بعد الجريمة البشعة التي ارتكبتها عصابات السلطة وأجهزة التنسيق الأمني، بقتل وإعدام الناشط الفلسطيني البارز نزار بنات، والذي قام بفضح وتعرية هذه السلطة، التي باتت تنفذ مخططات العدو وتحمي قواته وتعتقل المقاومين وتزج بهم في أقبية القمع والتعذيب، وتغتالهم بدم بارد كما حصل مع نزار وغيره من أصحاب الرأي الحر والكلمة الشجاعة.
إن قيام هذه الأجهزة بتنفيذ هذه الجريمة جاء بقرار من العدو الصهيوني ونفذته السلطة وأجهزتها. ومن المعروف أن المنطقة التي نفذت فيها عملية الاغتيال منطقة خاضعة بالكامل لسلطات الاحتلال ولا يستطيع أن يدخلها رجل أمن فلسطيني دون تنسيق معه وقرار منه. نعم إنها جريمة مشتركة تثبت بالملموس لكل من لديه ذرة عقل أن هذه السلطة (اللاوطنية)، والقيادة الخارجة عن الصف الوطني، باتت منحازة لصالح الاحتلال وتدافع عنه.
إن الهدف الأول والأساسي لهذه الجريمة هو اشغال شعبنا وحرف أنظاره عن معركة سيف القدس ونتائجها، وزجهم في صراع داخلي كما هو حاصل الآن. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التغطية على جرائم العدو. إن ما يحرك هذه السلطة هو الدفاع عن مصالحها، وشركاتها وقصورها وثرواتها، التي جمعتها على حساب الشعب وتضحياته ولقمة عيشه، والدفاع عن منظومة الفساد المستشري الذي ليس له حدود، وكذلك عن قمعها لشعبها والتنكيل به في ممارسات فاقت ممارسات العدو الصهيوني وأعتى النظم الديكتاتورية في العالم.
وقد عبرت هذه السلطة عن وحشيتها وعدم احترامها لأبسط حقوق الإنسان وهو حرية التعبير، وهذا ما ظهر في الأيام الماضية في كيفية التعامل مع المظاهرات الحاشدة التي انطلقت منددة بعملية القتل والإعدام لمناضل وطني كل ذنبه أنه دافع عن فلسطين وعن شعبه وقام بكشف عمليات الفساد في السلطة وآخرها صفقة اللقاحات منتهية الصلاحية. نعم إنها سلطة فاسدة وعميلة، لم يكن اغتيال نزار أول ولا آخر جرائمها.
أليست هي من قامت باعتقال أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية بعد أن اتخذ قرار حكم الإعدام ونفذه بوزير السياحة الصهيوني؟ أليست هي من اغتالت واعتقلت المئات من المناضلين بما فيهم أبناء فتح الشرفاء؟ أليست هي من تفتخر بلسان مسؤوليها إنها أفشلت مئات العمليات للمقاومة؟ ألم يقل زعيمها أن التنسيق الأمني مقدسًا؟ ألم يقدم التعازي بالقتلى الصهاينة مرات عدة؟ ألم يقدم لهم التهاني بالمناسبات؟ أليست هذه القيادة من صمتت صمت أهل الكهف أثناء معركة سيف القدس؟ ولا أبالغ القول إنها كانت تتمنى هزيمة المقاومة... أليست هي من تقوم بمحاولات يائسة وبائسة لتفريغ هذا الانتصار من محتواه وتحويله إلى هزيمة؟ أليست هي من حولت الانجازات الكبرى لانتفاضة الحجارة إلى كارثة أوسلو ومصائبها؟
إنها قيادة تقتل شعبها بامتياز، وتدافع عن عدوها بجدارة. قيادة لم يشهد تاريخ الثورات في العالم لها مثيلًا. قيادة أفشلت الثورة وجمعت الثروة. قيادة خرجت من المخيمات وذهبت إلى القصور. قيادة حاربت شعبها وقدمت الحماية للعدو. قيادة قدمت للعدو ما لم يكن يحلم به يوما وهذا باعتراف قادة العدو أنفسهم. ورغم كل ذلك تعيش تحت البسطار (الإسرائيلي)، وهم يستحقون ذلك، لأن من يبيع وطنه ويتخلى عن قضيته لن يحترمه أحد، وكم يصدق عليهم قول المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ
قيادة تتحدث عن الوحدة الوطنية وهي تكرس الانقسام؛ تتحدث عن الشراكة وهي غارقة بفرديتها وعصبويتها. قيادة تدعو للانتخابات وتتراجع عنها. قيادة تدعو للحوارات وتقوم بالتغيب عنها وتأجيلها. قيادة تتحدث عن الديمقراطية وتمارس الديكتاتورية.. وهنا يحضرني قول للراحل الكبير جورج حبش عندما قال لأبي عمار، الذي كان يتحدث في حينها عن ديمقراطية غابة البنادق، خاطبه قائلًا: ماذا عن الاعتقالات والسجون الفلسطينية؟ أخشى يا أبو عمار أن نقول في يوم ما عندما تصبحون سلطة أن قمعكم أقسى من قمع الانظمة العربية، وللأسف هذا ما نراه اليوم.
قيادة تتحدث عن البناء وتمارس الهدم. قيادة تستبيح الدم الفلسطيني وتقف حارسًا على الدم الصهيوني، وهذا جزء بسيط من ممارساتها، والسؤال هنا موجهًا للشعب الفلسطيني والفصائل والقوى السياسية: هل هذه هي القيادة التي نريد؟
إن شعبنا عظيم ويستحق قيادة تليق به وتكون بمستوى تضحياته. لقد أجابت جموع شعبنا في رام الله والخليل ويافا وأم الفحم ونابلس وغيرها وفي المخيمات الفلسطينية وكافة مواقع الشتات على هذا السؤال بكل وضوح؛ عندما خرجت بمظاهراتها العارمة وأصدرت بياناتها تدين هذه الجريمة وتحمل المسؤولية للسلطة: أبو مازن وشتيه والأجهزة الأمنية
وذلك عندما رفعت شعار: ارحل... ارحل.
نعم لقد كسر الشعب حاجز الخوف وانطلق من أجل التغيير، ولم يعد أمام القوى والفصائل الفلسطينية التي أصدرت بيانات الإدانة والتنديد وحملت المسؤولية عما جرى للقيادة، إلا أن تكون منسجمة مع ذلك وأن تنحاز لمواقف وتطلعات شعبها بالأفعال، وهذا يتطلب أن تلتقي كافة الفصائل مع الشرفاء والوطنيين من أبناء فتح من أجل رسم استراتيجية مقاومة والخروج من النهج التدميري الذي اتبعته هذه القيادة وأوصلنا لهذا الحال، وعزل هذه القيادة ومحاسبتها وتقديم المصلحة الوطنية على كافة المصالح الأخرى. ولم يعد أمامنا سوى هذا الخيار
وعلينا أن نستفيد من المنجزات الكبيرة التي تحققت في معركة سيف القدس ولا نبددها.
واخيرًا أقول: فيما يتعلق بمنظمة التحرير والوحدة الوطنية، منظمة التحرير والوحدة ليست هي الهدف؛ الهدف هو تحرير فلسطين والمنظمة والوحدة هي الطريق والأدوات للوصول إليه، ونحن معها وندافع عنها بمقدار ما تقربنا من تحقيق هذا الهدف، ونحاربها ونتصدى لها بمقدار ما تبتعد عن هذا الهدف. علينا أن نتمسك بالجوهر لا الهيكل، وعلينا أن نستخرج الدروس من المسيرة الطويلة ومما حصل مؤخرًا. إن استعادة بناء منظمة التحرير وقيام الوحدة الوطنية لا يمكن أن يتم في ظل هذه القيادة، وقد أثبتت التجربة أنها العقبة الأساسية أمام ذلك.
وباختصار أقول: قيادة تنازلت عن 78% من الأرض الفلسطينية.. قيادة اعترفت بدولة العدو.. قيادة تخلت عن شعبها في ال ٤٨.. قيادة أهملت الشتات والمهجر وتخلت عن حق العودة.. لا يمكن إقامة وحدة معها ولا يمكن إعادة ترتيب البيت الفلسطيني بوجودها، وعلينا أن نبحث عن كيفية إسقاطها وإخراجها من المشهد، وهذا هو طريق الحل وما عدا ذلك، لن بكون إلا مضيعة للوقت، ولن نصل إلى نتيجة ونذهب إلى الأسوأ، وهذه مسؤولية الجميع.

