(المعركة في باب العامود بداية شهر رمضان؛ لم تكُن على بَسطَة هنا وحاجز هناك، بل كانت معركة على السيادة، وفي هذه المعركة انتصرنا كفلسطينيين بامتياز؛ انتصار جزئي، ولكنّهُ ذو مغزى كبير، وكانت خطوة إزالَة الحواجز الحديدية التي وضعتها الشرطة الصهيونية بداية لرؤية المواجهة الجديدة التي لم تنطفئ يَومًا إلّا بعيونِ بعض العاجزين).
الوعي في مواجهة كَي الوعي
ما يجري الآن، بعدَ أن هَدَأت المعركة، أو كما يبدو عليها، في الداخل المُحتل عام 1948 من حملات ومداهمات للمُدن والقرى الفلسطينية وتنفيذ حملة اعتقالات واسعة تشمل المئات من الصبايا والشباب الفلسطينيين، تحتَ عنوان: "استعادة الردع"، بحسبِ بيان ما يُسمّى "النيابة العامة والشُرطة" الصهيونية (23 أيار)، وهي حملة، أو بالأصَح؛ حرب شعواء؛ يشترك فيها الآلاف من عناصر أجهزة الأمن الصهيونية المُختلفة وبإشراف مباشر من قبل جهاز المخابرات العامّة "الشاباك"، تهدف فيما تُفصح عنهُ الأجهزة الصهيونية إلى اعتقال المئات من الصبايا والشباب الفلسطينيين، وهي برأيي محاولة لإعادة اعتقال "العقل الفلسطيني"، والعمل على تدجينهِ؛ فاعتقال أكثر من ألف وخمسمائة شخص خلال أقل من أسبوعين لم يُساعد على وقف، أو الحَدّ من انتفاض الداخل الفلسطيني والتحامه في معركة القدس من الشيخ جرّاح وباب العامود والمسجد الأقصى، لا بل زادَت حملة الاعتقالات هذه من عزيمة الشباب والصبايا في مواجهة العدوان ورفعت من التحامهنَّ والتحامهم مع شَعبهم، ومن المهم الإشارة هنا بأنَّ الداخل هذه المرّة كانَ وبقوة المُحرّك الأساس في الحراك الشعبي الفلسطيني الكبير الذي عَمَّ كُلَّ فلسطين من بحرها لنهرها ومن شمالها لجنوبها، خاصة بعد استشهاد الشاب موسى حسونه في مدينة اللد برصاص مستوطن وتحت نظر الشرطة الصهيونية، ومن المشاهد الهامَّة في هذه المعركة أنَّ الأهل عادة ما يحاولوا منعَ الأبناء، وفي غالبيتهم المُطلقة ما دون سن العشرين أو ممن ولدوا في مُحيط انتفاضة القدس والأقصى، قبلَ أو بعد بقليل، من المُشاركة في المظاهرات خاصّة في ظل وجود قمع وعنف شُرطي إجرامي معروف مُسبقًا، لكنَّ الأهل في معظم الحالات كانوا مع أبناءهم، مع اندفاعهم وغضبهم ونمو انتماءهم بما لا يدعَ مجالًا للشَك بأنَّهُ أعادَ القصَة من بدايتها إلى المُربّع الأوّل، إلى فلسطين، كلّ فلسطين.
كَي كَي الوَعي
الاشتباك التاريخي الذي برزَ في وحدة الهتاف والنشيد بينَ الشباب الفلسطيني من الشتات حتى يافا وحيفا وعكا واللد والرملة مرورًا بالقُدس والضفة تناغُمًا مع أناشيد غزة المسموعة والمرئيّة والمحسوسَة؛ جعلَ من المعركة أقرب ما تكون إلى ما قبل الأخيرة، وهنا الدرس الأهم من دروس ومعاني هذه الانتفاضة، فقد أثبتَ التلاحم بينَ ساحات تواجد الشعب الفلسطيني، أنَّ الحُلم لهُ مُتّسَع من الأمل، أمل التَحَقُّق؛ فحُلم التحرير كانَ عندَ البعض أمرًا طوباويًا، وعند آخرينَ مُستحيلًا، فكانت مساحة فلسطين الملتهبة بالنشيد الثوري عبارة عن ساحة واحدة؛ ساحة اشتبكَ فيها الهتاف والحجر بالنشيد لِيُعلي المعنى في معنى إغلاق مطار "بن غوريون الدولي" وإغلاق سماء فلسطين ومبيت أكثر من مليون مُستَعمِر في الملاجئ وتعطيل الحياة المدنية لأسبوعين وأكثَر على طولِ وعرض البلاد؛ جاءَ هذا الاشتباك التاريخي لِيؤسِّس لمرحلة جديدة، مرحلة يجب أن لا يكون فيها مكان لِمن يُريد التعامل مع فلسطينيي الداخل عبرَ ما يُسمى بلجنة "التواصل مع المجتمع الإسرائيلي"، ويا لسُخرية القدر، هي من لجان منظمة التحرير الفلسطينية التي من المُفترض أن ترعى شؤون الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم لا أن تُحيل بعضهم إلى "شأن إسرائيلي داخلي"، والبعض إلى شأن "الأونروا"، وآخرون يرزحون تحتَ وطأة "التنسيق الأمني" والارتباط المدني وتجار التصاريح.
والدرس الآخر هنا هو سقوط كل المراهنات على كي وعي الفلسطينيين في الداخل، وخاصّة الجيل الهدف بالنسبة للمؤسّسة الصهيونية، جيل الشباب، فهذا الجيل قد يكون فاجأ الصهاينة وأرسلَ أوهامهم وأبحاثهم ومشاريعهم إلى مزابل التاريخ وأسقطَ أصحاب مشاريع "جورج سورس" في وحل غباءهم، أو سقوطهم السياسي، بأنَّهم قادرون عبرَ مشاريع الأنجزة والأسرلة والتمويل الصهيوأمريكي أن يُدجّنوا شبابَ وصبايا فلسطين، نعم شباب حيفا ويافا واللد والرملة والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني هم شباب فلسطين، ليسَ فقط في النوستالجيا التاريخية أو في أناشيد الحماسة، هم جيل يبحث عن صفد الفلسطينية؛ يسعى للتحرير كفعلٍ طبيعي لِشعبٍ يسعى لتجسيد حق تقرير المصير الذي يعترف بهِ البعض من أبناء شعبنا "كحق طبيعي لليهود على أرض فلسطين"، هذا الجيل قد قامَ بِكَيِ سِياسة ومشاريع "كَي الوعي" الصهيونية وداسها بأقدامهِ في باحات المسجد الأقصى وعلى جراحِ حي الشيخ جراح المُمتدّة من اللد الى بيسان ومن الناقورة حتى أم الرشراش.
وفي السياق هذا، لا بُد من الإشارة إلى أنَّ غَزة كانت الرافعة لثورة الداخل من بعدِ الشيخ جراح والأقصى، وفي خضمّ العدوان على القطاع ومع اتساع الاحتجاجات في مدن وقرى الداخل الفلسطيني؛ شعرت المؤسّسة بدوي سقوط كل استراتيجياتها الخاصّة بهذا الجزء من الفلسطينيين، وخاصة ما حصلَ من مواجهات للمستوطنين المُعتدين في المُدن الساحلية، مما جعل بعض القادة الصهاينة يدعو لوقف القتال على جبهة غزة للتفرغ لقمع انتفاضة فلسطينيي الداخل، وها هي خطواتهم هذه قد بدأت ليسَ فقط في حملة الاعتقالات المسعورة، فهذه سيلحقها خطوات أكبر وأخطر تتمثّل في بث الرعب في نفوس الناس والضرب سيكون من خلال: الاعتقال والردع بأحكام قاسية واعتقالات إدارية وأوامر إدارية مخابراتية بتحديد الحركة والتحرك لبعض الناشطين، وترويع وتخويف للعاملين في قطاع "الدولة" كالتربية والتعليم والجهاز الصحي، فقد كانت مشاركة العاملين في هاذين القطاعين في الإضراب العام الكبير؛ مشاركة كبيرة ومؤثّرة وحملت رسائل مهمة ومزدوجة للمجتمع الفلسطيني عن مدى قدرته على التأثير في سير الحياة داخل الكيان، وللمؤسسة الصهيونية على خطورة وتأثير الفلسطيني حينَ يتحرّر من قيود المؤَّسسة، وهذا ما حصلَ مع قطاعات عديدة، كالبناء والمتاجر والأسواق والمواصلات. هنا ستقوم المؤسّسة الصهيونية بالعمل على القمع بمختلف أساليبهُ، وستعمل المؤسسة بعقلية انتقامية ستطال من دون شك المجتمع الفلسطيني برمتهِ حتى لو حاولوا بتقسيم المجتمع الى "متطرفين" ومعتدلين، ولن يتوقف الأمر عند الاعتقال، بل سيكون هناك محاولة لِسحب شرعية الصوت "المتطرف"، بحسبِ اعتباراتهم، وهو صوت الصبايا والشباب في الناصرة ويافا وحيفا وأم الفحم ولم يعد بالإمكان اسكاته، هذا الصوت لا يحتاج لشرعية من المؤسسة الصهيونية، فهو قد باتَ أعلى من أصوات هدير أبواب زنازينهم وطائراتهم.
بالمُقابل سيتم العمل وعلى غرار ما حصلَ بعد انتفاضة القدس والأقصى عام 2000، على تجنيد أكبر عدد ممكن في سلك الأجهزة الأمنية الصهيونية؛ عبرَ تكثيف الاغراءات ومحاولة تفكيك ما بنتهُ الانتفاضة من حالة وحدوية ومن روح العزّة والكرامة، والتي دفعت ببعض المُجنّدين الفلسطينيين للانسحاب من الأجهزة الأمنية الصهيونية وطلب المغفرة من شعبهم في خطوة غير مسبوقة، وأيضًا سيسعى أصحاب القرار المؤسسة الصهيونية إلى تقوية بعض الأصوات السياسية بين فلسطينيي الداخل ليلعبوا دورًا أكبر في محاولة إعادة العجلة إلى الوراء في طبيعة النضال السياسي الذي تخطى المألوف وتجاوزَ الخطاب السياسي الرسمي في الداخل المبني أساسًا على حدود "المواطنة" المُشَوَّهَ على حسابِ الوطن.
الإضراب الكبير وإعادة توحيد فلسطين
كانَ إعلان الإضراب العام في الداخل المُحتل من قلب مدينة يافا المحتلة ومن قبل لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في الداخل؛ بمثابة شرارة التصعيد في معركة الوعي، فهذا الإضراب تاريخي وسيسجلهُ التاريخ بأهمّيتهِ وتدحرجهِ صوبَ توحيد الكل الفلسطيني بموقف واحد وموحّد؛ فرغمًا عن رافضي فكرة المصير المُشترك؛ تلقّفَ الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم لهذا الإعلان، وخاصة الحراكات الشبابية ومن ثمّ الفصائل والقوى الشعبية والأهلية في الضفة الغربية المحتلة والقدس والشتات وحتى الحركة الوطنية الأسيرة والجولان العربي السوري المُحتل، لِيُصبح هذا الاضراب الكبير الأول من نوعهِ، بشموليتهِ وعموميّتهِ وحدّتهِ منذُ الاضراب الكبير عام 1936؛ فالحاصل هنا تَدحرُج لفكرة الوحدة السياسية الفلسطينية، وهذا ما يجب عدم التراجع عنهُ، بل يجب البناء عليهِ لتطوير أدوات النضال الشعبي الفلسطيني.
ومن أهم هذه الأدوات المتوجّبة اليوم هي قيادة فلسطينية موحدة؛ تحمل رؤية سياسية واضحة ترفض العودة الى تقسيمات الاستعمار أو إلى تقسيمات الفريق الذي لا يعتبر التحرير مشروعهُ ويعترف بحق اليهود في "تقرير المصير على أرض فلسطين"، ويؤمن بالتنسيق الأمني المقدس.

