عرفت ساحات دول أوروبية خلال المواجهات الأخيرة بين الشعب الفلسطيني وكيان الاحتلال؛ زخمًا تضامنيًا واسعًا؛ شهدت العواصم والمدن الأوروبية لم تعرفه بهذا الحجم وبهذا الحضور والأعداد الكبيرة من المشاركين منذ سنوات عجاف طويلة، هذا الزخم التضامني الواسع أعاد فلسطين وقضيتها العادلة للواجهة وجعلها العنوان الأكثر تداولًا بين كل عناوين الأحداث العالمية الأخرى؛ عادت فلسطين بقوة بفضل وحدة شعبها الميدانية من جهة وأداء فصائلها المقاومة، بمختلف توجهاتها الفكرية والسياسية.. كيف نفهم هذا التضامن الواسع وتنوع أشكاله؟
لا بد من الوقوف أمام العوامل الموضوعية والتي كانت وراء هذه اللوحة الجميلة الرائعة، حيت توحدت قيم الإنسانية؛ من عدالة للتضامن خلف فلسطين وأجمل رموزها العلم الفلسطيني، أما العوامل فألخصها بالتالي:
العامل الأول: مرتبط بمركزية فلسطين وقضيتها الوطنية ومظلوميتها بالضمير الإنساني الحي، ولم تفلح صفقة القرن وكل الضغوط التي سبقت الإعلان عنها أو التي رافقتها من شطب فلسطين من الخارطة العالمية؛ الأحداث والمواجهات الأخيرة رمت هذه الصفقة بمختلف مكوناتها لمزبلة التاريخ؛ فعادت فلسطين قضية وطنية؛ قضية شعب له حقوق وطنية ثابتة وغير قابلة للتصفية، كما حلم ترامب وعملاءه الصغار من مطبعين والكثير من التابعين والخاضعين؛ مركزية القضية الفلسطينية وعدم توفر الأمان والاستقرار بكامل المنطقة ورقة؛ مهمة بيد الشعب الفلسطيني وعلى قواه الوطنية أن تجيد استخدامها؛ دوليًا وعربيًا.
العامل الثاني: مرتبط بوجود جيش من النشطاء والمتضامنين في ساحات الدول الأوروبية، هؤلاء وحتى نعطيهم حقهم؛ آمنوا بعدالة القضية الفلسطينية وجعلوا من الدفاع عنها جزء أساسي في نشاطهم وأداءهم، ولم يطلبوا مكافأة من أحد وهم مستمرون بدورهم أدائهم إلى أن يسترد شعبنا كامل حقوقه الوطنية، خلال مرحلة الانتفاضة الأولى؛ قام الآلاف من الأوروبيين بزيارة فلسطين المحتلة للتعرف عن قرب على الشعب والنضال الوطني الفلسطيني وما زال المئات يقومون بمثل هذه الزيارات التضامنية ليومنا هذا، وكان لهؤلاء دور هام بالتعريف وايصال الرسالة والرواية الفلسطينية لشعوب أوروبا الغربية؛ ناهيك عن وجودهم في الصفوف الأولى في الحراك التضامني مع فلسطين.
العامل الثالث: وجود حركة تضامن أوروبية مؤطرة ومؤسسة وتعود جذورها للنصف الأول من سنوات السبعينيات من القرن الماضي، هذه الحركة المتنوعة؛ سياسيًا وفكريًا عرفت انتشارًا واسعًا مع دخول حركة المقاطعة وعدم الاستثمار والعقوبات للعب دورها في إطار المسار التضامني مع فلسطين؛ حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الفلسطيني استطاعت أن تراكم عبر التجربة خبرة بأدوات التأثير والحشد وكان لهذا دور في الزخم التضامني الأخير، ودورها يزداد عند الحديث عن تطوير الموقف السياسي والمؤسساتي الأوروبي.
العامل الرابع: وجود جاليات فلسطينية وعربية وإسلامية مهمة بدول أوروبا، هذه الجاليات والتي يتجاوز تعدادها 18 مليون مواطن؛ جزء هام ولد وتربى ودرس وتشرب بثقافات هذه الدول الأوروبية، على أبناء هذه الجاليات تقع مسؤولية حمل راية فلسطين في المراحل القادمة؛ رأيناهم في الساحات وعبر استخدامهم المبدع لوسايئل التواصل مع البيئة الأوروبية الحاضنة، في أوساطهم تتواجد طاقات هائلة؛ تشكل رافدًا مهمًا للعمل التضامني في المرحلة القادمة، منهم كوادر في مؤسسات ومنتخبين في برلمانات ومجالس بلدية في العديد من دول ومدن أوروبا وهم يشكلون؛ سلاحًا فتاكًا في خدمة قضية الشعب الفلسطيني.
العامل الخامس: طبيعة المشاهد المنقولة للرأي العام الأوروبي واستحالة إخفاء حجم التوحش عند الآلة العسكرية الصهيونية؛ صور الضحايا الشهداء من المدنيين، وخاصة صور الأطفال. كل هذه المشاهد المروعة كان لها دور هام بتحريك الشارع الأوروبي وإعرابه عن شجبه بوسائل مختلفة لإسرائيل لما تقوم به بدون أن تستطيع المنظومة المؤسساتية الدولية عن وقفها ولجمها عن هذه الممارسات؛ شعار حان الوقت لاتخاذ خطوات جدية وملموسة بدأ يدخل إلى قواميس بعض الأحزاب والكثير من السياسيين في دول أوروبا الغربية، وهنا لا بد من الاستفادة من هذا الواقع المستجد.
العامل السادس: الهام توفر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة بأيدي عامة الناس، كذلك استخدامها بشكل رائع من قبل مئات الألوف ووصول الرسائل للملايين بكبسة زر؛ نحن أمام الإعلام البديل ولن تفلح أدوات الضغط والابتزاز الصهيونية وإمكانيات حلفاءهم عن وصول الحقيقة للملايين عن بشاعة هذا الكيان الاستعماري الغاصب.
العامل السابع: تآكل الخطاب الصهيوني التقليدي والقائم على مقولة: أن إسرائيل ضحية وليست الجلاد، وأي انتقاد أو تنديد بها وبممارساتها المدانة والمتعارضة مع قواعد القوانين الدولية؛ يصب في خانة الممارسات اللاسامية، هذا الخطاب لم يعد فتاكًا وغير فعال.. فهل يبدعون مستقبلًا بخطاب آخر؛ يستطيع أن يؤثر في أجيال أوروبية لم تعش مجريات الحرب العالمية الثانية وما رافقها في العديد من دول أوروبا؛ من مجازر وإبادة للوجود اليهودي، خاصة في أوساط الجاليات اليهودية في بعض دول أوروبا الشرقية؟!
هذه العوامل لعبت جميعها ولو بتفاوت بتفسير الزخم التضامني الواسع مع الشعب الفلسطيني في دول أوروبا الغربية، فكيف نبني على هذا الزخم لنوسع دائرة التضامن الفعَّال معنا هنا في ساحة الدول الأوروبية؟
هنا أقدم بعض الأفكار لمن يهمهم الأمر:
أولًا: وهذا مهم جدًا؛ بناء استراتيجية وطنية فلسطينية يتكامل فيها الأداء السياسي والدبلوماسي مع الأداء المؤسسات والنشطاء والتضامني ليقم كل وبشكل مدروس بدوره.
ثانيًا: التركيز على المؤسسات الديمقراطية في أوروبا؛ من برلمانات ومجالس بلدية وأقاليم لدفعها لاتخاذ مواقف علية من نوع عدم ورفض التعاطي مع أي مؤسسة أوروبية أو غير أوروبية تتعامل مع المستوطنات، وهذا ممكن ومقبول وبدأنا نرى خطوات هنا أو هناك في هذا الإطار.
ثالثًا: عدم التدخل السافر والتوقف عن التعاطي مع الجاليات الفلسطينية في أوروبا وكأنها مزارع خاصة؛ من يمتلك هكذا عقلية سيكتشف قبل غيره أن فلسطينيي أوروبا في وهو ومن يقف خلفه في واد آخر؛ مئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون في أوروبا؛ يعرفون لغاتها ويعملون بمؤسساتها، ولا يمكن لكائن كان مصادرة مواقفهم وآرائهم لأنهم غير موظفين عند أحد.
رابعًا: إعادة الاعتبار للعلاقة مع الجاليات العربية؛ إنها الحاضنة الأقرب لنا ولقضيتنا الوطنية، وفيها من القدرات والكوادر والطاقات ما يقدم الكثير لهذه القضية.
خامسًا: مد الجسور والتكامل مع مكونات حركة التضامن الأوروبية ومشاركة أوسع من نشطاء فلسطينيين داخلها.

