كان المفترض أن يكون هذا الاجتماع قبل تأجيل الانتخابات، وتتم فيه دراسة الأوضاع على ضوء رفض الكيان الصهيوني إجراء الانتخابات في القدس ، ويكون أمامنا أحد خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول: إجراء الانتخابات في القدس بمعزل عن سماح الكيان أو عدم سماحه، وهذا سيفرض عملية الاشتباك مع العدو بما تستوجبه من تشكيل أطر منظمة تقود العملية لإيصالها لمبتغاها وضمان نجاحها والانتصار بها، مما سيخلق ميكانزمات لإعادة اللحمة وتجاوز حالة الفرقة والانقسام على الأرض وفي الميدان الأمر الذي سيتجاوز القيادات وأصحاب المصالح.
الخيار الثاني: أن يكون رد الفعل الطبيعي إعادة إحياء م.ت.ف بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتشكيل القيادة الوطنية الموحدة لإدارة الاشتباك الشعبي مع العدو حتى لا يستسهل السطو على أراضينا وبيوتنا وقدسنا.
لكن وللأسف لم يحدث لا هذا ولا ذاك وكأنه أعطى إشارة للعدو بقلة حيلتنا، فاندفع متغولاً نحو القدس ذاتها "عنوان المرحلة" لينجز أمورها والانتهاء منها مرة واحدة وإلى الأبد؛ مستغلاً حالة الاستكانة والخنوع لدى القيادة الفلسطينية، والتوافق مع أنظمة التطبيع العربي، حيث لن يجد وقتاً وظروفاً أفضل من ذلك، ولكن على عكس توقعات الكل تصدى شعبنا المقدسي للهجمة وبمساعدة باقي شعبنا في الضفة والأراضي المحتلة عام 48 للدرجة التي وحدت الجميع وباتت حالة الاشتباك تتصاعد وبات العدو الصهيوني يخسر الجولة على الأقل أمام الرأي العام العالمي، ولم تستطع غزة الوقوف متفرجة وبالرغم من المسيرات الليلية الحاشدة الرافضة والداعمة للقدس التي نظمتها معظم فصائل العمل الوطني والإسلامي، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، فاندلعت المواجهة العسكرية بين غزة والكيان الصهيوني، بالرغم من اختلال الميزان العسكري بالمطلق لصالح العدو، إلا أن غزة استطاعت تسجيل عدة نقاط أهمها على الإطلاق هي توحيد الشعب الفلسطيني أينما وجد بما لا يدع أي مجال للتشكيك أو التجاوز.
ومن هنا تبدأ مقاربتنا لدعوة الإخوة المصريين لاجتماعات القاهرة، والتساؤل هنا هل ستظل هذه الاجتماعات مجرد احتفالية لشكر القاهرة على طيب الاستضافة وحسن اللقاء ببيان ختامي لا لون له ولا رائحة ونعود كما كنا نتشاجر ونتحارب على الشرعية والأخطر من سيدير إعادة الإعمار وأمواله؟ أم سنجد ارتقاء لمستوى الجماهير التي لم تقصر؛ علماً أن الأمور تحركت بعد العدوان الصهيوني وخلقت محركات جديدة؟
بمعنى أن ما قبل العدوان ليس كما قبله وواضح أننا بتنا في سباق مع الزمن، والحديث عن الاستثمار لا أقصد بالمعنى الاقتصادي أو المعنى السياسي وإنما بالمعنى النضالي الذي يقربنا من تحرير كامل فلسطين من نهرها إلى بحرها، حيث باتت الكثير من المفاعيل في يدنا في ظل ارتباك العدو وعدم قدرته على التوازن بما فيه من صراعات تشبه بدايات التفكك، علينا أن نطرق الحديد وهو ساخن ولا ننتظر حتى تعيد أميركا له التوازن، يجب عدم إضاعة الوقت في البحث عن شرعيات فنضالنا هو الشرعية.
لم تعد المسألة بحاجة إلى نقاش وإضاعة وقت شعبنا موحد على الأرض وفي جميع أماكن تواجده، وعلى الأقل في المشاعر والأهداف يبقى ترتيب البيت وتوزيع الحصص ومقاعد م.ت.ف ولن أكون طوباويا لأنفي التنافس الحاصل، والذي يؤدي إلى الفرقة والانقسام، ولكن هذا لن ينفي أيضاً إمكانية التوافق؛ لا غالب ولا مغلوب على قاعدة عدم التفرد لهذا أو ذاك، بما يجعل تحقيق الوحدة الوطنية أمراً إلزامياً وواقعياً حتى نستطيع إجراء انتخابات حقيقية حرة ونزيهة، وحتى هذه لا ولن تبرر لأحد الأطراف التفرد في القرار؛ طالما نحن في مرحلة التحرر الوطني ولا زال الاحتلال جاثم فوق أراضينا؛ يسرقها ويهودها.
لا يمكن الحديث في هذه المرحلة إلا عن الشراكة في العمل والشراكة في القرار بالشكل والمضمون الذي يوظف كل طاقات الشعب في المعركة، ولم يعد انتظار شفقة "المجتمع الدولي" أو الرباعية أو غيرها طوال هذا الوقت المقصود إضاعته ليتمكن العدو من سرقة باقي الأرض وتهويدها.
أيتها الوفود بين أيديكم آلام وآمال شعبكم فكونوا على قدر المسئولية.

