الانتفاضة ليس كما قبلها وهم يدركون أن هذا الغضب المتعاظم موجه في جزء منه إلى القيادة جميعها التي خذلتهم وساومت عليهم لمصالحها الفئوية وهي تعيش في حالة ترهل وعجز وفساد غير مسبوقة.
وفي ظل حصار وتعتيم إعلامي عربي بالأساس، وصمت عربي فاضح يصل حد التآمر، تنجح الانتفاضة يوميا في اختراق الحجب المانعة، لتعيد تقديم صورة الفلسطيني والفلسطينية بما يليق بهما، وبالتأكيد يرجع هذا الى حجم التضحيات التي يقدمها شباب وشابات فلسطين والى قدرتهم غير المحدودة على الصمود في وجه آلة القمع الصهيونية التي تفقد رشدها وتبدو رغم قوتها الهائلة عاجزة تماما عن التعامل مع الحدث ذاهبة إلى ارتكاب جرائم مروعة تحاكي عصابات الاجرام بهدف ترويع المجتمع الفلسطيني المنتفض وتزويد المجتمع الصهيوني بإحساس زائف بالأمن والسيطرة على الموقف.
الأفق:
لقد قدم الشعب الفلسطيني تجربة جديدة غير مسبوقة في التاريخ، وكأنه يصوغ قانونا اجتماعيا جديدا للكفاح والفعل الثوري، ليحيل الكثافة والنوعية محل الزمن وطول المدة، فقد تنتهي الانتفاضة غدا، ولكن هذا لا يعني أن تأثيراتها محدودة وأنها فشلت، فكثافة الفعل الثوري المقدم في نماذج الشباب والشهداء ووحدة الدم وهدم الجدران بين الأشقاء، تعكس قدرة هائلة على تكثيف الفعل الثوري في مدة قصيرة للغاية، لم يشهدها تاريخ الكفاح الثوري على ما أعلم ، ما يجعل آثار هذا الفعل تدوم وتستمر، ورغم ذلك فالانتفاضة بحاجة إلى ترسيخ وحدة الشعب السياسية بالمعنى التنظيمي، بعد تحققها شعبيا، وبالتأكيد فان مظلة الحماية تأتي من الشعب نفسه وليس من خارجه، هذا لا يعني أن المنتفضين ينتظرون القيادة لتقودهم وتملي عليهم، بل يعني ان لانتفاضة تحتاج لأداء سياسي يبعدها عن الاستثمار المجاني، ولا يوردها في آن معا موارد التهلكة. ويبقى السؤال المزعج هل سترتقي القوى السياسية الفلسطينية إلى مستوى تضحيات وكفاح الشعب أم أن هذا الشعب نفسه سيقف في مواجهتها ويقول لها: آن أن تنصرفي؟

