إن حركه التضامن فث اوروبا الشرقية قبل الانهيار وسقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية؛ كانت مرتبطة بالأحزاب الشيوعية الحاكمة التي كانت؛ تتحكم في كافة مناحي الحياة في ظل الحرب الباردة والعداء مع الرأسمالية والإمبريالية، وبالتالي دعمت كافة حركات التحرر في العالم، بما فيها حركه التحرر الفلسطينية؛ بمختلف اتجاهاتها، ولكن بعد الانهيار اختلفت المعادلة جذريًا ووصل التضامن إلى أدنى درجاته مع الشعب الفلسطيني في أوروبا الشرقية، ويعود ذلك لأسباب موضوعية، وأخرى ذاتية وأهم الأسباب الموضوعية هي:
- طبيعة الأنظمة الشمولية غير الديموقراطية التي كانت تحكم دول أوروبا الشرقية، والتي ما زال بعضها يتربع على عرش السلطة حتى الآن، ولأن هذه الأنظمة لم تكن ديموقراطية، فإن سياسة كم الأفواه كانت هي السائدة على امتداد عشرات السنوات، ولذلك فإن الشعوب تبرمجت نفسيًا على الخوف من الأنظمة وأجهزة الأمن، ولهذا لم تخرج للشوارع والتظاهرات إلا بتعليمات الأنظمة وهذا الخوف والحالة النفسية لدى هذه الشعوب ما زالت مستمرة حتى الآن.
2_ إن أنظمة الحكم في أوروبا الشرقية؛ لم تسمح بتطوير الحياة السياسية وتنظيم المجتمعات؛ من خلال منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية، وكانت هذه المؤسسات جزء من أجهزة الدولة وتتحرك بتعليماتها، ولذلك وبعد مرور أكثر من ثلاث عقود على انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، فإن الوضع ما زال على حاله تقريبًا والتغيرات التي حدثت في هذا الإطار شكلية أو بدوافع مالية فردية؛ معتمده على التمويل الخارجي، وجل عملها منصب على الوضع الداخلي، وليس على التضامن الدولي.
3_ إن دول أوروبا الشرقية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات؛ ثارت على الأنظمة الشيوعية والاشتراكية؛ بمساعدة الدول الغربية والحركة الصهيونية، لذلك فإن هذه الأنظمة حتى هذه اللحظة تتلقى الدعم الاقتصادي والسياسي من الغرب، ولذلك تحرص على أن لا تزعج الغرب بأي شكل، وخاصة فيما يتعلق بإسرائيل وعدوانيتها وتعتقد هذه الدول ان مدخلها بالعلاقة مع الغرب؛ يمر عبر البوابة الإسرائيلية، ومن هذا المنطلق فإن كل أجهزتها الإعلامية؛ تتغزل بإسرائيل وديموقراطيتها وازدهارها الاقتصادي والعلمي والطبي؛ ليل نهار. وفي نفس الوقت تشيطن المقاومة الفلسطينية وتعتبر نضالها إرهاب، وللعلم فإن معظم وسائل الإعلام والمال في هذه الدول؛ مسيطر عليها من قبل اللوبي الصهيوني الذي لا يفسح المجال لطرح وجهة النظر الفلسطينية والحق الفلسطيني إلا ما ندر بالإضافة إلى التنسيق الأمني.
4_ من الأسباب الرئيسية لدعم دول أوروبا الشرقية لإسرائيل هو وجود الأعداد الكبيرة لليهود من أصول خزريه؛ تعيش في هذه الدول وأن أغلبية المستوطنين الصهاينة في فلسطين هم من أصول خزريه ويهيمنون على السلطة في الكيان الصهيوني ودول أوروبا الشرقية، بما فيها روسيا وأغلبهم؛ يعتبرون أن أمن وسلامة إسرائيل خط أحمر بالنسبة لهم.
5_ وصول الاحزاب اليمينية والقومية الشعبوية للسلطة، بالإضافة إلى الأحزاب الممولة؛ من رجال الأعمال وحضر الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والتقدمية في العديد من هذه الدول.
أما على الصعيد الذاتي؛ فأهم الأسباب هي:
1_ دور الجاليات العربية في دول أوروبا الشرقية، من المهم التأكيد بأن أعداد أبناء الجالية العربية في هذه الدول محدودة وقليلة قياسًا بأوروبا الغربية والامريكيتين، والسبب في ذلك يعود إلى هذه الدول في فترة الاشتراكية؛ كانت تستقبل الطلاب العرب للدراسة وبمجرد انتهاء دراستهم لا تسمح لهم بالبقاء، لذلك فإن الجاليات الحالية أغلبها من الطلاب الذين درسوا فيها وعادوا إليها بعد انهيار المعسكر الاشتراكي للعمل أو لأسباب عائلية، أي الزواج من هذه الدول، لذلك فإن عددهم قليل وغير مؤثر، خاصة وأن أغلبهم؛ يعاني من أوضاع اقتصادية صعبه ويركضون وراء لقمة العيش، إضافة إلى أن الجاليات العربية الحديثة التكوين لا تشارك بالحياة السياسية والانخراط في الأحزاب السياسية في هذه الدول، لذلك يمكن القول بأن عددهم القليل ووضعهم الاقتصادي الضعيف وانكماشهم على ذاتهم؛ يوضح الحركة الضعيفة في التضامن مع الشعب الفلسطيني أثناء العدوان الصهيوني الأخير على غزة وكل فلسطين التاريخية.
2_ رافق انهيار وسقوط الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية التخلي عن أصدقاءنا القدامى وضعف العلاقة وتراجعها معهم، ولم ننجح في بناء علاقات جديدة، وترافق ذلك مع توقيع اتفاقيه أوسلو وتهميش دور الخارج وضعف عمل السفارات وإهمال دور الطلاب، حيث لا يوجد اتحاد للطلبة الفلسطينيين، كما كان في السابق، بالإضافة للانقسام الفلسطيني الذى يعانى منه الخارج بشكل عام، وغياب الجاليات الفاعلة، والتي تؤطر أبناء الجالية في أغلب هذه البلدان، بالإضافة إلى إنشاء المراكز الإسلامية في العديد من هذه الدول، والتي تحوز على دعم مالي؛ من جهات مختلفة لا تتوفر للجاليات الفلسطينية والعربية.

