كاتب سياسي فلسطيني/ سوريا
مرت (73) عامًا على "المخيم" والذي انتصبت فيه أول خيمة كشاهدة على نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948، وحينها تجسد العنوان الأبرز لمعاناة التهجير القسري والنفي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني الصامد فوق أرضه وفي الشتات، وتحول المخيم عبر عقود النكبة السبعة المتتالية إلى رمز وطني وشاهد على جريمة الصهيونية النكراء وترسخ منذ ذلك الوقت في مخيالنا الجمعي كلمة "مخيم"؛ فلم يعرف الشعب الفلسطيني قبل العام 1948 "المخيم"، ولكنهم عاشوا فيه وتعايشوا معه وحملوه على أكتافهم حملًا بعدما أعملت العصابات الصهيونية؛ أفظع الجرائم بحق الفلسطينيين العزل وأجبرتهم على التهجير من أراضيهم وبيوتهم؛ بقوة السلاح وتواطؤ القرارات الدولية المنحازة إلى كيان الاحتلال؛ حينها اضطر عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين للعيش في المخيمات التي انتشرت داخل وخارج فلسطين المحتلة. وكانت النوايا معقودة على أن الحياة في المخيم ما هي إلا مرحلة مؤقتة لحين العودة إلى الديار، فهي ليست للاستقرار، وما زالت الأجيال المتعاقبة تحتفظ بمفاتيح البيوت وكواشين الأراضي (طابو)، وبعضًا من التراث المادي والمعنوي الذي يذكرهم بالعودة ويبقي جذوة الحنين متقدة إلى الوطن.
ومن ذلك الوقت وإلى اليوم؛ تحول المخيم من كونه شاهدًا على النكبة والتهجير القسري إلى رمز للعودة لكامل التراب الفلسطيني، وتحول من مفهوم الذل والعار إلى مفهوم الكرامة الوطنية وعزة الإنسان الفلسطيني والعطاء الثوري والنضالي وحرصه على هويته ورفضه للتوطين وتشبثه بالعودة.
دمر الاحتلال الإسرائيلي خلال عام النكبة 531 قرية، بعد أن فرض سيطرته على 774 قرية ومدينة فلسطينية، وإخضاعهم إلى قوانينه العنصرية، وقد رافق عملية التطهير اقتراف العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة؛ بحق الفلسطينيين؛ أدت إلى استشهاد ما يزيد عن 15 ألف فلسطيني. وأشارت سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى أن عدد اللاجئين المسجلين حتى تاريخ كانون ثاني (يناير) 2020؛ حوالي 6.3 مليون لاجئ فلسطيني؛ يعيش 28.4% منهم في 58 مخيمًا رسميًا تابعًا لوكالة الغوث الدولية تتوزع بواقع 10 مخيمات في الأردن، و9 مخيمات في سوريا، و12 مخيمًا في لبنان، و19 مخيمًا في الضفة الغربية، و8 مخيمات في قطاع غزة. وتمثل هذه التقديرات الحد الأدنى لعدد اللاجئين الفلسطينيين، باعتبار وجود لاجئين غير مسجلين؛ إذ لا يشمل هذا العدد من تم تشريدهم من الفلسطينيين بعد عام 1949 حتى عشية حرب حزيران 1967؛ "حسب تعريف الأونروا"، ولا يشمل أيضًا الفلسطينيين الذين رحلوا أو تم ترحيلهم عام 1967 على خلفية الحرب والذين لم يكونوا لاجئين أصلًا.
وعلى الرغم من تشريد أكثر من 800 ألف فلسطيني في العام 1948 ونزوح أكثر من 200 ألف فلسطيني؛ غالبيتهم إلى الأردن، بعد حرب حزيران 1967، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الإجمالي في العالم في نهاية العام 2020 حوالي 13.7 مليون نسمة، ما يشير إلى تضاعف عدد الفلسطينيين أكثر من 9 مرات، منذ أحداث نكبة 1948؛ أكثر من نصفهم (6.8 مليون) نسمة في فلسطين التاريخية (1.6 مليون في المناطق المحتلة عام 1948)،
ويقيم نحو 35% من مجموع اللاجئين في الأردن، والتي تضم العدد الأكبر، وأصبح غالبيتهم مواطنين ويعاملهم القانون؛ مثل معاملة الأردنيين من أصل شرق أردني في الكثير من الأمور مع بعض الاستثناءات الخاضعة لأولويات إدارة الدولة، ورغم حدوث بعض الحساسيات بين الأردنيين واللاجئين الفلسطينيين إلا أنهم استطاعوا التعايش والاندماج معًا.
وفي لبنان يعاني اللاجئون من عبء الحياة الاقتصادية والسياسية؛ بسبب تركيبة لبنان الطائفية والنزاعات، فيما بينها وبين الفلسطينيين وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، مما أدى إلى إغلاق المخيمات عليهم وتقييد تحركاتهم، ومنعهم من مزاولة 73 مهنة، وتضاعفت أعدادهم داخل المخيمات دون أن تسمح السلطات بتوسيع حدود المخيم؛ فاضطر اللاجئون لتكثيف البناء داخل المخيمات لينتج عنها مع مرور الوقت معاناة من الاكتظاظ السكاني وضيق المساحات وسوء البنى التحتية وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية، حيث ثمة من يترصد لتشويه صورة المخيمات النضالية ووسمها بالبؤر الأمنية وملاذ الفارين من وجه القانون وانتشار المخدرات التي تصاعدت وتيرتها مؤخرًا، مما ينذر بتوتر الأوضاع داخلها ومحاولة استخدامها في استقطابات داخلية وإقليمية والذهاب بها نحو الانفجار.
أما في سوريا يتمتع اللاجئين بكافة الحقوق المدنية التي يتمتع بها المواطن السوري؛ عدا الحقوق السياسية كالترشيح والانتخابات، وقد عانى مخيم اليرموك وهو أحد أكبر مخيمات الشتات الفلسطيني من نتيجة الصراع الداخلي في سوريا وتدمرت مساحات سكنية واسعة منه كما تعرضت مخيمات أخرى في سوريا إلى ذات النكبة، ولكن بمستويات أقل كما حصل في مخيم درعا والسبينة والرمل وحندرات، ونتيجة لذلك تعرض أكثر من نصف مليون لاجئي إلى عمليات تهجير ومنع عودة إلى المخيمات، مما تسبب بهجرة نحو مئتي ألف فلسطيني للهجرة خارج سوريا واضطر نحو 250 ألفًا للجوء إلى بلدات ومدن ومناطق داخل سوريا نفسها.
وتشارك المواطنون واللاجئون في الضفة وغزة؛ معاناة الحياة تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ العام 1967، وعندما أنشئت السلطة الفلسطينية عام 1994؛ شعر اللاجئين والمواطنون بالانتعاش الاقتصادي والسياسي، ولكن سرعان ما تلاشى؛ بسبب تفشي الفساد لدى بعض مفاصل السلطة وأيضًا؛ بسبب القمع السياسي لكل من يعارض اتفاقية أوسلو؛ ألا أن أهم العوامل التي أدت إلى معاناة المخيمات في الضفة و غزة هو إجراءات الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق خطط عنصرية إسرائيلية ممنهجة بالتضييق على المخيمات وتقييد حريتها وسلبها أسباب الحياة الكريمة؛ فكانت تقوم بتطويق المدن وإقفال المخيمات وهدم المنازل وملاحقة الناشطين واغتيال القيادات الوطنية، وتكثيف المشاريع الاستيطانية التوسعية. وقد تسبب الحصار الإسرائيلي الجائر وشن الحروب العدوانية المتتالية على قطاع غزة منذ العام 2008 وحتى العام الحالي 2021؛ بمعاناة إنسانية واجتماعية واقتصادية خطيرة؛ أدت إلى دمار واسع في الممتلكات والبنية التحتية وخسائر فادحة بالأرواح.
كان تاريخ الثورة الفلسطينية شاهدًا على تبادل الأدوار النضالية بين مخيمات الخارج والداخل، ومثلما صنعت الثورة الفلسطينية؛ صمودها وكفاحها في مخيمات الخارج كان دور مخيمات الداخل في غزة والضفة الغربية؛ مميزًا من حيث الاستمرار بالنضال والفداء والتضحيات، والتي توجت بانطلاق الانتفاضة الشعبية في كانون أول (ديسمبر) 1987، وفي انتفاضة الأقصى في ايلول (سبتمبر) 2000، وفي زخم النضال والمواجهات؛ كان حلم العودة حاضرًا كحقيقة حتمية؛ تدفع الشعب إلى توحيد الجهود بين أبناء الوطن في الداخل والشتات.
لقد شكلت المخيمات؛ هاجسًا كبيرًا لكيان الاحتلال طوال سنوات الصراع المستمرة، لذلك أعدت الخطط والمشاريع لتصفيتها وتذويب اللاجئين في أماكن تواجدهم وإنهاء دور وكالة الغوث؛ حسب المخطط الإسرائيلي، لأن عقلية الاحتلال تعتقد بأنه عندما تتحسن أوضاع المخيمات وإلغاء دور "الإنروا"؛ سيصبح اللاجئين الفلسطينيين غير مطالبين بالعودة ويفرض عليهم الدولة المقيمين فيها؛ مواطنة دائمة، لأن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومنبت جذورهم ليس في مصلحة كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لإقامة دولة يهودية، والتي تسعى حكوماته المتعاقبة بالتأثير على الأمم المتحدة بإلغاء القرار 194، لذلك تراهن على الإدارات الأميركية واللوبي الصهيوني المتنفذ بالكونغرس؛ لبلورة مشروع قرار؛ يقدم إلى الأمم المتحدة لإلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وتفكيكها بالتزامن مع شن حملة إعلامية دعائية سياسية تحريضية لتجفيف المصادر المالية المانحة للوكالة واقناع المجتمع الدولي بإعادة تعريف اللاجئ، والاكتفاء بأن اللاجئ هو الذي غادر فلسطين في العام 1948، وضرورة وقف عملية "توريث مسمى لاجئ" للذين ولدوا لأبوين لاجئين، حيث لا يعدون لاجئين ولا تشملهم العملية التفاوضية ولا ينطبق عليهم القرار 194، إضافة إلى حملة شن تحريضية؛ تتهم فيها دولة الاحتلال "الأونروا" بدعم الإرهاب؛ بزعم أن مدارس في غزة؛ تحولت إلى مخازن للأسلحة وأن المخيمات الفلسطينية تحولت إلى بؤر لتصدير العنف.
في الواقع؛ يعتبر "المخيم" ومن خلاله "قضية اللاجئين" ورقة سياسية خطيرة قد يتم استعمالها من قبل جهات خارجية؛ من أجل الضغط على أحد الطرفين العربي أو الفلسطيني أو كلاهما معًا لتمرير وفرض مشاريع مشبوهة معد لها سلفًا، وتكون على حساب أحد الطرفين بينما المستفيد منها هو إسرائيل، ومن هنا نشأت أزمة ثقة وهواجس عند كلا الطرفين إلا أن الشعب العربي والشعب الفلسطيني أثبتوا من خلال مجريات "هبة القدس " أنهم أكثر يقظة لأهمية العلاقة بين البلدان العربية وفلسطين، وأصبح لديهم يقين أن المخاوف الحقيقية ليس لها مكان بينهم، بل هي تجاه دولة الاحتلال ومخططاتها التي تستهدف ليس فقط المخيمات واللاجئين الفلسطينيين، بل القضية الفلسطينية برمتها وعموم المنطقة.

