Menu

ام سعد تصبح على الشهيد غسان كنفاني

حاتم استانبولي

احياء لذكرى 49 للشهيد المقاوم المتكامل غسان كنفاني .

ام سعد الشخصية المقاومة المتكاملة

الحوار الذي دار بين غسان كنفاني وأم سعد في ثمانية فصول أظهرت مدى علاقة غسان كنفاني بالمخيم ومدى جراءة أم سعد وإقدامها وشجاعتها وفلسفتها الشعبية التي كانت تعبر عن جوهر عدالة المخيم.

أم سعد ناقدة شعبية ايجابية قدمت الحلول والرؤى في لغة شعبية تحمل فلسفة واقعية نقدية تطرح الواقع وتقدم الحلول.

ام سعد رواية حملت السياسي والفكري والاجتماعي والايديولوجي والطبقي والانساني .

في الفصل الاول تحت عنوان الهزيمة .

اظهر غسان كنفاني ارتباط أم سعد بالزمن من خلال ربط خطواتها الواثقة بدقات الساعة التي لا تعرف الا التقدم الى الامام .

وطرح الاسئلة على زوجته بعد ان ذكر ان ام سعد غابت لعشرة ايام منذ ان بدأت الحرب التي قاتلوا من اجلها وحين خسروا خسرت هي مرتين .

وها هي تاتي الينا ترى لماذا تجيء وكأنها تريد ان تبصق في وجوهنا؟ كيف تراها رأت المخيم حين غادرته هذا الصباح؟

هذه الاسئلة تحمل موقفا مركبا موقف ام سعد الرافض للهزيمة وآخر هو تحميل المسؤولية للفكر السياسي الذي وضع مسؤولية التحرير للانظمة الرسمية العربية واظهر هذا في جملته- تريد ان تبصق في وجوهنا - .

ام سعد قدمت لغسان كنفاني عود (قضيب) جاف لدالية عنب وقدمته له وشرحت له مواصفات الدالية انها لا تريد ماء كثيرا لانها تأخذ ماءها من رطوبة الارض وتنشر جذورها في الارض لتاخذ غذاءها لتنبت عنبا .

ام سعد قدمت نقدا للفكر السياسي الذي اعتمد على الانظمة الرسمية لتحرير فلسطين وتجاهلت قوة الجماهير التي هي الارض التي يجب ان تزرع فيها فكر التحرير والعودة .

عود (قضيب) الدالية الناشف الذي قدمته في اول الرواية ودبت فيه الحياة واخضر في نهايتها وحديثها عن الزيتون وخصائصه المرتبطة بالارض كانت درسا نقديا ايجابيا اراد فيه غسان كنفاني توضيح ان الحل يكمن في العودة الى الجماهير واطلاق طاقاتها.

مقارنة بين عقيدة المقاومة وعقيدة المساومة

أم سعد طرحت بقوة مقارنة بين عنوان العقيدة القتالية المقاومة و عقيدة المساومة والانتهازية السياسية في محطتين عندما اظهرت العقيدة القتالية لابنها سعد والعقيدة المساومة للمختار الذي عرض خدماته على ام سعد لاخراج سعد ورفاقه من السجن.

أم سعد سخرت من المختار وكانت متوقعه ان يرفض سعد ورفاقه وساطة المختار خاصة ان اطلاق سراحهم كان مرتبطا بتوقيع ورقة يطلب فيها ان يكونوا اوادم هذه الكلمة التي سخر منها سعد ورفاقه ورفضوا هذه المساومة المذلة وسخروا من المختار وقال للمختار (سلم على الاهل يا ابني) هذا التعبير الذي اغضب المختار ولكنه يحمل اشارة الى ان التبادلية في الدور الوظيفي بين دور المختار المساوم وبين دور سعد المقاوم هذا العمق الذي شرحته ام سعد لغسان .

أم سعد كانت تعلم ان ابنها سعد سيخرج من الحبس بلا وساطة المختار واشارت الى ان الحبس له مفهوم اشمل من الغرفة الصغيرة التي يجلس بها سعد ورفاقه واشارت في وضوح ان الحبوس انواع المخيم حبس والبيت حبس والجريدة حبس والراديو حبس والباص حبس واربكت غسان عندما سالته: ها انت غير محبوس فماذا انت فاعل؟ مصطلح الحبس او الحبوس اراد غسان ان يظهر عمق وعي أم سعد لانعدام الحريات العامة والمقاربة بين البيت والجريدة والباص والراديو هي اشارة الى المكان وحيز النشاط الانساني الذي تغيب فيه الحرية .

ام سعد كانت مدركة ومقتنعة ان سعد سيخرج من السجن حين قالت لغسان ان سعد سيخرج من السجن والسجن كله .

كلمة كله تعني ان مرحلة جديدة ستنطلق : سيكون سعد ورفاقه عنوانها الجديد .

والمدقق في حوار الرواية بين دور المختار ودور عبد الوالي، العامل المشترك بينهم في دورهم في اطار مكانين وزمانين مختلفين .في اشارة لدورهما المتعاون مع الافندي وان اختلف موقعه او مكانه او دوره.

الربط بين الافندي في المخيم والافندي في فلسطين يريد غسان ان يظهره على انهم في موقع واحد ضد سعد ورفاقه.

وتحت عنوان خيمة عن خيمة تفرق اظهر غسان بوضوح ان مرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني قد بدأت في مقارنة بين خيمة النكبة والهزيمة و خيمة المقاومة التي انطلقت في اطار رد جماهيري شعبي على هزيمة جيوش الانظمة الرسمية التي اوكل اليها مهمة التحرير.

العقيدة المقاومة لام سعد وابنها سعد كانت الناظم والمعيار لمرحلة ما بعد هزيمة حزيران عام 1967 وبعد عشرون عاما على جريمة النكبة التي اشارت اليها ام سعد للتحذير من دور العملاء والخونة ودورهم الذي رفض رفيق ابنها ليث ان تقوم به عائلته بطلب وساطة عبد المولى الذي اصبح نائبا في البرلمان الاسرائيلي .

ام سعد اشارت الى ان ليث قد اشار لسعد بان يطخ عائلته اذا اقدمت على هذا الشيء في تأكيد واضح لعدم المساومة بين عقيدة المقاومة وعقيدة الخيانة والتآمر.

وفي هذا السياق اشارت الى دور عبد المولى في قتل فضل .

فضل الفلاح الفلسطيني كان قد صعد الى الجبل في ثورة ال36 وعبد المولى كان صاحب ارزاق واراضي ويبيع تبغه لشركة فرمان.

عندما جاءت رسائل ملوك العرب لانهاء الثورة اقام عبد المولى احتفالا جاءت اليه كل القرى، اثناء الحفل نزل فضل من الجبل حافي القدمين كما صعد له وجلس على عتبة بيتا في آخر القرية ولم يلتفت له ايا من المحتفلين الذين كانوا يسمعوا لخطاب عبد المولى الذي تحدث عن الثورة والانتصار .

ام سعد اشارت الى انها سمعت فضل يقول ( ولكوا , انا الذي تمزعت قدماه, وهذا الذين تصفقوا له؟).

اراد غسان من هذه الاشارة الى دور العملاء والانتهازيين الذين تربطهم مصالح مع الاحتلال ولهم دور مركب ومزدوج في التآمر على الثورة في اشارة الى التحذير من دورهم الذي لا يريد ليث وسعد ان يعود ويقضي عليهم كما قضى عبد المولى على فضل.

في اشارة الى الامعان في قتل فضل الذي يرمز الى روح المقاومة الفلسطينية التي تصاعدت واستمرت ضد الاحتلال الاحلالي فكانت روايات عديدة عن طريقة موت فضل في المعصرة او في حرب ال48 او اثناء عودته الى فلسطين.

بعد 20 عاما و32 سنة على رمزية قصة عبد المولى وفضل هذان الاسمان المرتبطان ببعضهما بحيث لا يمكنك الحديث عن فضل بدون الاشارة الى عبد المولى.

اراد غسان كنفاني ان يوضح العلاقة بين الثورة والثورة المضادة.

البعد الطبقي الفطري لام سعد:

أم سعد كانت واعية لدورها ولمصلحة طبقتها الاجتماعية بغض النظر عن جنسيتها عبرت عن ذلك عندما تخلت عن العمل الجديد الذي كان يوفر لها دخلا لاعالة اسرتها واولادها عندما ادركت ان رب العمل طرد المراءة اللبنانية الجنوبية التي كانت تحصل على سبعة ليرات لتحل محلها أم سعد الفلسطينية بخمسة ليرات هذا العمل الذي عمل على تنفيذه الناطور قصير القامة الذي كان يلاحق ام سعد لتعود لعملها ليوفر ليرتان لمالك البناية التي قيمتها الاف الليرات في تصوير للجشع الاستغلالي للفقراء ولزرع الشقاق بين ابناء المخيم واهل الجنوب.

عندما واجهت الجنوبية ام سعد وقصت عليها قصتها لم تتردد ام سعد عن التخلي عن عملها واجرة اسبوعين للمراءة الجنوبية واشارت لها بان تاخذ راتب الاسبوعين وفي هذا السياق اشار غسان الى دور العاملات والوسيط ورب العمل عندما قالت ام سعد: لو أنا والحرمة والناطور قلنا للخواجة .... وصمتت.

عودة الفرحة والامل لابو سعد:

اما في الفصل الاخير الذي اشار غسان فيه لدور ابو سعد عامل الباطون الذي نفض عن نفسه غبار النكبة واحباط الهزيمة عندما اعاد الفدائيين الكرامة لخيمة المخيم التي تحولت الى خيمة مقاومة .

عندما استطاع سعد ان يغلق مزراب السماء ، خيمة المخيم اصبحت مكانا لاعداد جيلا جديدا يحمل ثقافة جديدة.

الفدائيون اعادوا الحياة من جديد في بيت أم سعد ولاول مرة وضع ابو سعد يده على كتف ام سعد ليقول لها انظري الى سعيد كيف يتدرب على المقاومة واشار الى ابنه بافتخار وليقول لرجل يقف الى جانبه في اشارة الى ام سعد: انظر هذه المراءة تخلف الفدائيين وفلسطين تأخذ.

أم سعد شخصية المرأة الفلسطينية المتكاملة ام سعد مدرسة تجمع السياسي والاجتماعي والفكري ام سعد استبدلت حجابها الذي صنعه لها شيخ وحملته 20 عاما ولم تتبدل احوالها وعندما خلعته ووضعت مكانه رصاصة كان قد تركها سعد تحت المخدة في تاكيد رمزية واضحة لاستبدال ثقافة الوهم بثقافة الواقع المقاوم .

ام سعد هي الام والزوجة والعاملة والمقاومة التي لم ينتابها ادنى شك بان سعد ورفاقه سوف يغلقون المزراب الذي كان ينهال على المخيم فقرا وشقاء ومذلة ويغمره بالوحل هذا المخيم الذي كان مستباحا لبل نهار من قبل الافندي الذي واجهته ام سعد بان ابنها فدائي في الاغوار وانه زارها وترك لها رصاصة اصبحت عقدا محمولا على صدرها هذا الصدر الذي اخفى صورة سعد التي اراد ان ياخذها الافندي.

غسان كنفاني ابدع في طرح انبعاث فكرة المقاومة وعقيدتها وحدد معيارها وناظمها في الشخصية المقاومة المتكاملة لام سعد.

غسان وضع دور المراءة الفلسطينية في موقعه الحقيقي الواقعي واشار الى اهمية دورها وانها هي المدرسة التي تنتج المقاومين الواعين لدورهم.

سعد كان شخصية مقاومة مقدامة واعية لدور المختار والمثقف الذي نقدته ام سعد وكذلك ابنها سعد عندما اشار بعد انتهاء المعركة التي بدأت بالراديو وانتهت بالراديو ان على غسان كنفاني ان ياتي الى المخيم هو الان في اشارة الى ان المخيم وجماهيره هم من يستطيع تحقيق عدالته.

أم سعد اراد منها غسان الذي اظهر موقفه في اغلب الاحيان كطرفا محايدا يطرح الاسئلة على ام سعد ويسمع لها. غسان اراد ان يقدم درسا يشير فيه الى الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الحركة الوطنية في اعتمادها على النظام الرسمي العربي واهماله دور الجماهير ومصلحتها في تحرير وطنها.

هذا الموقف الذي وضعهم جميعا في الحبس الكبير المتعدد الاشكال التي وعته ام سعد ولم يعيه السياسيون والمثقفون عندما اشارت ام سعد لغسان ها انت ليس محبوسا فماذا انت فاعل؟

صراع ام سعد وفضل وسعد وليث مع المختار وعبد المولى والناطور ما زال قائما وللاسف لم يستمع القادة لام سعد ولم يقرؤا روايتها لذلك نرى اليوم ان عبد المولى عاد وترأس الجماهير واطلق خطابات الانتصار وسرق انجازات الشهيد سعد والاسير ليث وحاصر مقاومة ام سعد.

المختار عاد مع نواطيره يركضون ليل نهار في مواقع الشتات للتضليل والاستغلال لمصلحة عبد المولى الذي اصبح عضوا في برلمانات متعددة يشرع لمولاه المحتل الاحلالي.

ام سعد ابداعية مقاومة شاملة كل كلمة فيها لها معنى كيف استخدم كلمة القضيب الجاف للدالالة على عود الدالية الذي اذا ما زرع في الارض تعود له فحولته ورفضت ان تقول ان سعد الذي جرح في معركة هديتها انه سيذهب بل قالت انه سيعود في اشارة الى عنوان اشمل يرمز لعودة المخيم وتحقيق عدالته.

ام سعد ما زالت موجودة وحية ولكن الذي غاب واستشهد هو محاورها والمستمع اليها الشهيد غسان اما سعد فما زال شاهده يقف منتصبا منتصرا ليذكر ان المقاومة هي الوحيدة التي يمكنها ان تغلق المزراب الذي اصبح اكثر من واحد وهي التي ستقصى عبد المولى وتلغي دور المختار ونواطيره مهما طال الزمن .

معادلة الصراع لن تحل الا بتحقيق عدالة المخيم.