نعم، لقد أرغم العدو على وقف العدوان الذي أحدث في أيام معدودة تدميرًا هائلًا في البنيه التحتية لقطاع غزه، وتصاعد ضجيج الاقتراحات "والنصائح" السياسية التي ترافقت مع العدوان منذ بدايته من كل العواصم الداعمة للكيان الصهيوني الفاشي، بهدف مساعدته على تحقيق أهدافه التي فشل في تحقيقها عن طريق الحرب، والتي تتقاطع مع أهداف وأجندات معظم الحكومات القابعة في تلك العواصم وفي مقدمتها إفساد وتدمير انجازات المقاومة والهبة الجماهيرية التي شملت كل فلسطين وخاصة مدينة القدس ، كما أفسدوا ثمار أو "انتصار" حرب تشرين التي أنجز خلالها الجيش المصري أصعب وأعقد العمليات العسكرية على جبهة سيناء؛ عندما زار السادات الكيان ووقع معه اتفاقيات كامب ديفيد التي من خلالها خان القضايا القومية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، حيث شكلت وما زالت تشكل الأرضية والإطار لكافة الاتفاقيات مع العدو، والتي لا تقل عنها خيانة بما فيها اتفاقيات أوسلو التي من خلالها تم نحر الانتفاضة الشعبية المجيدة الأولى باسم "الانتصار" التي أعطت العدو وحققت له ما لم يستطيع تحقيقه، رغم استطاعته على إلحاق الهزائم بالحركات الوطنية الفلسطينية والعربية منذ بداية الهجمة الإمبريالية الصهيونية على الوطن العربي، وخاصة على فلسطين.
الجولة التي خاضتها بكل جدارة المقاومة الفلسطينية المسلحة، رغم ضعف وشحت الإمكانيات؛ تأتي في سياق التراكم والاستمرار للجولات السابقة كمعركه نوعيه في إطار استراتيجية حرب التحرير الشعبية، وما يعطيها أهميه خاصة أنها جاءت بعد أن طوى محمود عباس صفحة الانتخابات وكان شيئًا لم يكن، وحرق "ورقتها" في أتون هبة القدس التي "نزلت عليه من السماء"؛ زاعمًا أنها جاءت نتيجة لقراره "الصائب" بالتأجيل، وعمل مع حاشيته على توظيفها لخدمة أهدافه التي كانت تكمن خلف مرسوم إجراء الانتخابات وفي مقدمتها تجديد "الشرعية" لمؤسسات سلطة الحكم الذاتي الأوسلوي، إن أمكن ذلك ، وتحويل المرسوم الانتخابي بحد ذاته، بعد التصفيق له وقبوله من كل مكونات المعارضة الفلسطينية، كوسيله لفرض "شرعية" الأمر الواقع لقيادته وسلطته، والتعاطي مع هذا كدليل قوه وسيطرة له وللفئه الطبقية "الحاكمة" على زمام الأمور، مما يعزز مكانتهم عند مختلف الأطراف كأصحاب قرار وأداة ضبط وربط في الساحة الفلسطينية، ولكن جاءت الجولة العسكرية الأخيرة وما حققته من انجازات لتعيد الدعم الشعبي والمشاركة الفاعلة والالتفاف الشامل حول المقاومة وحققت ما لا تستطيع تحقيقه أي عمليه انتخابيه على الإطلاق.
في مرحلة ما قبل "الهبة والجولة" عملت قيادة اليمين الفلسطيني من أجل تعزيز دورها "الوطني" والإقليمي بالسير في اتجاهين متلازمين ومتعاكسين، من جهة؛ أعلنت "رفضها" الرسمي لخطة الرئيس الأمريكي السابق (ترامب) التي سميت بصفقة العصر، و "خونت" المطبعين الخليجين، وبادر رئيسها محمود عباس لعقد لقاء للأمناء العامين للفصائل لا ليسمعهم، بل كي يملي عليهم رؤيته، وتم التوافق خلاله على عقد اجتماعات القاهرة، والتي شاركت مخابرات نظامها في الضغط على المشاركين للتوصل إلى صيغه توافقية ساهموا في صياغتها من ضمنها "ميثاق الشرف" المتعلق بإجراء الانتخابات والالتزام بنتائجها، ومن جهة أخري، استمرت بحركتها السياسية الأصلية التي تهدف إلى تكييف الطرف الفلسطيني بالكامل مع مرحلة التطبيع الخليجي مع الكيان الغاصب بتراجعها واعتذارها عن سياسة التخوين وطمأنتهم أنها (القيادة اليمينية) لم تخرج من الحظيرة، رغم ما طرأ من تعارضات، وأنها بحاجه لمزيد من التمويل والدعم الخارجي التي هي صنيعته، كي تتمكن من تنفيذ سياسات وبرامج بديله عن البرنامج الوطني بغطاء "قومي" وتحت سقف "وطني" يطيلان من عمرها ويمددان فترة بقائها على رأس الهرم "كقياده حكيمة ومتوازنة"، كما تدعي للشعب الفلسطيني. ولا شك أنها أتقنت فن المناورة هذا منذ استيلائها على مؤسسات وامكانيات منظمة التحرير الفلسطينية، وتعلمت استغلال الفرص وركوب الأمواج باسم الوحدة الوطنية لتدعيم هيمنتها واغتصابها "للقيادة"، وأسطع دليل هو ما تقوم به الآن "للاستثمار" في الهبة الشعبية المقدسية، ومحاولاتها التسلل إلى حقول المقاومة المسلحة والالتفاف على انجازاتها التي هي ضدها وتريد انهائها، ليس فقط في القطاع الصامد، بل في كل رقعه من فلسطين تحت مظلة "حكومة وحدة وطنية وشعار سلاح شرعي واحد"، وما يقلقها ويقلق كل معسكر الأعداء هو انتقال محور ومعسكر المقاومة المسلحة من مرحلة الدفاع الايجابي إلى بداية مرحلة الهجوم الاستراتيجي النوعي الذي دشنته "غزة" بالإمساك بزمام المبادرة بفتحها للنيران دفاعًا عن الهبة المقدسية، من أجل الشيخ جراح والأماكن المقدسة، والتي ترافقت مع خوض شعبنا في فلسطين المحتلة منذ 1948 لمعارك حقيقيه هي بمثابة بروفات لحرب التحرير الكامل التي دخلت مرحلة الامكانية الواقعية، هذه المبادرة الهجومية والتصدي الناجع للعدوان الصهيوني الفاشي وردعه، أثبت أن المقاومة صلبة ومترسخة، رغم المعاناة والفقر وشحة موارد القطاع بسبب الحصار المجرم والظالم الذي تشارك به أيضًا سلطة أوسلو؛ تنفيذًا لأجندات لا وطنيه، تهدف إلى تركيع المقاومة، والأنكى أن هذه السلطة تمارس التضليل وتحاول تسويق قرار "إلغاء الانتخابات" وما تبعه من تطورات، لا علاقه له بها؛ لأن من أحدث التحول في الرأي العام الشعبي والمزاج الجماهيري؛ وطنيًا وقوميًا ودوليًا وإجبار العدو على التراجع عن بعض اجراءاته في القدس؛ القدس التي تخلوا عنها وعن غيرها من القضايا الجوهرية في أوسلو، والذي ساهم في تسعير التناقضات داخل كيان العدو عسكريًا و "مدنيًا" هي المقاومة المسلحة والهبة الجماهيرية، ولكن وللمزيد من تزوير الحقائق يمعن فريق أوسلو في الكذب بالادعاء أن قراراته "ذات أهمية وتخدم مصلحه وطنية عليا" وتصب في استراتيجية العمل من أجل إقامة "الدولة" العتيدة، هذه "الدولة" التي ارتسمت صورتها ومواصفاتها فقط في مخيلة وأحلام أصحاب الحلول "السلمية المرحلية"، والذين من أجل تحقيقها طردوا الثورة من مخيلاتهم وبرامجهم ومن كل منظومتهم الفكرية وهدروا التضحيات والانجازات العظمي التي حققها شعبنا بالكفاح المسلح ومجمل أشكال النضال منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية الحديثة.
وما لا يمكن تفهمه أو القبول به أن هذا الفريق، رغم الركل واللطمات والاتساع الهائل لميزان القوى لصالح معسكر الأعداء والتآكل المستمر لمساحة "وحدود " الدولة المفترضة، ما زال يتعلق بوهم امكانية الحصول على "دولة مستقلة" في إطار ما يسمى بحل "الدولتين" الذي أسقط من كافة الحسابات الدولية والإقليمية، رغم أن الرئيس الامريكي جو بايدن يدعي أنه ما زال متمسكًا به حسب زعمه؛ فلو أن هذه هي حقيقة الموقف الأمريكي لأرغمت "إسرائيل" على الانسحاب من الأراضي المحتلة في اليوم التالي، ولكنه ولمزيد من كسب الوقت واعطاء الفرص الجديدة لها لتهويد الأرض، يدعو لتحقيق هذا الهدف من خلال إعادة إحياء "المفاوضات" التي أثبتت الوقائع أنها تتم في إطار تسويه سياسيه تترابط وتتكامل فصولها ومراحلها وذو سقف محدد وآليات تنفيذيه مقره سلفًا لخدمة الكيان الصهيوني وصانعيه، مما يؤكد وبكل وضوح أن استمرار ولوج هذا الفريق أو أي فريق آخر في هذه اللعبة القذرة وباسم الشعب الفلسطيني لن يؤدي إلا إلى مزيد من الهدر والتآكل لما تحقق في هذه الجولة من انجازات سياسيه ومعنويه ووحدة شعبية، واعطاء فرص جديده للعدو، وهذا الأخطر، للاستمرار في سلب ونهب الأراضي، واعطاء المبررات لكل الخونة والعملاء العرب للتعامل مع الكيان الصهيوني كما يتعامل معه زملائهم الفلسطينيين الذين حطوا رحالهم في فناء سلطه لحكم ذاتي غير وطني وغير شرعي من أساسه وغير قابل للتطور ويحمل بذور فنائه في داخله ولا يمكن لأي انتخابات في المستقبل تتم من قبل هذه السلطة تحت الاحتلال أن تمنحه شرعيه وطنية أو شعبية، لأن وجود السلطة بحد ذاته، ومفاتيح حلها أو بقائها، هي في يد الكيان الصهيوني الاستعماري وقواته المحتلة، وليس لديها صلاحيات سياسية ودستورية؛ تقرر من خلالها "تحولها" إلى شكل آخر من أشكال الحكم والنظام السياسي سواء بوسائل انتخابيه أو غيرها، من هنا يأتي قرار إلغاء الانتخابات، ليس لتصعيد النضال أو للدفاع عن هوية القدس، بل لتلبية مطالب ورغبات وأهداف صهيونية، أي لم يتخذ محمود عباس قرار "التأجيل"، فقط؛ بسبب انقسام حركته (فتح) واتخاذ قيادات أجنحتها المختلفة قرارات لم تكن في الحسبان تمثلت بالذهاب بعيدًا واختيار الطلاق وإنهاء مرحلة "التعايش الحركي التنظيمي" التاريخية، بل جاء هذا القرار لينسجم ويتماشى مع الحسابات الجديدة للمعسكر الصهيوني الإمبريالي بعد القرار "المفاجئ" للمناضل مروان البرغوثي الانشقاق عن محمود عباس وتشكيل تيار انتخابي، وربما سياسي، مع العضو المفصول من لجنة فتح المركزية ناصر القدوة، مما سيسمح "لأبو القسام" الترشح للرئاسة دون إذن من أحد، ويستطيع منافسة أي مرشح تطرحه حركة "فتح" بجدارة، والأهم، أن هذا التطور تزامن مع تلميح حركة حماس أنها ستدعم البرغوثي في حال ترشحه لمنصب الرئيس، مما يضمن ويجعل نجاحه شبه مؤكد، هذا السيناريو المستجد خربط حسابات البيدر الانتخابي والسياسي قبل الجولة الأخيرة، فما بالنا الآن بعد أن حققت المقاومة انجازات مباشرة وملموسة؛ أربكت حسابات البيدر الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي. ففي هكذا حالة؛ فوز البرغوثي في الانتخابات الرأسية، لا يمكن أن لم يكن من الصعب التكهن بما ستفعله أطراف معسكر العدو، وخاصة الصهيوني مع "رئيس" يقبع في سجونه بأعلى الأحكام المؤبدة، كما وفي حال إطلاق سراحه من السجن كيف سيتم التعامل معه؟ إنه ليس ضد اتفاقيات "أوسلو" ويمكن اعتباره أحد "صقور فتح" العرفاتيين الأوسلويين، يطالب وقف التنسيق الأمني كوسيلة لإجبار الاحتلال على تقديم تنازلات للجانب الفلسطيني، وفي نفس الوقت لا يضع على الطاولة لا إلغاء اتفاقيات أوسلو ولا سحب الاعتراف بالكيان لأنه ينتمي للتيار الذي يعتقد بإمكانية تطوير أوسلو والحصول على "الدولة". قادة الاحتلال من جهتهم سيجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع أسيرهم "كرئيس" من نقطة "الصفر"، وسيخوضون معه عملية "ترويضية" معقده وغير مضمونه من خلال امتيازات السلطة ومتطلباتها وعلاقاتها الدولية، وهذا سيحتاج لفتره من الزمن، ولا يمكن التكهن بمدتها وجدواها أو ما يمكن أن يحدث خلالها من تطورات تتزاوج مع نشاطات نضالية شعبية ومقاومة مسلحة؛ أثبت الواقع الحالي إمكانية حدوثها، هذا التطور ربما، كان المفاجأة غير المحسوبة أو المتوقعة من قبل معسكر التسوية، والأكثر تأثيرًا وحسمًا لتأجيل الانتخابات، لأن موضوع الانتخابات في القدس واحتمال رفض العدو لإجرائها في المدينة كان مأخوذًا في الحسبان سواء من السلطة أو من الفصائل والقوائم التي تقدمت للمشاركة ومن لجنة الانتخابات المركزية، وكان العديد من المشاركين لديهم خطط بديله "لفرضها" على "الإسرائيليين"، بل لو لم تستجدِ مسألة مروان البرغوثي "أبو القسام"، لربما قبل العدو البحث في مخارج لإجرائها أو تكرار أساليب إجرائها كما في المرات السابقة.
إن التخبط الذي تعيشه قيادات السلطة، وخاصة داخل الجناح العباسي وتصاعد وتيرت التعارضات بينهم ومع "الرئيس" عباس نفسه، وحالة اللاستقرار السياسي داخل الكيان الصهيوني وتزايد التأييد للحقوق الفلسطينية في المجتمع الامريكي وبعض مؤسساته الرسمية؛ دفع الرئيس بايدن إلى "التعبير عن قلقه الشديد من خطورة ما يحدث في المدن الإسرائيلية" وطلب من نتانياهو رئيس وزراء العدو إلى "تحقيق المساواة بين مواطنين إسرائيل". كل هذا ليس حرصًا على شعبنا وحقوقه ولا رفضًا للممارسات الفاشية والقمعية الدموية ضد جماهير شعبنا في فلسطين، بل خوفًا على مصير صنيعتهم وذراعهم المسلح (إسرائيل) التي اهتزت أسسها خلال أيام معدودة من المقاومة والصمود. بالمقابل فرضت من جديد معادلة وحدة الأرض والشعب والقضية، والتي تكاملت مع المقاومة العسكرية في غزه والهبة الشعبية في كل فلسطين، مما يعيد فرض جوهر وأساس الصراع الفلسطيني العربي مع الكيان الصهيوني والحركة الصهيونية العالمية، ويحاكم ويدين كافة الخونة والمستسلمين دعاة التعايش مع الكيان الصهيوني والاعتراف به والتطبيع معه.
إن الالتفاف حول المقاومة يترافق مع تطور نوعي آخر يتمثل في فقدان اليمين الفلسطيني وسلطته الأوسلوية زمام "المبادرة" السياسية، وانحسار واضح لقاعدتهم الجماهيرية وعدم سيطرتهم على "الشارع" الشعبي النضالي، مما يفقدهم أهم مصادر منحهم للشرعية الشعبية التي طالما تغنوا بها، ويصبح استمرارهم على رأس الهرم الفلسطيني بسبب عامل خارجي، موضوعي، يؤمن "للسلطة"، كأداة سيطرة وقمع، وسيلة استرزاقها المالي وبقائها من ما يسمى بالدول المانحة لقاء ما تقدمه لهم من خدمات متعددة ومن الكيان الصهيوني الذي تعتمد عليه وجوديًا ومن أنظمة النفط العربية التي تعطيها المبرر لإشهار وتوثيق علاقاتها بالكيان الصهيوني، والتي ظلت سرية منذ أن وجد الكيان، هذا التطور النوعي وهذا الواقع الجديد يفرض على القوى الثورية الوطنية والإسلامية المناضلة أن ترتقي الى مستوى المرحلة الجديدة، التي هي من أسس لها، وأن تكون في مقدمة القوى التي تتصدر العمل لبناء جبهة مقاومه وطنيه تضم كل مكونات وفئات شعبنا في كافة أماكن تواجده وتقود كافة المعارك العسكرية السياسية، وتضع استراتيجيه متعددة الوسائل النضالية لتحقيق الهدف المركزي المتمثل بهزيمة أي قوة أو تيار وتلجم أصحابه إذا ما استعدوا للتعاطي مع محاولات العدو للتوصل معهم "لأوسلو" آخر؛ يبقي على نفس مضمون أوسلو الأول، ولكن ولربما بوجه أقل قبحًا من أجل الاستمرار في الوهم والخداع لبعض الفئات الشعبية، وتحقيق مشروع إنهاء المقاومة المسلحة وكل انجازاتها التي أثبتت مرة أخرى أنها المعول الوحيد القادر على تجميع أدوات هدم الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين وعودة شعبها إلى دياره التي هجر منها.

