ربما كان أحد المصطلحات المتداولة بكثرة، مع انطلاق انتفاضة الكرامة، خاصة في سياق البحث عن حل يضمن وقفها أو على الأقل الحد من إمكانية تصاعدها وتطورها، هو مصطلح "الحفاظ على الوضع القائم بالمسجد الأقصى" ومتابعة للبحث عن ما هو المقصود بهذا المصطلح، وما هو الوضع القائم، وما هو منشأه، ومن هي الأطراف التي توصلت إليه، غير أن هذا المصطلح، لا يعني شيئاً على الإطلاق، وإذا كان من فهمٍ واضح له، فيتخلص في أن الوضع القائم، هو الوضع الذي فرضه وما زال يفرضه الاحتلال على المسجد الأقصى، كما هو الأمر عليه في كافة المناطق المحتلة، وإسباغ هذا المصطلح على الأقصى، إنما هو تكريسٌ للأمر الواقع الذي يفرضه الاحتلال، فالوضع القائم في هذه الحالة، ما هو إلاّ الوضع الواقعي الذي حاول ويحاول الاحتلال فرضه بهدف التعامل معه باعتباره أمراً ثابتاً لا يمكن العودة عنه، وفي أفضل الظروف والشروط، كان هذا الأمر الواقع، الوضع القائم، من الممكن أن يخضع للمساومات والضغوط والابتزاز.
والوضع القائم في المسجد الأقصى، هو ما اعتبره الاحتلال، الأقل ثباتاً وتحديداً، وبعد أيام من انطلاق انتفاضة الكرامة، ها هي حكومة الاحتلال وهي تحاول التخلص من تداعيات هذه الانتفاضة، تعود عن "الوضع القائم" وتقترح على السلطة الفلسطينية إعادة قوات الأمن الفلسطيني، باللباس المدني، إلى الحرم القدس ي، كما كان الأمر عليه قبل الانتفاضة الثانية عام 2000م، هذا المقترح المحدد، يشير بوضوح، إلى أنه ليس هناك من "وضع قائم" إذ إن الاحتلال أقدم على أحد التغييرات اثر الانتفاضة الثانية وعدم تحديد "تاريخ واضح" للوضع القائم، يجعل هذا الوضع غير قائم بل متحرك حسب ما يفرضه الاحتلال، كما يمكنني تفسير المقترح الاسرائيلي المشار إليه.
والواقع أن "الوضع القائم" في الأقصى هو الوضع الذي كان قائماً قبل الاحتلال عام 1967، أو على الأقل، بعد أن تم انزال العلم الإسرائيلي عنه، بأوامر من الجنرال دايان، كونه في ذلك الوقت لم يرغب في أن تتشكل "دولة فاتيكان" في القدس المحتلة، ومن ثم تم تسليم مفاتيح الحرم القدسي إلى الأوقاف الأردنية والأوقاف الإسلامية في القدس، مع السماح لزيارة السياح مرتين في الاسبوع، من دون أية إشارة إلى ما هو الوضع القائم الآن، سواء لجهة التقييم الزماني والمكاني، أو لجهة وضع شروط لسن المصلين أو وضع الحواجز على بوابات الحرم القدسي، والعديد من الإجراءات الإسرائيلية التي باتت راهناً في إطار التقييم الإسرائيلي للوضع القائم.
ووفقاً للاتفاقات الفلسطينية الأردنية، فإن هذه الأخيرة هي المسؤولة عن رعاية الشؤون الدينية، والإسلامية والمسيحية وأماكنهما المقدسة، في القدس المحتلة، ليس فقط لأن الأردن كان يدير الضفة الغربية بما فيها العاصمة الفلسطينية القدس، قبل الاحتلال عام 1967، وبالتالي فإنه يمتلك الخبرة في إدارة الأماكن المقدسة، ولكن، لأن الأردن التي ترتبط مع اسرائيل بمعاهدة "وادي عربة" أقدر على الوقوف في وجه المحاولات الإسرائيلية، لفرض وقائع جديدة، أو وضع قائم جديد على الاماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة، مع ذلك فإن الجانب الإسرائيلي استمر في الابتزاز واتخاذ إجراءات خطوة خطوة في البداية، ثم متسارعة في الأسابيع الأخيرة، على حساب "الوضع القائم" في الحرم القدسي، اثر احتلال اسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس عام 1967، ورأينا كيف انزلق "الوضع القائم" منذ ذلك الوقت حتى الوضع الراهن، ما يعني باختصار شديد، أن الوضع القائم، هو الوضع الذي نفرضه وفرضته إسرائيل طوال الوقت.
الرئيس عباس في خطابه الموجه إلى الفلسطينيين بعد أيام من انطلاق انتفاضة الكرامة، أشار إلى "الوضع القائم" في مدينة القدس وإن الحفاظ على هذا الوضع هو مطلب فلسطيني والبعض يرى في هذا التأكيد من قبل الرئيس عباس، محاولة منه لوضع سقف لهدف الانتفاضة الجارية والمتصاعدة الآن، وهو اعتراف إسرائيل بما يسمى "الوضع القائم" باعتبار أن ذلك يحقق للانتفاضة هدفها، وبالتالي عليها النكوص والتراجع والتوقف، طالما تمكنت من تحقيق هذا الهدف، خاصة وأن الجانب الإسرائيلي، يعلن يومياً، أنه ملتزم بالوضع القائم بالمسجد الأقصى، ويحافظ عليه!!
إن هذا المصطلح التائه وغير المحدد، مثله مثل العديد من المصطلحات التي عهدناها في إطار الصراع مع العدو الإسرائيلي يفرض نفسه كمثال على عقم السياسة الرسمية الفلسطينية وعجزها عن استثمار إمكانيات وفرتها انتفاضتين سابقتين، قبل انتفاضة الكرامة الحالية، لصالح المشروع الوطني الفلسطيني، وما مسايرتها لهذا المفهوم الغامض والفضفاض لمصطلح "الوضع القائم" في الحرم القدس، إلا نموذجاً لهذا العقم وهذا العجز!!

