كاتب سياسي فلسطيني/ تركيا
أثارت حادثة اغتيال الشهيد نزار بنات؛ جملة من الأسئلة الكبرى التي من الواجب التوقف عندها لمعرفة مدى المأزق العميق الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني عامه وقواه السياسية بشكل خاص. فالحادث فتح الباب أمام نقاش فعلي من المفترض أنه حُسم قبل ربع قرن تقريبًا، والذي يتعلق بالعمق بخواء الحياة السياسية الفلسطينية وفقدانها أي معنى، فلا المسار التحرري اجتاز مدى جديد ولا نهضت قوى جديدة تحمل عبء المسيرة، وبتنا في دوامة لا تنتهي، لهذا تم تأجيل القضايا الفعلية التي تمس كينونتا الأصلية لصالح قضايا ثانوية لا تقدم ولا تؤخر في وضوح الصورة، وحتى الثانوي والهامشي؛ يدور أيضًا في حلقة مفرغة وهنا تحضر كل القوى وتحت كل المسميات في تلك المتاهة التي طالت أكثر من اللازم.
لهذا وجد الفلسطينيون في الشهيد نزار ومن هم مثله؛ مساحتهم الخاصة فهو الذي يعبر بكل وضوح وبلغة يفهمها العامة قبل المثقفين، هذا الدور وإن ارتضاه الشهيد لنفسه؛ نظرًا لانعدام القوى القادرة على حمل لغته، فهذا لا يعفينا جميعًا من تحمل مسؤولية وتقصير والعجز. والمسؤولية حقيقة وليست مجازًا، وقد كشفتنا مجددًا، ووضعنا نزار مرة أخرى في امتحان صعب؛ فكل القضايا التي طرحها وحمل همها لم تكن قضايا شخصية ولا حتى سياسية بالمعنى الضيق، وإن كانت في معظمها قضايا تتعلق بالهم المعيشي والحال والسلوك السياسي للسلطة والقوى المشكلة لها، إلا أنها في النهاية تخترق المجال العام لتصل إلى القضايا الوجودية التي تهم السلطة كما الشعب.
وربما لو كانت السلطة تمتلك الحد الأدنى من العقلانية لكان انتبهت وتأملت وتعاملت مع أطروحة نزار بالكثير من الجدية، وتجاوزت الطريقة التي كان يعبر نزار بها، لكنها على ما يبدو ونتيجة للظروف التي تشكلت بها (وجميعنا نعرف تلك الظروف)، لا تملك غير العنف الأعمى والأرعن في مواجهة فرد واحد لا يملك غير صوته ولغته في مواجهتها، لهذا افتقدت المواجهة منذ البداية لكل الموازين العقلية والمعقولية، فلا يمكن في أي حال من الأحوال أن تواجه سلطة فردًا واحدًا بالأدوات البدائية التي كشفت بوضوح أنها لا تملك غيرها في تثبيت لغتها ومشروعيتها وديمومتها وبقاءها.
عنف لا يمكن له ان يحصل المراد منه؛ فالشعب الفلسطيني ومنذ قرن من الزمان اختبر العنف والألم من المحتلين وصقلت شخصيته المادية والمعنوية ووجدت نفسها كما أراد وعيها لا كما أراد المحتل، لهذا فإن اختبار الشعب الفلسطيني من هذا الباب لن يقود إلى النتيجة التي أراد أصحاب الفعل الجرمي ضد نزار ايصالها. وعليه فإن حادثة الاغتيال؛ ستتحول إلى محطة تاريخية ومفصلية، سواء قدمت السلطة قرابين من قبلها لتعيد التوازن لمؤسساتها وادعاءاتها ولغتها المعلنة، أو ركبت رأسها وسارت في نفس مسار العنف.
نعم.. هناك توظيف سياسي من قبل قوى تنافس السلطة، لكن التوظيف السياسي سيبقى ضعيفًا، لأن تلك القوى هي الأخرى لا تملك الحد الأدنى من الفهم والوعي لتبني القضايا التي ضحى من أجلها شهيد الوطن وأفنى حياته من أجلها؛ فسلوك تلك القوى المعروف والمجرب والمختبر والملموس؛ يكشف بوضوح أنها هي الأخرى بحاجة إلى التجدد والشعب هو الفيصل والحكم وقادم الأيام كاشف لكل الصدوع التي امتلأت دروبنا بها.

