محمد صوان
كاتب سياسي فلسطيني/ سوريا
القدس اليوم هي العنوان، أما المتن فهو فلسطين من البحر غرباً إلى النهر شرقاً، ومن رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً؛ فلسطين تعود إلى الأول كي تبدأ من جديد.. الأول هو برنامج المقاومة، والانتفاضة المستمرة حتى دحر الاحتلال وانتزاع حق العودة وتقرير المصير على كامل التراب الوطني. إنه الاشتباك المفتوح؛ فالشعب الفلسطيني لم يرضَ أن تبقى نكبته مستمرة أو يبقى وحده في المعركة. القدس وغزة اليوم تقدمان أفق خروج فلسطين ومعها المنطقة العربية من قاع التردي، حيث لا خيار سوى البقاء والصمود والمقاومة.
بوابات القدس وباحات الأقصى تتحول إلى "ميدان تحرير" بعد أن حول الخطاب اليميني الديني التوراتي المسجد الأقصى إلى تحدٍ كبير للحركة الوطنية والإسلامية؛ فالمسألة لم تعد مشكلة احتلال فحسب، بل مركز وهمي للعبادة التوراتية اليهودية، وبات من الضروري الانعتاق والإجابة على سؤال ملح: هل القضية في القدس والأقصى هي قضية سيادة أم عبادة؟! في الحالة الفلسطينية الصراع يسير في الاتجاهين، ومن يريد تأجيل الصراع على العبادة من أجل أولوية الصراع على السيادة، أو بالعكس، فإنه سيخسر الاثنتين معاً في نهاية المطاف!
الشعب الفلسطيني اليوم؛ موحّد داخل فلسطين التاريخية عبر التنظيم والتجنيد والمشاركة في كل أشكال المواجهة، ويعتبر ذلك ضربة أخرى للمخططات الصهيونية، لا سيما في ظل سياسة التهويد والضم والتمييز العنصري التي تعاظمت وتائرها في أعقاب جرعة الأمل التي أنعشت حماس واستعداد شباب فلسطين للانخراط في "انتفاضات الربيع العربي" التي غُدِر بها؛ تلك الحالة التي عبّرت عن نفسها في الحراك الشبابي الذي لم يهدأ منذ عام 2015 حتى اليوم.
أهداف قابلة للتحقيق
لم يعد "حل الدولتين" قابلاً للتحقيق، ليس بسبب رفض السلطة الفلسطينية له، وإنما بسبب رفض الكيان الصهيوني المتمسك باستراتيجيته التأسيسية، بمعنى أن "أرض إسرائيل هي أرض فلسطين التاريخية غير منقوصة "!
لقد استطاعت الانتفاضة الثالثة؛ رغم تباعد موجاتها في الضفة والقدس "2015 – 2021"، إضافة إلى المقاومة المسلحة، كما تجلت في بناء "القاعدة العسكرية" المحصّنة في قطاع غزة، أن تحبط مخططات الاحتلال، وهي ما زالت في ذروة حيويتها للحيلولة دون تهويد القدس أو اجتياح القطاع براً واحتلاله من جديد. إن دحر الاحتلال وتفكيك الاستيطان في الضفة، ومنع التهويد في القدس وأحيائها، ومكافحة سياسة التمييز العنصري في أراضي 48 المحتلة هي مهمات عاجلة للرد على التحدّيات الراهنة، باعتبارها مهمات قابلة للتحقيق في الظروف والمعطيات، وموازين القوى الراهنة، أما الدليل فكامن في فشل التسوية على أساس "حل الدولتين". وهنا من المفيد الأخذ بالحسبان أن انسحاب الاحتلال، و تفكيك الاستيطان، ووقف سياسة التهويد والتمييز العنصري؛ أهداف مشروعة لا يمكن للولايات المتحدة وأوروبا رفضها؛ فالاحتلال والاستيطان والتهويد ينبغي أن ينتهي؛ اليوم ومستقبلاً، لأن المعادلة وموازين القوى تغيرت، وذلك منذ فشل العدو في أربعة حروب شنها على قطاع غزة في أقل من "13" عاماً، واتضح أنه غير قادر على كسر إرادة الحياة والمقاومة لأهل القطاع، كما لم يعد قادراً على الاحتفاظ بالقدس والضفة، والمضي في مخطط التهويد و الأسرلة.
لقد دخل الكيان الصهيوني في مأزق خطير، وأصبحت أحزابه ونخبه وقياداته الدينية والقومية اليمينية هي الأشد تخلفاً وتطرفاً وتخبطاً، ومجتمعه من الداخل مضطرب ومرعوب وغارق في العقلية الاستهلاكية، وعلاقاته ساءت بحلفائه الذين أصبحوا محرجين في نجدته، كما أن اتجاهات الرأي العام العالمي شرعت تشكك بأخلاقه وتميل ضدّه!
إن قراءة متفحصة ودقيقة لوضع العدو، كما للوضع العالمي والإقليمي؛ تسمح بالقول أن هزيمة المشروع الصهيوني ممكن إذا تطورت الانتفاضة في القدس والضفة والقطاع وأراضي 48 المحتلة إلى مستوى الانتفاضة الشعبية الشاملة التي تمزج بين النضال الجماهيري والمسلح، والتي تتوحد في إطارها كافة فصائل المقاومة وجميع طبقات وفئات الشعب ونخبه الاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى العصيان المدني الذي لا يغادر شوارع المدن والمخيمات والقرى إلا بعد رضوخ الاحتلال، وانسحابه وتفكيك مستوطناته وإطلاق سراح جميع الأسرى وفك الحصار عن غزة بلا قيد أو شرط.
كل أشكال النضال متاحة
يتكثف شكل النضال الرئيسي في هذه المرحلة بتصعيد الهبّات المتتالية في "فلسطين التاريخية" وصولاً إلى انتفاضة شعبية شاملة؛ تنهي مرحلة أطول احتلال في التاريخ المعاصر، وتقطع أي روابط معه مهما يكن نوعها؛ الأمر الذي يعجّل بدحره دون مفاوضات تبدأ ولا تنتهي.
الانتفاضة شكل متقدم من أشكال النضال تقوم به الجماهير العريضة وكافة القوى والنخب السياسية والاجتماعية والثقافية المتفقة على هدف دحر الاحتلال وتفكيك الاستيطان، ومنع التهويد، وتتضمن فاعلياتها كل نشاط وحراك معادٍ للاحتلال، ورافض لوجوده ومناهض لممارساته؛ عبر التظاهرات والاعتصامات والمسيرات وتشييع الشهداء، ورعاية أسرهم والاهتمام بالأسرى وزيارة الجرحى. كما تشمل اشتباك الشباب مع جنود الاحتلال على الحواجز ونقاط التماس، وتنظيم لجان الحراسة لحماية القرى والأحياء والمخيمات من همجية قطعان المستوطنين، وقطع الطرق وإعاقة الحركة عليها؛ فضلاً عن مقاطعة بضائع الاحتلال ومنتوجاته، والامتناع عن دفع الضرائب والرسوم، وفضح المتعاونين مع العدو وعزلهم ، وإجبارهم على إعلان التوبة. هذا كله يستلزم تمكين الشباب – المشتبكين مع جنود الاحتلال باسمين - من قيادة المرحلة، وإدارة فعاليات الانتفاضة وتفاصيلها؛ علاوة على متابعتهم للشؤون الحياتية اليومية ضمن اقتصاد مقاوم وتكافل اجتماعي؛ يشد من عزيمتهم تأييد ودعم المجتمع الفلسطيني في مخيما ت اللجوء والشتات وتضامن الشعوب العربية وقواها الحية.
إن اللجوء إلى السلاح إذا دعت الحاجة يجب أن يكون بعيداً عن أماكن فاعليات الانتفاضة، وهو بجميع الأحوال ليس بديلاً عنها، وإنما مساعدا لها وحامي لموجاتها المتتالية، ووسيلة لمعاقبة العدو في عمق مراكزه كلما ارتكب مجزرة بحق المدنيين، ويفترض بالعمل المسلح بمجمله أن يستهدف الجنود وقطعان المستوطنين الذين يجب ردع اعتداءاتهم على المقدسات والمواطنين والمنازل والتصدي لانتهاكاتهم. لا داعي للتذكير بأن الخلايا الفدائية ينبغي أن تكون سرية، ولا تظهر بسلاحها إلى العلن، وأن تكون بعيدة عن فاعليات الانتفاضة اليومية ووجوب صيانة سلاح المقاومة في قطاع غزة وتطويره.
عناصر النجاح
يمكن تلخيص عناصر نجاح العمل الوطني المشترك عبر انتفاضة مستمرة في الضفة والقدس وتعزيز أشكال المقاومة في غزة، ونضال جماهيري يومي في أراضي 48 المحتلة، وتنظيم طاقات مخيمات اللجوء والشتات؛ بوصفها رافداً رئيسياً للضفة والقدس وغزة وأراضي 48 المحتلة، وبناء أوسع جبهة عربية وعالمية شعبية ضد نظام التمييز العنصري والتطهير العرقي الصهيوني، وجميعها عوامل أساسية للإبقاء على البعد الشعبي للانتفاضة، وإحباط محاولات الالتفاف عليها تحت شعار جني مكاسب سريعة فصائلية فئوية؛ تمهد للعودة إلى المفاوضات العبثية السابقة، مع ضرورة المحافظة على الوحدة الميدانية التي فرضتها "عملية سيف القدس" وإنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام على وقع المواجهات اليومية مع قوات الاحتلال، والتركيز على إبراز التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني وإنهاكه وتفكيك جبهته الداخلية، وتعزيز استراتيجية العمل الوطني المشترك بين جميع مكونات الشعب الفلسطيني؛ الضفة والقدس وغزة وأراضي 48 المحتلة ضمن برنامج عمل موحد، وتفعيل دور مخيمات اللجوء والشتات، والدعم العربي الشعبي، والمقاطعة الدولية للكيان الصهيوني على المستوى الأممي، وصولاً إلى نموذج عزلة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا قبل الاستقلال.
إن مجموع تلك المهمات ستؤدي قطعاً إلى دحر الاحتلال كمرحة أولى، وبالتالي تفكيك نظام التمييز العنصري الصهيوني، وصولاً إلى إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في فلسطين التاريخية. إن نظام الضم والتهويد والفصل العنصري بدأ بالانحدار، وجيشه الذي لا يقهر كذبة كبرى مستمدة من ضعف النظام الرسمي العربي "إسرائيل" كيان يدير أربع منظومات سياسية:
الأولى: للتمييز العنصري في فلسطين التاريخية.
الثانية: هي الديمقراطية لليهود فقط.
الثالثة: للتهويد والضم الكولونيالي في الضفة والقدس.
الرابعة: لتحويل غزة إلى سجن كبير.
باختصار: إن مشكلتنا الراهنة لا تتمثل في قوة العدو، وإنما في ضعف وتفكك النظام العربي الرسمي، وترهّل السلطة والفصائل وعدم القدرة على تملك إرادة الاشتباك مع المحتل، لقد أثبتت الانتفاضة واستبسال غزة جدواهما خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ فأبواب الصراع مع العدو مفتوحة، رغم محاولات إدخاله طرفاً في معادلات المنطقة والإقليم، من المهم مراقبة وإحباط هذه المحاولات؛ منطلقين من اعتبار كل اشتباك مع العدو يقوي شعبنا، بينما الاستكانة عن المواجهة هي طريق للهلاك، وأن الإنجازات المصيرية اليومية تتحقق عبر العمل على تعديل موازين القوى والمراكمة عليها، لا الاستسلام لها.

