إليكم عبرة من التاريخ القريب.
في مطلع كانون ثاني/ يناير من العام 2005 وبعد موجة من العمليات التفجيرية التي عصفت بقلب الكيان، أصدرت خلية استخلاص العبر التي شكلها موشيه يعلون، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي توصيتها بالتوقف عمليات هدم بيوت منفذي العمليات، لا باعتبارها إجراء غير رادع، فحسب. بل ولأنها تسهم في تأجيج الاحتدام في الأرض المحتلة وتخلق مناخا مؤاتيا لإعادة تشكيل الخلايا المقاومة. تبنى وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، شاؤول موفاز، الاقتراح فورا.
المفترض بالعقوبات الجماعية أن تراكم فاتورة الأعباء على البيئة الحاضنة للخلايا المقاتلة، بحيث يلفظ المجتمع "مسببي المشاكل" من جهة، وبحيث يمنع "الإحساس بالمسؤولية لدى هؤلاء" قيامهم بأعمال فدائية تتسبب في إيقاع الأذى المباشر بالمحيط من جهة أخرى.
يصحّ الافتراض السابق في حالات عديدة، حين يتم تكبيل المجتمع بالقروض ونصائح المنظمات الأهلية و"هبات الشعب الأميركي الصديق" وإثقال كاهله بالاتفاقيات الاقتصادية والأمنية. نحن نعرف شعبا عانى من هذا منذ وقت ليس ببعيد.
"زمن أوّل حوّل"
شكّل الاشتباك المسلّح في قرية سلواد لحظة فارقة من عمر هذه الهبّة في فلسطين. ولعل التفكير الأوتوماتيكي لعسكر بيت إيل في ضرورة إذاقة أهل سلواد العذاب، (وهو في كل الأحوال ضرب أعمى يؤشر على خطورة الحادث من وجهة النظر الأمنية الإسرائيلية، وعلى استحالة القبض على منفذي الهجوم، مؤقتا ربما) قد وقع في خطأ عدم تقدير اللحظة التاريخية ومفاعيلها : فما حدث في سلواد ليس مجرد عملية فتح لطرقات أغلقتها جرّافة. إنه رسالة من الناس.. من الحاضنة.. إلى القابضين على الزناد: واصلوا الاشتباك، ونحن لا نعدكم باحتمال الإجراءات العقابية فقط، بل وسنتحداها.
تستند العقيدة القتالية الإسرائيلية إلى عدة أركان، لعل أهمّها على الإطلاق 1. نقل المعركة إلى أرض العدو 2. تقليص حجم الخسائر البشرية إلى الحد الأدنى 3. تقوية الدفاعات و 4. السعي للحسم السريع في جبهات القتال عبر هجمات خاطفة يتم تكرسيها فيما بعد بريّا. ينطلق هذا التفكير من اعتبار أن أي خسارة عسكرية تعني التقهقر إلى الداخل، فما بالك بالخسائر الواقعة داخل القشرة الصلبة، المعسكرة، لإسرائيل؟
إن الاشتباك الديمغرافي على كل بقعة من الضفة الغربية يحيّد تماما قضية نقل المعركة إلى أرض العدو كما أحالت حرب السكاكين التي يخوضها شباب وصبايا فلسطين مسألة تقليص الخسائر البشرية إلى مستحيلة (خسائر إسرائيل في حرب 1967 مقابل خسائر العرب مجتمعين هي 4,31% (776 إسرائيليا مقابل 15,000 عربي.). قبالة خسائر إسرائيل في الهبة الأخيرة 20% (8 إسرائيليين مقابل 40 فلسطينيا) . إحصائيا، تضاعفت القدرة على إلحاق الأذى بالعدوة عدة مرّات.
مقابل محاولات إحصائية كالمحاولة السالفة، ينبثق، في هذه اللحظات بالذات، ناس سلواد الذين يحفرون تلال التراب بأكفّهم تحت الرصاص، ويحيلون كل محاولة لقياس وتصوير وحشر ما يجري في فلسطين في إحصائيات ومقالات إلى مجرد عبث. إنها الانتفاضة " المدرسة- الأم- الثورة"، بتعبير كنفاني، وقد عادت لتحتضن المقاومين من جديد.

